Chapter 1 · اثنا عشر يوماً مضت
عبقت في المجلس رائحة العود والهيل، وكانت الغرفة قد حسمت أمرها فيه من قبل.
كان سعد البقمي يتصدر المجلس. لم ينهض حين دخلتُ، ولم يكن بحاجة إلى ذلك. اثنان من أبناء عمومته جلسا على المقعد الأيسر، ورجل من مكتب العائلة جلس على الأيمن يحمل ملفاً لم يفتحه قط، وجاء صباب القهوة إلى سعد أولاً ثم إليّ. باليمين. صبّة حشمة، نصف فنجال. قلتُ: «بس» قبل أن يصبّ الثاني، فأخذ الدلة ومضى.
أبقيتُ عباءتي مزمومةً عند معصميّ. أما طرحتي فلم أممسها.
قال سعد: «جئتِ.»
«أرسلتَ في طلبي.»
«أجل، أرسلت.»
أطرق الرجل ذو الملف ناظراً إلى السجاد. وانشغل ابنا العم بهاتفيهما. هكذا هي الرياض؛ يعرف كل من في المجلس كيف يوجّه نظره إلى مكان آخر.
أدار سعد فنجاله دورةً واحدة، ثم وضعه. وكان للصوت الخافت، حين مسّ الخزفُ النحاسَ، وقعُ باب يُغلق تماماً.
قال: «اثنا عشر يوماً. خرجتِ في الصباح، ولم تأخذي السيارة.»
«أخذتُ سيارة.»
«ليست سيارتي.»
نظرتُ إلى يديه عوضاً عن وجهه. لم تكن المسبحة بينهما، بل وضعها على ذراع كرسيه المنقوش، وتدلت حباتها ساكنةً تماماً. وأدركتُ أنه وضعها هناك عمداً، ليهيئ لنفسه ما يمدّ إليه يده بتأنٍ محسوب.
«قل ما استدعيتني لتقوله.»
«سأقول.»
تململ ابن العم الأقرب إلى الباب ونقل ثقله من جنب إلى جنب. لم يلتفت سعد نحوه، فوقف الرجل، ووقف الباقون معه، وأُخلي المجلس بتلك الخفة الصامتة التي يجيدها رجال صُرفوا ويعلمون أن من الحكمة ألا يسألوا.
انغلق الباب مستقراً في موضعه، وتهادت رائحة العود في الهواء البارد.
تناول المسبحة، فانزلقت حبةٌ واحدة في راحة كفه ثم سكنت.
قال: «كمّك.»
نظرتُ إلى أسفل. كان أحد الأزرار قد انحلّ عند معصمي، فبان سوار الذهب تحته في ضوء المصباح. استقرت عيناه على حافة المعدن لا على وجهي، وكأن المجلس بأسره قد ضاق حتى انحصر في ذلك الكمّ المفتوح.
لم أُعد إغلاقه، بل تركتُ الذهب مكشوفاً وأبقيتُ يديّ في حجري.
قلتُ: «سنتان... كان بإمكانك أن تكتب لي.»
«وعلى أي عنوان يا ديمة؟»
«عندك مكتب للعائلة، ومكتب العائلة يراسل الجميع.»
«مكتب العائلة يراسل بشأن الأراضي.» رفع المسبحة، تاركاً خرزات الكهرمان الداكن تنحدر في راحة يده، ثم قال: «قومي.»
وقفتُ.
«اجلسي هنا الآن.» لم يُشر بيده، بل اتجهت عيناه إلى الكرسي الواقع عن يمينه، الكرسي الذي تركه صاحب الملف دافئاً.
«المجلس خالٍ.»
«نعم، خالٍ.»
«إذاً لا معنى لهذا الكرسي الليلة. يكون له معنى حين يمتلئ المجلس بأربعين رجلاً، ويأتيني الفنجال قبل أن يأتيهم.»
«غداً سيكون هنا أربعون رجلاً.»
جلستُ على الكرسي، وكانت وسادته الثقيلة ما تزال تحتفظ بأثر جلسة غيري.
صبّ الفنجال الثاني بنفسه. كانت الدلة موضوعةً على طاولة النحاس المنخفضة، فتناولها ورفعها عالياً، وترك القهوة تنصبّ حتى استقرت دون النصف بقليل. أدار الفنجال بحيث تقابلني حافته ووضعه عند الطرف الأقرب من الصحن. تناولته بيميني.
قلتُ: «هذا ليس شغلك.»
«الصباب في الممر.»
«إذاً سيتحدث الممر عمّن صبّ القهوة.»
