Chapter 2 · خلف الساتر
امتلأ المجلس قبل أن تعلو الشمس الجدار الشمالي.
أربعون رجلاً، ولستُ واحدةً منهم. وقفتُ في الممر خلف الساتر المخرم حيث ينفذ الصوت وتغيب الوجوه، وأصغيتُ إلى المجلس وهو يكتمل: وطء النعال على السجاد، وحفيف الثياب البيضاء المنشّاة، وتبادل الأحاديث الخافتة التي تُقال لقطع الصمت لا لنقل الأخبار، والغلام عند الباب يهمس بأسماء الوافدين لرجلٍ يدوّن في الكشف. كان عمي قد أرسل في طلبي مع الفجر بثلاث كلمات: «هاتي الورقة معك»، فتوضأتُ، ولبستُ عباءتي، وثبّتُّ الطرحة عند الصدغ بدبوسين لا بدبوسٍ واحد؛ فصباحٌ كهذا لا يمنحك فرصة ثانية لتصحيح الهيئة التي تُرى بها.
القهوة أولاً. دائماً تكون البداية بالقهوة. دخل المقهوي حاملاً الدلة بيساره والفناجيل بين أصابع يمينه، وتوجّه إلى صدر المجلس أولاً، فذلك موضع الجلوس الحق، والصدارة لا تُمنح مجاملة.
جلس سعد البقمي في الصدر.
كنتُ أعلم أنه سيفعل. فقد دخل والمجلس لم يمتلئ بعدُ إلا لنصفه، وألقى سلامه دون أن يرفع صوته، فجلس الرجال الذين كانوا واقفين بعد جلوسه بخطوة، على النحو الذي يسكن به المجلس حين يحلّ فيه من له وزن وهيبة. تناول الفنجال الأول دون أن يرفع طرفه؛ لا إلى المقهوي، ولا إلى الفنجال، ولا إلى الباب حيث كنتُ أقف خلف الساتر. ارتفعت يده، وانبسطت، وقبلت الفنجال. شرب. أدار الفنجال الصغير دورة واحدة بين إصبعين وأمسكه، فتحركت حبة الكهرمان عند معصمه لتلامس محبسه ثم سكنت، فقرأ المجلس كله تلك السكنة وخفض صوته.
ثم رفع رأسه، وأماله إيماءة خفيفة.
لم يزد على ذلك شيئاً. قيد أنملة، باردة كالحجر، مصوبة عبر الساتر إلى حيث أقف، ولم تكن تحية بقدر ما كانت قيداً يُدوَّن في دفتر حسابات: «إنها هنا». أبلغت تلك الحركة أهل المجلس بأنه كان يعلم بوجودي، وبأنه حسَب حسابه، وبأن كل ما سيأتي بعد ذلك سيجري بمقداره هو، لا بمقدار الرجال الذين جاؤوا يمنّون النفس بالفرجة.
خرجتُ من خلف الساتر ووقفتُ عند حافة السجاد، فنظر إليّ أربعون رجلاً ثم أشاحوا بأبصارهم، بالترتيب المتعارف عليه. وضع عمي، في الصف الثالث، كفّه مبسوطة على ركبته ولم يرفعها، وكانت تلك الكف المبسوطة إذني الوحيد، وإنذاري الأوحد.
«تفضلي يا سيدتي.» أقبل نحوي المقهوي بالدلة، فمددتُ يميني وتناولتُ الفنجال، فصبّ فيه حتى لم يبلغ نصفه، فأملتُ حافته إمالة خفيفة بين أصابعي، فتوقف. كان التمر عند طرف الصينية، فأخذتُ تمرة وتركتُ الفنجال مكانه.
قال عمي: «الورقة.»
قلتُ: «يا عمّي، أنا أعرف البند الثالث؛ أنا من كتبته.»
ضحك رجل في الصف الثاني؛ نبرة واحدة ابتلعها على عجل.
