Chapter 2 · ثمن الكذبة

لم يكن لكلمة "الوريث" الوقع الذي رسمتُه في خيالي.
ظننتُ أنها ستسقط في أرجاء القاعة كحجرٍ يهوي في بركةٍ راكدة؛ شهقةٌ تتردد، ملامحه تنقلب... لكن بدلاً من ذلك، قرر 40 ذئباً في اللحظة عينها أنني كاذبة، وساد المكان صمتٌ مطبق كالموت.
قال فاليريوس بنبرةٍ قاطعة: "أخرجوها من هنا."
هكذا بكل بساطة. هذا هو جوابه على فحص الدم، وعلى كل ليلةٍ قضيتُها في فراشه.
لن أرحل الآن. ليس قبل أن أرى تلك النظرة في عينيه حين يدرك حجم خطيئته.
قالت أقدم نساء المجلس ويدها ترتجف فوق قلادة منصبها: "يا سيادة الألفا... الدم دمها، والتقرير الطبي مختوم. فإن كان هناك—"
قاطعها فاليريوس دون أن يلتفت إليها حتى، بل كانت عيناه مثبتتين عليّ وحدي: "الأطباء سحبوا من دمها مرتين الشهر الماضي... ولم يجدوا شيئاً."
الأطباء يتبعون لفاين، وكل ذئب في هذه القاعة يعلم ذلك يقيناً. كان بوسعي أن أصرخ بالحقيقة، لكن لا طائل من ذلك؛ فالقصة كُتبت فصولها سلفاً، وفي هذه الرواية، الرفيقة المنبوذة هي الكاذبة دائماً.
أطبقتُ شفتيّ، وطويتُ الورقة.
كانت لا تزال دافئة من حرارة يدي. طويتها طرفاً على طرف، ثم دسستها في الجيب المخفي داخل ثوبي، فاستقرّت عند خاصرتي كنَبضٍ ثانٍ مضطرب.
سرت ضحكة متهكمة من الشرفة العلوية. فاين... من غيره؟ كان متكئاً على الدرابزين، وخواتمه تلمع تحت ضوء المشاعل.
هتف بصوتٍ متهكم سمعه الجميع: "خلوها تاخذها معها... تمسح فيها دموعها وهي طالعة."
تعالت ضحكات نصف الحاضرين في القاعة.
الفتاة التي تأتيني بالشاي مع بزوغ الفجر وضعت يدها على فمها لتداري ابتسامة شماتة، أما سائس الخيل، ذلك الذي أعرفه منذ سنين، فأطرق برأسه ينظر في حذائه متجنباً النظر إليّ.
ذئبتي لم تعوِ.
عاشت في صدري منذ أن كنتُ جروة صغيرة، والآن؟ سكنت تماماً. لم تمت، لكنها تقوقعت على نفسها. وحين مددتُ روحي نحوها، انسلّت مبتعدة ككلبٍ عاف كل شيء وقرّر الرحيل.
نزل فاليريوس عن المنصة وقال: "سيرافينا... يدكِ."
"لا."
"يدكِ، أقول لكِ."
"مالك حق تطلبها بالطيب بعد اليوم... مو عقب اللي سويته."
لم يكترث لما قلته، بل جذبها عنوة.
كانت كفه تشتعل حرارة، وكم يمزقني هذا؛ فحتى بعد كل ما حدث، لا تزال لمسته تُشعرني بالوطن. راح يفرد أصابعي واحداً تلو الآخر، بتمهلٍ وتعمّد، ثم أدارني ليواجه ظهري.
انحدرت ياقة ثوبي بمقدار بوصة، فلفح الهواء البارد تلك العلامة المستقرة بين كتفيّ، وتبعته لمسة إبهامه، فانتفض عمودي الفقري كأنه سلكٌ مسّه تيار خاطف.
همستُ بصوتٍ واهن يثير الشفقة: "لا تسوّيها... إن كنت ناوي تنهيها، انطق بالكلمات، ولا تتخبى ورا الطقوس."
