رجوع

ديمة

0%

Chapter 3 · شطبٌ على اسمي

ديمة Chapter 3

عقدوا الجلسة التالية في اليوم الثالث.

دخلتُ من جهة الفناء لا من الباب الرئيس، باكرةً، بينما كان السجاد لا يزال يُسوّى ويُمدّ، فرآني القيّم وتراجع خطوة إلى الوراء بدل أن يتقدّم، وكان في تراجعه ذاك ما أنبأني بحال المجلس أكثر ممّا تفعل أيّة تحيّة.

كانت المبخرة مشتعلةً بالفعل. حملها ودخل بها أمام كبار السن ووضعها على السجاد بين المتكأين الطويلين؛ مبخرة فضية، رقيقة الصنع عند حافتها، تصاعد العود منها خيطاً مستقيماً واحداً قبل أن يميل مع تيار الهواء الهابط من النافذة العالية.

جلستُ في المقعد المقابل لسعد البقمي.

لم يكن الموضع عن يمينه، ولا الوسادة التي دون الصدر، بل ذلك المقابل له عبر السجاد في جانب النساء، عند طرف الصف. وضعتُ كفّي في حجري فوق العباءة، ونظرتُ إليه دون أن أزيح بصري عنه.

انتبه المجلس. المجلس ينتبه دوماً، ثم يتظاهر بعد ذلك بأنه كان مشغولاً بالنظر إلى القهوة.

دخل عمّي آخِراً، كشأن الرجال الذين يعتلون الصدر، وألقى سلامه على المجلس من عند عتبة الباب فما بعده، وحين وقعت عينه عليّ توقفت هنيهة ثم مضت. جلس ووضع يده على ركبته وقال، دون أن يوجّه كلامه لأحد، إن الجلسة مقتصرة على العائلة وعلى من وُجدت أسماؤهم في السجلّ.

كان السجلّ هناك، موضوعاً على حامله الصغير بجانب مرفق القيّم، مجلّداً، قد بهتت أطرافه من البلى. كنتُ أعرف تلك الصفحة جيداً؛ رأيتُ الخط المفرد المشطوب به اسمي في أسبوع الفراق، رُسم بمسطرة مستقيمة، كما تُقضى الأمور حين يريد صاحبها أن يقضيها بإتقان ويُريد لها أن تُرى.

رفع القيّم غطاء المبخرة وأدارها حتى تهادى الدخان فوق السجاد، فرفعتُ يدي وقرّبتها من ياقتي، وانتظرتُ.

قلتُ: «إذن فليقرأ أحدكم السجلّ بصوت مسموع. لا أودّ أن يبقى في نفوس أهل المجلس شكّ بشأنه».

ضحك أحد الشيوخ ضحكة مبتورة، ثم تدارك نفسه وسكت.

أمّا عمّي فلم يضحك، بل قال: «لم يطلبكِ أحد».

أجبته: «صحيح، بل جئتُ. كان الباب مفتوحاً والمجلس مفروشاً، فظننتُ أن البيت يستقبل ضيوفه».

لم ينبس سعد بكلمة طوال ذلك. جلس متكئاً بمعصمه على مسند مقعده، والدخان يمرّ به ويتلاشى، وفيه من السكون ما يكون للرجال حين يحسمون أمرهم وينتظرون ليروا إن كانوا سيضطرون للتصريح به. وكان المجلس يميل نحو ذلك السكون كما يميل الدخان.

قال: «السجلّ».

أحضره القيّم وفتحه وحمله بالزاوية التي تُتيح للرجل القراءة دون أن يرفع يده، ونظر سعد في الصفحة لبرهة. برهة أطول ممّا تقتضيه الصفحة. ثم قال: «من خطّ هذا الخط؟»

لم يُجب أحد. وتطلّع عمّي إلى الجدار البعيد، إلى تجصيصه المتقن، باهتمام بالغ.

