رجوع

لأن الخطر في القاعة

0%

Chapter 3 · مكشوفاً بلا توقيع

لأن الخطر في القاعة Chapter 3

الفصل الثالث

أُغلقت البوابة قبل أن تعلو الشمس السور، وبحلول الساعة الثانية كان الشارع أمامها قد كُنس حتى آخر حبة هيل من ليلة البارحة.

لكنهم عادوا على أية حال. كانوا أكثر عدداً من الليلة السابقة، وهذه المرة لم يقفوا في الفناء وفناجينهم بأيديهم، بل دخلوا إلى الداخل.

وقفتُ عند باب المجلس، وعباءتي ملمومة عند أحد معصميّ، والطرحة مستقرة بهدوء فوق شعري، وأنا أراهم يأخذون مجالسهم بالطريقة التي يدخل بها رجالٌ يعتقدون أن المكان حقٌّ لهم: أبو سلمان أولاً لأنه أكبرهم سناً، بثوبٍ كُوِيَت ياقته ونُشِّيَت كالنصل، يعلوه بشت تظهر حافته المذهبة؛ ثم الاثنان اللذان وقّعا النسخة الأولى في الربيع، ثم ستة آخرون أعرفهم بآبائهم، ثم أولئك الذين ما جاؤوا إلا للمشاهدة.

كان بندر قد جلس بالفعل في صدر المجلس. ليس في المتكأ الأقرب إلى الباب، ولا في المقعد الذي يتيح للرجل مراقبة الغرفة، بل في المقعد الذي يجبر المجلس بأكمله على الالتفات لرؤيته. لم ينهض حين دخلوا، ولم يكن بحاجة إلى ذلك؛ كان الرجال يقصدونه فيستقبلهم، والمجلس يترتب حول سكونه كما ينبسط الماء على أرض مستوية.

كانت الورقة في مكانها الذي باتت فيه طوال الليل، محاذيةً بدقة لحافة الطاولة النحاسية، وجهها إلى الأعلى، دون توقيع.

أحضر خادم البيت الدلة وأدارها بادئاً باليمين. الصبّة من علٍ والفنجان لا يأخذ سوى أقل من نصفه، والتمر يوضع عند حافة الصحن، ولم يكن أحد في ذلك المجلس بحاجة إلى من يعلّمه مغزى شيء من ذلك. تناول أبو سلمان فنجانه بيمينه، وكذلك فعل الذي يليه، وكذلك فعلوا جميعاً.

الفنجان الأول للترحيب، والثاني للمقصد.

وحين عاد خادم البيت بالدلة يدور ثانية، وضع أبو سلمان كفه مبسوطة فوق فنجانه ونظر إليّ.

فعل الرجل الذي بجانبه الشيء نفسه، ثم الذي يليه. تسع أيدٍ استقرت فوق تسعة فناجين، فتوقف الصبّ، واستندت الدلة إلى ساق خادم البيت، والتفت المجلس بأكمله بالطريقة التي يلتفت بها حين ينتهي الكلام ويبدأ الانتظار.

«أنهي الأمر يا سيدتي»، قال أبو سلمان، «أنهيه ونشرب جميعاً».

كان صوته رزيناً. وذلك تحديداً ما كان يخيف النساء اللواتي لم يكنّ في هذه الغرفة؛ كان يتمتع بصوتٍ رزين وسمعة طيبة، وكان قد جاء في الليلة الماضية يتبعه أربعون رجلاً ليرى إن كانت بوابتي ستصمد.

قلتُ: «شربتم فنجاناً واحداً. لم تكونوا جياعاً عند البوابة إذن».

«ما جئنا من أجل البوابة».

فقلتُ: «صحيح، جئتم من أجل سطرٍ من حبر. لكنكم شربتم أولاً؛ تلك هي الأصول في هذا البيت، وأرى أنكم لم تعترضوا عليها».

ابتسم أحد الشبان، ثم تلاشت ابتسامته حين التفت إليه أبو سلمان التفاتة لا تكاد تبلغ نصف بوصة.

خطوتُ إلى الأمام. لم أقترب من أيٍّ منهم، ولم يقم أحد منهم؛ فليس هذا ما يُفعل في مثل هذا المجلس. تقدمتُ حتى بلغتُ زاوية الطاولة النحاسية، ومددتُ يدي فوق الورقة، ونظرتُ إلى الأسفل، إلى السطر الوحيد الذي ينتظر في أسفلها.

كان ينص على أن البلاغ كان مني.

كان ينص على أنني سمّيتُ الرجال عند بوابتي بمحض إرادتي، وبصوتي أنا، وأنه ما من أحدٍ كتبه نيابة عني ولا طلبه مني أحد. سطرٌ يتيم، اسمان من أسمائي في وثيقة لم أقرأها إلا حين وصلت.

قلتُ: «إن وقّعتُ على هذا، كفّت البوابة عن الانتظار».

وافَقها أبو سلمان: «تكفّ البوابة عن الانتظار، هذا هو المقصد».