«دعيه يتحدث عن أمرٍ حقيقي.»
شربتُ. طعم الهيل، ومن تحته تلك الرائحة الصمغية الجافة الكامنة في قماش الأثاث منذ ما قبل أن نولد كِلانا. كان عجيباً كيف يتسع بيتٌ لغياب سنتين كاملتين دون أن تتزحزح فيه وسادة واحدة من مكانها.
كرر قائلاً: «اثنا عشر يوماً.»
«أعلم كم يوماً مرّ.»
«خرجتِ في الصباح، ولم تأخذي السيارة.»
«أخذتُ سيارة.»
«ليست سيارتي.»
«ليست سيارتك.»
انتظر. وهو يجيد الانتظار؛ يفعله كرجل قرأ سلفاً البند الأخير من الاتفاق ولا يفعل سوى تحمّل الديباجة ريثما تنقضي.
قلتُ: «إن كنت تريد حساباً فلن تناله. عمري 28 عاماً، واسمي على أوراقي الرسمية. وأي رجل في هذا البيت يريد أن يعرف أين أبيت فليسألني أمام شهود، وسأجيبه أمام شهود، وله بعد ذلك أن يظن ما يشاء.»
«لم أسأل أين تبيتين.»
«إذاً اسأل عما استدعيتني لأجله.»
وضع فنجاله. وعادت تلك الركْزة الخافتة من جديد، جازمة وقاطعة.
قال: «قيل كلام في هذا المجلس. ليس الليلة، بل من قبل. قاله لي رجل كان يظن أنه يسدي إليّ صنيعاً. لم أنقله ولن أنقله؛ لأن البيت الذي يردد كلاماً لا يقدر على ردّه بيتٌ قد استسلم بالفعل.»
«إذاً دعه حيث قيل.»
«سيبقى حيث قيل إلى أن يُعاد قوله في غرفة كُتب اسمي على بابها.» حرّك الخرزة بإبهامه مرةً واحدة ثم أوقفها، وتابع: «لذا فأنا لا أطلب منك تفسيراً لـ 12 يوماً، بل أطلب ساعة واحدة من صباحك. هنا، والأبواب مشرعة. وسائق عمتك في الممر إن أردتِ شاهداً لا فضل لي عليه ولا جميل.»
«ساعة واحدة لا تشتري شيئاً.»
«ساعة واحدة تشتري لي الحق في أن أقول إني سألتكِ بنفسي.»
كان ذلك أبرد ما نطق به طوال الأمسية. قاله بنبرة رتيبة هادئة كتلك التي يعقد بها الصلح والتسويات، وأحسست بوقع كلماته يصيب مقتلاً أراده بعينه.
قلتُ: «الساعة 9:00 صباحاً. وتبقى الأبواب مفتوحة. إن أُغلقت الأبواب، سأخرج ولن أعود إلى هذا المجلس أبداً.»
«الساعة 9:00 صباحاً.»
أنهيتُ القهوة، وأدرتُ الفنجال قليلاً في الصحن دلالةً على اكتفائي، ثم وقفت. انسدلت عباءتي مستقيمة حتى الأرض. سحبتُ طرحتي إلى الأمام حيث تراخت عند صدغي، دون أن أنظر إلى المسبحة، ولا إلى يديه، ولا إلى الكرسي الذي قمتُ عنه للتوّ. فثلاثتها ستظل في هذه الغرفة غداً، جئتُ أنا أم لم أجئ.
عند العتبة المقوّسة، تذكّرتُ كُمّي المفتوح. أغلقتُ الزرّ. فعلتُ ذلك ببطء، وبتأنٍّ محسوب كمن تعلم أنّ العيون ترقبها، وكان امتداد المجلس الطويل خلفي هادئاً لدرجةٍ مكّنتني من سماع نقرة حبّة الكهرمان على خاتمه مرّةً واحدة قبل أن تسكن.
كان الممرّ بارداً، يحمل شذى البخور ورائحة العشاء من الغرف الخلفية. نهض الصبيّ عن كرسيه المسنود إلى الجدار الجصيّ، فقلتُ: «يعطيك العافية.»
فأجاب: «الله يعافيك.»
خرجتُ متوجّهةً نحو البوابة الحديدية ومعصماي مستوران، وهواء الليل البارد يلفح وجهي، واسمي مصونٌ لم يُمسّ.
خلفي، في القاعة الصامتة، بقيت الدلّة في موضعها حيث وضعها، وكان الصباح قد بدأ يجمع أربعين رجلاً.