Chapter 2 · القهوة قبل الورق
الفصل الثاني
لم تَبقَ الورقةُ على السجّاد.
رفعها بندر بنفسه قبل أن تدخل القهوة، ووضعها على الطاولة النحاسية المنخفضة، مسوّاةً بحافتها، ووجهها إلى أعلى. ثم أسند ظهره في صدر المجلس وترك الغرفة تعود غرفةً كما كانت. كان البخور قد تآكل حتى خيط دخانه الأخير. وخلف الجدار، كان أحدهم يغسل حجر الحوش بالخرطوم، وكان صوت الماء هو الصوت الوحيد في شمال هذه المدينة.
لم أذهب إلى جناحي. كان ذلك هو جوابي، وجلستُ متحصّنةً به؛ في الطرف القصي من المجلس، عبايتي مزمومة حتى نحري، وطرحتي تغطي شعري، ويداي كلتاهما حيث يستطيع أيّ من يلتفت أن يراهما.
ثم البوابة.
ليست الباب الصغير، ولا الجرس. بل البوابة الكبيرة التي تحتاج رجلين لفتحها. وبعدها وقع خُطى، وتوقف صوت الخرطوم.
عرفتُ المِشية قبل أن أرى الوجه. عمّي يمشي هكذا منذ كنتُ طفلة، يثبت عقبه أولاً، كأنما الأرض شيءٌ تكرّم بالصبر عليه.
سلّم على بندر أولاً، فتلك أصول المجلس. وقام له بندر، فتلك أيضاً أصول المجلس. ثم التفت وقال: «نورة.»
«يا عمّي.»
جلس جانباً لا في الصدر، وذلك ما يفعله الرجل حين يريد أن يُفهم أنه غير ماكث. جاء الخادم بالدلّة وصبّها عاليةً دقيقة في فنجان لم يبلغ نصفه، فأخذه عمي بيمينه، وشرب، وقال: «يعطيك العافية» دون أن يلتفت، ووضع الفنجان عند طرف صحن التمر. القهوة قبل الورق. وأجبرني أن أشهد ذلك كله حتى آخره.
ثم وضع إصبعين على وثيقة الصلح ودفعها فوق النحاس، فرَنّ النحاس تحتها.
قال: «هناك جمعٌ عند بوابتكم. أربعون رجلاً، أو ربما أكثر. واقفون هناك منذ انصرف المراسل، وسيظلون واقفين حتى يُردّ على هذا.» نقر على السطر في أسفل الصفحة. «وقّعي الليلة. مكتوب فيها إن البلاغ كان منكِ... منكِ وحدكِ، وصدر عن خطأ. تضعين اسمكِ هناك، ويُقفل الملف، ويعود كل واحد من أولئك الرجال إلى بيته يتعشى.»
«ويُقفل اسمي معه.»
«اسمكِ هو ما جاؤوا لأجله.»
نظرتُ إلى الورقة، ولم ألمسها. وقلت: «هو اسمي، وليس ثمناً يُدفع.»
لم يتمالك أحد الرجال الذين تبعوه إلى المجلس نفسه، فقال: «قومي وقّعي يا نورة، ما أحد في هالمدينة بينام حتى توقّعين.»
لم يفعل بندر شيئاً. وكان ذلك هو كل ما في أمره. لم يرفع صوته، ولم يمل بجسده إلى الأمام، ولم يضع فنجانه بقسوة. أدار الفنجان دورةً واحدة بين أصابعه، فاستقرّ ثقل المجلس في نصابه، وانقطع نفَس الرجل في منتصفه، وأطرق الذي بجانبه يحدّق في السجّاد كأنما رأى فيه عجباً.
قال بندر: «يا عمّي، أنت أدخلتَ هذا إلى مجلسي، فدعه في مجلسي.»
«اسمك مكتوب فيها. بصفتك شاهداً.»
«قرأتها مرتين الليلة. ليس في تلك الصفحة إلا سطر واحد، وهو سطرها. وأنا لا أخطّ يدي تحت صفحة ليس فيها إلا سطرها.»
تمهّل عمّي لحظة، على عادته، ليُظهر أن الصبر خياره هو وليس شيئاً فُرض عليه. وقال: «إذن تقف وحدها عند تلك البوابة.»
قلت: «وقفتُ عند تلك البوابة قبل أربع سنوات. ما هو بالوقوف الذي أبالي به.»
نظر إليّ ملياً حينها، للمرة الأولى منذ دخل، ولم يكن في نظرته غضب. وذلك هو الجانب الذي لم يفهمه الناس قط في عمّي. لم يكن رجلاً قاسياً، بل كان رجلاً قد حسم في نفسه ثمن هذا العالم، وقرر أنني مجرد سطر فيه يمكن نقله.
قال: «سيكونون هناك عند الفجر، وعند الظهر. وحين يرجع آخرهم إلى بيته، سيكون هناك آخرون لن يرجعوا إلى بيوتهم، ولن يطرقوا الباب.» ثم وقف: «شربتُ قهوتكم. والآن سأمضي وأخبر أربعين رجلاً أن في هذا البيت امرأةً لم تحسم أمرها بعد.»
قلت: «قل لهم المجلس مفتوح.»
توقف عند العتبة ونعلاه في يده.
قلت ثانيةً: «قل لهم المجلس مفتوح، وفيه قهوة. أخرجوا الدلّة إليهم، وأخرجوا التمر. ما أحد يقف عند بابي جائعاً وأنا أقرر.»
وضع نعليه وخرج دون كلمة أخرى، وبعد هنيهة امتلأت واجهة البيت بصوت بوابة تحتاج رجلين لفتحها.
لم يتحرك بندر. كانت الورقة لا تزال مسوّاةً بحافة طاولة النحاس، وجهها إلى أعلى، غير موقّعة، وسطرها الوحيد ينتظر في الأسفل.
قال: «أطعمتِ لتَوّكِ رجالاً جاؤوا ليرَوكِ تنكسرين.»
قلت: «إذن سيبطئون في انصرافهم، وسأكون لا أزال هنا حين يفعلون.»
خارج الجدار دارت القهوة، وهدأ الحوش كما تهدأ الأحواش حين يشرب أربعون رجلاً ويفكّرون، وظلت البوابة مفتوحةً طوال الليل، ولم يعبرها أحدٌ في هذه المدينة.