قلتُ: «هذا هو المقصد إذن. البوابة تنتظر بسبب ورقة لم يوقّعها أحد، فيكون العلاج ورقة أخرى، وأكون أنا من يوقّع، وتكونون أنتم أصحاب الحق».

قال موجّهاً حديثه إلى بندر لا إليّ: «يا أستاذ، تكلّم معها».

لم يكلّمني بندر؛ بل رفع القلم من جانب الطاولة النحاسية، أمسكه لحظة، ثم أعاده إلى حيث كان، وكان صوت وضعه خافتاً جداً لكن المجلس كله سمعه.

قال: «القلم هناك، ما أحد أخذه منها».

فقال أبو سلمان: «إذن فلتأخذه».

فأخذتُه.

كتم المجلس أنفاسه كأنما انحبس في صدره الهواء؛ تسعة رجال نسوا أنهم كفّوا عن الشرب، ومال أحد الشبان إلى الأمام فمال الفنجان بين أصابعه حتى تداركه قبل أن يسقط.

أدرتُ القلم دورةً واحدة في يدي، كما يدير المرء شيئاً يفكّر في أمره، ثم وضعته منبسطاً بعرض الورقة، مستقيماً فوق السطر، بحيث اتجهت ريشته صوب أبي سلمان ومقبضه نحو الفراغ.

قلتُ: «ها هو ذا، قد أُخِذ. وسيظل مكانه حتى يخبرني أحدٌ في هذا المجلس كم يساوي اسمي عنده، برقم ينطق به جهراً بملء فمه أمام هؤلاء الرجال. ليس بورقة، بل برقم».

صمتٌ. صمتٌ حقيقي من ذلك النوع الذي له ثِقَل ويحتل أرجاء المكان.

قال أبو سلمان بتمهل: «أنتِ تطلبين ثمناً».

قلتُ: «بل أطلب قدراً وقيمة. فالثمن ما يدفعه الرجل ليتخلص من شيء، وأنا لا أطلب التخلص من أي شيء. أنا أطلب من تسعة رجال ردّوا قهوتي للتو أن يقولوا كم أساوي في نظرهم، دون أن يملي ذلك عليهم أحد».

تحرك فكّ أبي سلمان، حركة طفيفة لا تكاد تبين. لكنني كنت أراقب فكوك الرجال منذ أربع سنوات، وأعرف هيئة من يعيد حساباته.

ثم نهض بندر، فوقف المجلس معه كما يقف المجلس بطبيعته، وتناول الدلة من يد خادم البيت.

قصد أبا سلمان أولاً، فصبّ له بنفسه؛ صبّة من علٍ لأقل من نصف الفنجان، والرغوة تنكسر عند حافته. ثم الذي يليه، ثم طاف عليهم جميعاً، على قدميه، فنجاناً فنجاناً، وما من رجل في ذلك المجلس وضع كفه فوق فنجان يصبه صاحب البيت.

قال حين امتلأ آخر فنجان: «الفنجان فنجان البيت، والقلم قلمها. تقهوَ يا أبا سلمان، ولا نجلس هنا نتظاهر بأن القهوة كانت هي المسألة أصلاً».

نظر أبو سلمان إلى الفنجان في يده طويلاً، ثم شرب.

شربوا جميعاً؛ تسعة فناجين ثُنّي بها، ودار التمر مرة أخرى، واسترد المجلس أنفاسه بصوت يشبه باباً يُفتح في ناحية قصية من البيت.

لكنه قبل أن يخرج وقف عند العتبة، ولم ينظر نحوي؛ بل نظر إلى الورقة الموضوعة على الطاولة النحاسية والقلم ملقىً فوقها بالعرض.

قال: «إن شاء الله، غداً القلم في محله».

وخرج، فابتلعت البوابة الجمعَ كلّه دفعة واحدة، وامتلأ الحوش بدويّ المحرّكات ثم سكن وفرغ.

كانت سيارة عمي عند السور منذ الصباح، لم تدخل وقتها، ولم تدخل الآن.

ظللتُ واقفة في مكاني حتى غادر آخرهم، ثم التفتُّ إلى بندر الذي لم يعد إلى جلوسه، وكان يرنو إليّ كما يتأمل ورقة قبل أن يقرر ما كُتب فيها.

قلتُ: «قدّمتَ لهم قهوتهم».

قال: «قدّمتِ لهم قهوتهم البارحة، وما رضيتُ أن أُغلب في مجلسي».

«سيعودون».

أقرّها قائلاً: «سيعودون، وستظل الورقة بلا توقيع، والقلم ممدداً بالعكس، وسيكون على كل رجل دخل هذا المجلس اليوم أن يبرر لأهل بيته لِمَ شرب من يدي ولم يشرب من يدكِ».

تناول القلم ووضعه ثانيةً بالعرض، معدّلاً زاويته بمقدار عرض إصبع.

قال: «وهذا يسوى أكثر من توقيع».

في الخارج، كان الشارع ساكناً، والبوابة مشرعة، ولم يدخل منها أحدٌ في هذه المدينة.