Chapter 1 · بزيّ التوقيع
الفصل الأول
كانت الورقة ملقاةً على السجادة قبل أن يَنطق أحدٌ في المجلس باسمي.
كانت مستلقيةً ووجهها للأعلى، بحيث لم يضطر أحدٌ إلى الانحناء. جلس عمي في أقرب موضعٍ إلى الباب ومسبحته تدور حبةً تلو حبة، دون أن يلتفت إليّ. وجلس بندر في الصدر والدلّة أمامه، ولم يرفعها.
«قومي»، قال عمي. «وقّعي، وتكفّ البوابة عن الانتظار».
أربع سنواتٍ والبوابة تنتظر. وخلف السور، كان الرجال الذين طافوا يوماً ببيان التنديد من بيتٍ لآخر يقفون الآن وهواتفهم مصوبةٌ نحو المجلس، يترقبون ورقةً واحدة تعيد اسمي إلى قبضتهم من جديد.
دارت القهوة. صبّةٌ من علو الدلة، دون نصف الفنجان، باليمين. تناولتُ فنجاني ولم أشرب. كان الهيل لا يزال يدور على وجهه.
«كان لكِ»، قالت امرأةٌ متكئةٌ عند الجدار بلطفٍ كان أشدَّ وطأةً من كل ما عداه. «قولي إنه كان لكِ وينتهي الأمر».
كان العود قد أُشعل مبكراً، قبل دخول أول ضيف. ظل عابقاً في الهواء فوق السجادة، وفوق الورقة، وفوق الصينية، حتى بات كل شيء في المجلس يحمل الرائحة ذاتها: رائحة الخشب والدخان.
وضعتُ الفنجان دون صوتٍ على الصحن. كانت عبايتي سوداء مسدولةً حتى المعصم، وطرحتي مثبتةً بدبوسٍ عند كتفي. كنتُ قد ارتديت ثيابي لمجلس، ولم يخبرني أحدٌ بأنني أرتديها لتوقيع.
وضع بندر كفّه منبسطةً على السجادة. ليس على الورقة، بل إلى جوارها.
«اقرأها ثانيةً»، قالها دون أن يوجّه حديثه لأحد، فسكن المجلس سكوناً يشبه صمت الغرفة حين تُصب القهوة ولا تُتناول بعد.
دفع عمي القلم عبر السجادة، فاستقر متوقفاً عند كمّي.
ظل القلم حيث توقف، مشبكه يلامس معصم كمي، ولم أحرّك ذراعي. فالشيء الذي يُدفع على السجادة هو في حكم المرميّ.
«اقرأها ثانيةً»، قال بندر.
في المرة الأولى وجّه القول للمجلس كله. أمّا هذه المرة فقالها للمرسال، الذي كان لا يزال واقفاً عند العتبة حاسر القدمين إلا من جواربه على الرخام، ممسكاً بالمظروف المفتوح بكلتا يديه كما يحمل الرجل صينيةً لم يُؤذن له بوضعها بعد. كان لسان المظروف ممزقاً ولم يُعد إغلاقه. ذلك ما لمحته قبل الورقة، وقبل القلم، وقبل أن تبدأ مسبحة عمي عدّها البطيء: مظروفٌ عبر البوابة مفتوحاً، وتجاوز الرجال عند السور الذين انتظروا أربع سنوات حتى نقع في زلّة إهمال.
«اقرأ»، قال بندر، «كي يسمع المجلس ما يُطلب منا بالضبط».
تحرك حلق المرسال بريقه. كان شاباً، ولم تكن هذه الورقة ورقته، بل قُبض له أجر ليدخل بها لا ليكون له فيها رأي. قرأ السطر الأول، ثم الثاني، ثم توقف كما يقف المرء أمام عتبةٍ في الظلام.
«أكمل».
«... وحيث إن الإقرار الصادر كان منها وبمحض إرادتها، فإنها تصادق عليه أمام المذكورين...»
المذكورين. ولم يكن هناك أي اسم.
أمسكتُ بفنجاني ولم أشرب. هيل، وخيطٌ من الزعفران عند الحافة، وثلاث حبات تمرٍ على الصحن لم يُمسّ منها شيء. والمرأة التي تحدثت بلطفٍ من جهة الجدار جلست ويداها مشبوكتان، وذلك التشبيك كان العلامة. فما من أحدٍ يشبك يديه في هذا المجلس إلا وقد حُسم أمر الليلة سلفاً.
«الصفحة الثانية»، قال بندر.
