Chapter 3 · دماء في الماء

مرّت ثلاثة أيام، وكانت رائحة العفن تفوح من يديّ.
واصلت فركهما في مياه الجدول المتجمدة على أية حال؛ الطين يغطي معصميّ، وقطران الصنوبر متغلغل في مفاصل أصابعي. كانت المياه قارسة لدرجة سلبت أناملي مرونتها، لكني لم أستطع التوقف؛ فما كان بوسعي أن أترك لنفسي رائحة تدلّ عليّ.
هنا في الخلاء، الرائحة هي كل شيء. كل ذئب يعلم ذلك، وبالأخص أولئك الذين يطاردونني.
قبل أسبوع واحد فقط، كنت أنام على وسائد من القطن المصري. واليوم؟ أقرفص في جدول ماء كحيوان شارد، أحاول محو أثري من الوجود. لم تكن "غابات الحدود" لتقدم موقداً دافئاً أو كلمة طيبة؛ لم يكن هناك سوى أوراق شجر رطبة تنبعث منها رائحة العفن، وريح تخترق سترتي وكأنها تفتش عن العظم لتنهشه.
جلست على عقبيّ، أتسمّع.
لا شيء. مجرد طائر قيق ينعق في الفضاء الخاوي فوق قمم الأشجار.
امتدت يدي إلى بطني؛ عادة حمقاء. ثلاثة أسابيع فحسب، ولم يكن هناك ما يمكن لمسه سوى تلك العضلات التي بنيتها أثناء تدريبات القطيع، وعقدة باردة من الرعب تستقر في أحشائي. أبعدت يدي قسراً.
همست لنفسي: «أنتِ بخير... أنا أتدبّر الأمر».
لا أحد يخبرك كيف يكون شعور انفصام الرابطة في حقيقته؛ ليس قطعاً حاسماً ونظيفاً، بل كضرس يُقلع من فكك وأنت ما تزال تمضغ؛ يظل موضعه ملتهباً ونازفاً، ويتوجّع كلما انخفض الضغط الجوي.
كانت رابطتي جمرة تشتعل في كتفي اليمنى، في الموضع ذاته الذي ضغط عليه بكفّه. كلمة واحدة، وأربعمئة شاهد، واستحال عالمي كله إلى رماد. حتى إنه لم يلتفت إلى الوراء حين فعلها... فاليريوس.
تفقدت الوسم ذلك الصباح؛ ما زال محمراً، وما زال ندياً بالدم.
لا بأس، فليدمِ إذن. فالنزف يعني أنني حية، وما دمت حية فما زال لي رأي في طريقة نهاية هذه القصة.
أخرجت الورقة المتغضنة الرطبة من العرق من جيبي: *سيرافينا فايْل. فحص هرمون الحمل. إيجابي.*
لم أكن بحاجة لقراءتها؛ فقد حفظت الحكم غيباً في مقصورة مرحاض، وصدى صوت خالتي يتردد في أذني مذكّراً إياي بأن القمر لا يعيد ما أخذ.
كانت الحياة مزحة سمجة... وكنت أنا مبعث الضحك فيها.
تحوّل اتجاه الريح عند الظهيرة، حاملةً معها صقيعاً شمالياً قارساً... وأصواتاً.
انبطحت على الأرض خلف شجرة ساقطة قبل أن يستوعب عقلي الخطر حتى.
ثلاثة منهم. عرفت مشيتهم قبل أن أميّز كلماتهم. روك، من دورية القطاع الشرقي، بعرجته المألوفة الكسولة في ساقه اليسرى. وجروان يافعان، خرجا لتوهما من أول تحوّل لهما، يتعثران بين جذور الأشجار كالحمقى.
تمتم روك: «أكيد إنها صوب الحافة؛ ما حد يتوغل أعمق في نوفمبر».
«الألفا قال حيّة وإلا ميّتة؟»
بصق روك على الأرض وقال: «الألفا قال *الْقَوها*. شرّ البلية ما يضحك؛ يوقّع على أمر النبذ قدام القطيع كله، والحين النوم مجافيه! ما عنده غير "تتبّعوا أثرها" و"ما حد يرجع لبيته لين نمسكها"».
ضحك أحد الجروين بسخرية: «يمكن مشتاق لرفيقته؟»
«ويمكن تقضب لسانك قبل لا أعلّمه بكلامك ذا».
ألصقت وجهي بلحاء الشجر الرطب، وأنفاسي تكاد تنقطع. قضيت ثلاثة أيام وأنا أطمس رائحتي بالرماد والطين، وأمشي وسط مياه الجدول لأمحو أثر خطاي. لو اقتربوا لمسافة تكفي لشم رائحتي، لانتهى كل شيء.
واصل الجروان مسيرهما، بينما توقف روك.
هذا هو دأب المقتفين المهرة؛ لا ينظرون بأعينهم، بل يتنفسون الأثر. وقف هناك، ومنخراه يتسعان، ورأسه يميل كأنه يلتقط نشازاً في لحن ما. رأيت أنفه يرتجف؛ لقد علق به شيء... وتردد.
سأله الجرو: «شامّ لك شي؟»
سكت روك لوهلة طويلة تخفق لها القلوب رعباً، ثم قال: «ريحة قديمة... فيها غضب».
واختار وسمي تلك اللحظة بالذات لينبض؛ توهج وكأنه ملعقة محمّاة تكوي جلدي. عضضت على معصمي بكل قوتي لأكتم صرختي.
خطا روك خطوة، ثم اثنتين. واستقر حذاؤه على بعد 6 بوصات فقط من مرفقي. رأيت الطين المتحجر على مقدمته، وتطريزه البالي.
ثم دارت الريح، وحملت رائحتي بعيداً عنه.
زمجر في اشمئزاز: «ما فيه شي. واصلوا المشي... صوب الحافة».
بقيت منبطحة حتى ساد الغابة صمت مطبق. نهضت بسرعة، فزلت قدمي على حجر أملس، واصطدمت قصبة ساقي بغصن يابس مدبب غرس نابه في لحمي، وقشر الجلد كأنه ورقة.
دم... قاني، وحار، وفوار.
فححت بصوت مرتجف: «يا غبية... دم في الماء، ودم على الصخر».
مزقت رقعة من قميصي وربطتها بإحكام. لكنني شعرت به حينها؛ دفء رطب ينبض بانتظام على ظهري... في كتفي. انفتق وسم الرابطة من جديد، وراح ينزف دماً يتسرب عبر سترتي في ثلاثة خطوط غليظة.
وفاحت منه رائحة أوزون وحديد.
الروابط الميتة لا تنزف، بل تصبح ندوباً يابسة. وذلك يعني أنها لم تمت... ويعني أنها ما تزال مشدودة إلى شيء ما.
فاليريوس.
هرولت نازلة أسفل المنحدر في ذعر محاولةً الوصول إلى الجدول، لأداري رائحة خيانتي لنفسي. وكنت في منتصف المنحدر حين صدمني ذلك الصوت.
لم يكن عواءً، بل هديراً منخفضاً متهادياً هزّ أضلاعي، وشق طريقه عبر الأشجار وكأنها لم تكن.
خارت ركبتاي، وارتطمت بالطين وأنا ألهث.
نبض الوسم على كتفي متناغماً مع ذلك الصوت؛ جذباً مغناطيسياً معذِباً. لم يكن مجرد أثر... كان قيداً يشدّني إليه.
لم يكن في القصر، ولم يكن جالساً خلف مكتبه.
بل كان هنا في الخلاء... كان يطارد.
وللتو فقط، التقطت حواسه رائحة دمي.