قال فاليريوس بنبرة ميتة خلت من أي حياة: "أنا، فاليريوس، سيّد آيرون كراغ، أكسر ما وهبني إياه القمر. أسترد الرابطة. أسترد الاسم. أسترد الدم."
تناول الخنجر الفضي؛ ذلك الذي رقد على المنصة لمئة عام بانتظار مسكينة مثلي.
لم أغمض عينيّ؛ فلن أمنحه لذة رؤية انكساري.
لم يكن الألم كشَقِّ سكين، بل كخطافٍ غُرِس خلف عظم صدري ثم انتُزع عنوةً عبر فقرات ظهري. تردد في أرجاء القاعة صوت تمزق رطب يبعث على الغثيان، صوتٌ سمعه الجميع بوضوح.
بردت العلامة على ظهري في الحال، واستحالت رقعةً ميتة من الجلد، باردة وخدرة كشاهد قبر.
تذوقتُ طعم دمي بنكهته النحاسية اللاذعة في حلقي. هويتُ على ركبة واحدة، وتلاشت الرؤية عند أطراف عينيّ، لكني أرغمتُ نفسي على البقاء منتصبة.
ثم، بدأت روابط القطيع تنقطع.
واحدة تلو الأخرى، 40 رابطة، كأزرارٍ تتطاير عن معطفٍ ممزق. ومع كل رابطة تنقطع، كانت الوجوه في تلك الشرفة تفرغ من أي تعبير. لم يعد الأمر قسوة، بل صار فراغاً مطبقاً... كأنني لم أكن يوماً بينهم.
أشاحت أقدم نساء المجلس بوجهها عني. وتلك اللحظة وحدها هي ما حطّمني، لا نصل الخنجر، بل التفاتة وجهها.
قال فاليريوس: "انتهى الأمر."
وقفتُ على قدمي. مادت بي القاعة لكني لم أترنح. كان الدم ينزف ويتشرب في صوف ثوبي ليبرد ملامساً جلدي.
همستُ له بصوتٍ بالكاد يشبه الأنفاس: "بيجي يوم تترجى ترجعها... وراح أخلّيك تطلبها مني قدامهم كلهم."
انتفضت عضلة في فكّه، ثم عاد وجهه صخراً لا يشي بشيء.
أمر بصرامة: "تكونين عند الحدود مع طلوع القمر. اسلكي درب الشمال، ولا عاد تدوس رجلكِ هنا."
أدرتُ ظهري ومشيت.
رحتُ أعدّ الخطوات: 40 خطوة، بعدد أفراد القطيع تماماً. كان نقر كعبي على حجر السَّبَج هو الصوت الوحيد الذي يشق سكون القاعة. وظلت ذئبتي قابعة في عتمتها، دافنةً أنفها تحت ذيلها.
بلغتُ منتصف الطريق نحو الأبواب حين أرغمتُ نفسي على الالتفات.
كان يحدّق في كفه المفتوحة؛ حيث سال دمه أسودَ قانياً حتى معصمه. لم يلتئم الجرح. كان من المفترض أن يلتحم جسد الألفا في بضع نبضات، لكن هذا الجرح ظل فاغراً فاه.
جفل كل ذئب في القاعة، وتلاشت ابتسامة السخرية عن وجه فاين.
أياً كان ما اقترفه للتو، فقد أحسّت به عظام القطيع بأكمله. نظرتُ إلى ألفا "آيرون كراغ" العظيم وهو يقف فوق منصته، ولأول مرة في حياتي، رأيتُ الرعب يملأ عينيه.
همس بصوتٍ خرج ضئيلاً، يائساً ومكسوراً: "سيرافينا..."
خطوتُ عابرةً العتبة إلى جوف الليل، وفجأة... اشتعلت تلك الرقعة الميتة بين كتفي بحرارة كاوية.
ثمة شيء هناك لم ينقطع بعد.