كانت هناك صفحة ثانية. لم يأتِ أحدٌ عند الجدار على ذكر صفحةٍ ثانية. كانت تسحب اسمي من سجل الشركة — الشركة التي بناها جدّي لأمي، وأدارها إخوة عمي، وحيث جلستُ أحد عشر عاماً أوقّع بيدي وباسمي على المعاملات — وتنقل اسمي إلى ملحقٍ مع ملاحق الذين يُدفع لهم عوضاً عن استشارتهم. لم تكن الصياغة هكذا صريحة، بل كُتب: *تعديل في تفويض التوقيع*، وتلك هي الطريقة التي يُقال بها في المجلس ما لا يودّ أحدٌ الجهر به في المجلس.
«وعند المصادقة على الإقرار»، تلا المرسال، «يُسحب البلاغ ويُحلّ المعترضون عند البوابة من تعهدهم».
«يُحلّون». أدار عمي حبةً في مسبحته. «سمعتِ يا نورة؟ يُحلّون، وننتهي من هذا كله».
وضعتُ الفنجان. بهدوء، إذ لا حاجة للجلبة فوق سجادة.
«ختمُ مَن عليها؟»
نظرت عيون المجلس إلى الورقة. بلا ختم، وبلا توقيع، ودون ترويسة سوى اسمٍ مطبوع في أعلاها بخطٍ لا يمتّ لمكاتب هذه المدينة بصلة — ولم يخطر ببال أحدٍ في المجلس أن يسأل، لأن السؤال كان قد دار بينهم قبل دخولي، وتكفلت الرغبة بالرد عليه.
«ختم أحدهم»، قال عمي. «أيهمّ ختم من؟ المكتوب واضح».
«بل يهم»، قال بندر من الصدر، «لأن الإقرار أمام جهةٍ مجهولة هو إقرارٌ أمام لا أحد».
لم يرفع صوته، ولم يرفع الدلة أيضاً، وظلت أمامه ممتلئةً، في حين جاءت الصبّة الأولى من دلة الخادم عند الباب — وذلك ديدن المجالس حين يأبى المضيف أن يصب بنفسه. أحد عشر رجلاً، وست نساء، وما خرج فنجانٌ واحد في ذلك المجلس من يد صاحب الصدر. ليس ذلك بقلة ذوق، بل هو أمرٌ للمجلس بأن ينتظر، والمجلس إذا قيل له انتظر، أخذ يحدّث نفسه.
وتحدّث.
«أربع سنين»، قالت المرأة عند الجدار، موجهةً كلامها إليّ بلطف. «أربع سنين والبوابة على هذا الحال، والرجال بالخارج هواتفهم مصوبة نحو هذا البيت. يا نورة... لو كان سطرٌ واحد سينهي كل شيء...»
«لكان الأجدر بأحدٍ أن يكتبه منذ أربع سنوات»، قلتُ، «ويُنال له الشكر، وتُطرح له متكأةٌ عند هذا الجدار. ومع ذلك فها نحن جلوس، ولا أحد يشكر أحداً».
وُضع فنجانٌ على عجل في أقصى المجلس. دارت المبخرة، فجمع رجلٌ دخانها إلى صدره بيده ثم مرّرها، وتغلغل طيب العود في السجاد والورق على حد سواء، حتى بات لكل ما في الغرفة الأريج نفسه.
«احفظي لسانكِ»، قالها عمي بغير حدّة. كان متعبًا، وتلك كانت علّته؛ متعبًا منذ أربع سنوات، والرجل المتعب يقايض سمعة الاسم ببوابةٍ هادئة ويسمّي ذلك حكمة. «لستِ طفلة، فلا تتصرّفي كالصغار الآن.»
قلتُ: «يا عمّي، أنا أتصرف بعقلانية الكبار في هذا المجلس منذ ما قبل البوابة. لم تكن تطيقني حينها، ولا تطيقني الآن، لكنك لم تضطر قط لتبرير تصرفاتي لأحد.»
مرّر حبةً أخرى في مسبحته.
قال أحد الرجال عند القوس: «الحق معها في سالفة الختم»، ثم بدا كأنه فوجئ بما نطق به.
قال بندر: «ليست الصعوبة في التسوية». وبسط كفّه على السجاد، ليس فوق الورقة، بل إلى جوارها. «الصعوبة تكمن في أنهم يطلبون منا التوقيع على ما تداولته أيدٍ أخرى قبلنا. لقد وصلتنا مفتوحة؛ قرأها غيرنا قبل أهل هذا المجلس. وهم يطلبون منها الإقرار بأن البيان كان صادرًا عنها، بينما قامت هذه السنوات الأربع برمتها على نفي ذلك عنها.»
قالت المرأة: «فلتَقُل إنه منها إذن، فما هي إلا جملة.»