تابعتُ: «البند الثالث ينص على أن الجدار قائم، والأمتار الأربعة قائمة معه، ولا يحق لأي من البيتين أن يبني ملاصقاً له دون موافقة خطية من الطرف الآخر. وقد خطّه مساحٌ دفع له الطرفان أجرته؛ وهو حي يُرزق، وموجود في الدمام، ويمكن إحضاره.»
قال الرجل الجالس إلى جوار عمي: «إن شاء الله، والمساح نقدر نجيبه.»
قلتُ: «أحضروه إذن. لي سنة كاملة وأنا أقول هذا، والسنة هي التي أضاعت الوقت لا المساحة.» طويتُ الورقة طيّة واحدة: «إن كان آل البقمي يرغبون في نقل الجدار، فبوسعهم دفع تكاليف مساحة ثانية وخسارة المساحة الثانية أيضاً. عن نفسي، ما كنتُ لأبذل هذا المال، لكنه مالهم وهم أحرار به.»
ساد صمتٌ من ذلك النوع الخاص الذي يعقب نطق امرأة بمبلغ من المال على مسمع من الجميع.
لم يتحرك سعد. ترك الأمر برمته يمر به كما يمر القيظ بجدار، ثم نظر إليّ بتمعن للمرة الأولى ذلك الصباح، وكان وجهه خالياً من أي تعبير، وتلك في عادته لم تكن أبداً بشارة خير.
قال: «عمّك يقول إنكِ رفضتِ العرض في الربيع.»
«رفضتُه في الربيع، وفي الشتاء اللي قبله، وسأرفضه ثانيةً إذا خلصت القهوة ورجع عمي لبيته وبقيتَ أنت هنا لأنه ما عندك مكان أفضل تروح له.»
تزيّح كرسيٌّ صادرٌ عنه صرير. وفي أقصى المجلس، وضع أحدهم فنجاله بحذر ولم يرفعه ثانيةً.
أدار سعد فنجاله ربع دورة ووضعه على الصينية بنفسه، فسحب المقهوي يده بعد أن كان على وشك تناوله، ووقف مكانه.
قال: «العرض ما كان صدقة، كان شراء. وفيه فرق، وودّي لو تفهمينه؛ لأن هذا الفرق هو الشيء الوحيد في هذا المجلس اللي كان في صفك.»
قلتُ: «احتفظ به إذن، فأنت احتفظت بكل شيء سواه.»
نظر إليّ بمقدار نَفَسٍ آخر، ثم قال: «إن شاء الله»، بلهجة قاطعة لا رجعة فيها، كمن يقرّ أمراً واقعاً لا يحتاج إلى موافقة الجالسين، ثم صرف نظره إلى الرجل عن يساره وشرع يحدّثه عن أسعار الأعلاف.
عند ذلك انتهى الأمر بالنسبة لذلك الصباح. عاد المجلس إلى شؤونه. نهض عمي، وكان نهوضه يعني أن بوسعي النهوض، فنهضتُ ومشيتُ على طول السجاد وأربعون رجلاً يتعمّدون عدم النظر إليّ بالأصول المرعية، وعند العتبة المقوسة هززتُ فنجالي مرة واحدة، فردّ المقهوي دلته.
في الخارج، كانت الشمس قد علت الجدار، وبدأ الهواء يمسك حرارته.
وفي الممر، خلف ظهري، سمعتُ صوت فنجال يوضع بشدة حتى رنّ، ثم انطبق عليه الهمس الخافت من جديد، وعرفتُ دون أن ألتفت أنه لم يكن فنجالي، وأن قرار ذلك الصباح قد حُسم في مكان لم يكن مسموحاً لي بالوقوف فيه.
عبرتُ الفناء ومعصماي مستوران، واسمي لا يزال في السجلّ، غير أن ذلك لم يُشعرني بأي نصر؛ بل بدا وكأنه شيءٌ مستعار، ورجلٌ يتصدّر المجلس قد أخبرني للتّو، وبكلمة واحدة، متى ينوي استرداده.