قال بندر: «إنها جملة، وهي قيدٌ رسمي. لا يسعها أن تكون هي صاحبة البلاغ والطرف المتضرر منه معًا. وقّع الصفحة الأولى وستجد الصفحة الثانية قد وقّعت نفسها.»
لم يملك أحدٌ جوابًا لذلك، فسلك المجلس الدرب الآخر، وهو الدرب الذي تسلكه المجالس حين يعوزها الجواب: أخذوا يتحدثون عن اللين والمعروف، وكم سيكون ذلك خيرًا للعائلة، وكيف عطّلت البوابة مصالح رجالٍ لا ناقة لهم في الأمر ولا جمل، وكيف لامرأةٍ في الثلاثين أن تفكّر فيما تودّ الاحتفاظ به.
أنصتُّ إلى ذلك كله ويداي في حجري، وطرحتي مثبتة بمشبكها عند كتفي، وعباءتي مستورة حتى معصميّ، بكامل هيئتي للمجلس كما كنتُ منذ الصباح، وفكّرت: لقد تصرّفوا سلفًا فيما سينالونه بعد توقيعي؛ بل وفرشوا به مجالسهم.
قلتُ: «اقرأ البند الأخير».
حدده المراسل بإصبعه وقرأه، فتغيرت نبرة صوته؛ فقد كانت صياغته ركيكة، والناس دائمًا ما يشعرون بركاكة العبارة في حناجرهم: إذا سُحب الإقرار لاحقًا، يظلّ إسقاط القيد قائمًا.
قلتُ: «مرّةً واحدة. لا يحتاجون مني إلا مرّة واحدة».
وضع عمي القلم.
لم يكن ذلك استسلامًا منه، بل كان أسوأ: كان مداراة. لقد قرر أنني سأنصاع للأمر بمفردي، في الصباح، في غرفةٍ أصغر، وبشهودٍ أقل يرون إذعاني، وكانت المداراة في تركي أظنّ أن هذه الأمسية قد انتهت.
قال عمي: «سينتظر المراسل. البوابة انتظرت أربع سنوات، وستنتظر ريثما ننتهي من القهوة.»
قال بندر: «ستُفتح البوابة. إن شاء الله.» قالها بنبرةٍ جافة، كما يقول رجلٌ شيئًا رُتِّب سلفًا ولم يبقَ إلا إعلانه. ثم رفع الدلة.
صبّ لي أولًا.
من علوّ الدلة، أقلّ من نصف فنجان، باليمين، والمجلس يرقبه مشدوهًا — يرقبون مضيفًا يصبّ لأصغر الراشدين الحاضرين سنًا قبل أكبر الرجال قدرًا عند القوس، فخيّم صمتٌ مهيب أعاد فيه كل جالسٍ حسابات مقامه وموضعه. ثم صبّ لعمي، وبعدها تناول الخادم الدلة وطاف بها، ليتنفس المجلس الصعداء من جديد؛ فالمجالس تغفر كل شيء تقريبًا ما دامت القهوة تدور.
شربتُ. كان الهيل لا يزال دافئًا، والتمر باقٍ في الصحن، والورقة ممددة على السجاد ووجهها لأعلى، حيث يمكن لأي أحد أن يقرأها.
قال بندر: «خلاص، رُفِع المجلس.»
خرجوا واحدًا تلو الآخر، وكان عمي آخرهم، فوقف عند القوس وقبض على مسبحته وقال: «قبل صلاة الظهر غدًا يا نورة»، ولم يُتِمّ جملته، لأن إتمامها كان سيجعل منها أمرًا جازمًا، وفضّل أن يُبقيها في باب الرجاء.
انتعل المراسل حذاءه عند العتبة وهبط الدرجات نحو البوابة خالي الوفاض، فوجّه الرجال في الخارج هواتفهم نحوه بدلًا من توجيهها نحو البيت.
بقيتُ في مكاني. لم يقترب بندر مني؛ جلس في الصدر والدلة أمامه والورقة بيننا على السجاد، دون أن يمسّها أيٌّ منا.
قلتُ: «صببتَ لي أولًا.»
«فعلتُ.»
«سيقولون إنك اخترتَ صفًّا.»
«يقولون هذا منذ أربع سنوات.» نظر إلى الورقة، ثم إلى الباب الذي خرج منه المراسل. «إنها غير مختومة يا نورة. مَن أرسلها أراد أن تُقرأ في هذا المجلس أكثر مما أراد أن تُوقَّع فيه.»
خلف السور، دار محرك سيارة فردّ عليه محرك أخرى، وظلت البوابة مغلقة، واستمر شمال هذه المدينة ساكنًا على النحو الذي يسكن به حين يُقضى أمرٌ ما.
قلتُ: «فليقرأوا إذن. سأردّ في هذا المجلس، وليس فوق هذا السجاد.»