قال سعد: «الخط المشطوب خطّ، ويمكن أن يُخطّ فوقه من جديد». ثم أغلق السجلّ بنفسه، وهو أمر لا يفعله ضيف في بيت غيره، ووضعه على الحامل، فسحب القيّم يده عنه كأنما سرت فيه حرارة. «إن شاء الله يُصحّح قبل الجلسة القادمة».

قالها بنبرة قاطعة هادئة، دون أن يرفع صوته، فأدرك كل رجل في المجلس أن الأمر قد قُضي، على النحو الذي تُقضى به الأمور في الرياض؛ أي أنه فُصل فيه ولن يلبث الناس أن يعلموا به.

أقبل القهوجي ومعه الدلّة. قصد الصدر أولاً وصبّ القهوة من علوّ رشفةً وجيزة في الفنجال، فتناوله عمّي بيمينه وشرب، ودار التمر مع حافة الفنجال.

ثم جاء دور سعد.

أخذ فنجاله ولم يرفعه، بل ظلّ ممسكاً به، ووقف القهوجي أمامه والدلّة مائلة في يده، وعيناه تتلمسان الموضع الذي ينبغي أن يذهب إليه الفنجال التالي حتى وقعتا على طرف صفّي، وساد المجلس ذلك الصمت المعهود، وسعد لم يشرب بعد.

تقدّم القهوجي نحوي وقال: «تفضلي يا سيّدتي».

أخذتُ الفنجال بيميني. لم يكن ممتلئاً أكثر من اللازم، كما هي العادة دوماً.

عندئذٍ شرب سعد، وشرب بعده أهل المجلس، وعادت الجلسة مجلساً كما ينبغي.

قال عمّي، وهو يخاطب الجصّ: «ستجدين أن بعض الأمور لا يزيدها الرجوع إليها إلا سوءاً».

قلتُ: «وجدتُ عكس ذلك، لكن لم تكن لي يوماً كلمة في تدبير هذا المجلس يا عمي، بل ليس عليّ إلا الجلوس فيه».

قال: «لسانكِ طليقٌ على امرأة دخلت من جهة الفناء».

قلتُ: «لساني لسان امرأة اسمها في السجلّ، وقد سمعه المجلس للتو. فإن لم يُتلَ في المرّة القادمة، فسأكون أول من يقول ذلك، وسأقوله هنا، في هذه الساعة، وفي هذا المقعد بالذات».

تحرّك أحد الجالسين في أقصى المجلس، ومرّت حبّة مسبحة تحت إبهام، فكان لصوتها الخافت وقعٌ هو الأعلى في الغرفة كلّها.

وضع سعد فنجاله وقال: «خلاص».

نهض المجلس؛ الشيوخ أولاً، ثم من يليهم من الرجال، ثم القيّم، ورُفعت المبخرة وحُملت إلى الخارج وغطاؤها مغلق ليصحبها ما تبقّى من ريح العود، وفرغ المجلس من صدره إلى أسفله، كأنه ماء ينسكب من كأس مائلة.

مكثتُ مكاني حتى خلا السجاد، فالمرأة التي تنصرف أولاً تكون قد ولّت هاربة، والتي تنصرف آخراً تكون قد أتمّت جلستها فحسب.

عند العتبة، وقف سعد وهمس بكلمة واحدة للقيّم بصوت خافت، ومضى إلى الممر دون أن يلتفت خلفه.

عاد القيّم والسجلّ مفتوح بين يديه والقلم فوقه، وقرّبه من مرفقي ناظراً إلى الجدار البعيد، فأدركتُ أن عليّ أن أكتب، وأن الكتابة لم تكن التصحيح ذاته، بل موافقتي عليه وحسب.

وقّعتُ عند حافة الصفحة بخط صغير بمحاذاة الخط المشطوب، حيث يبرز الحبر في مواجهة الشطب.

أغلق القيّم السجلّ وقال: «يعطيكِ العافية يا سيّدتي».

قلتُ: «الله يعافيك».

في الخارج، كان جدار الفناء قد اكتسى لون النحاس العتيق، والحرارة تنبعث لافحةً من الحجر، فاجتزته وأنا أستر معصميّ، وقد عاد اسمي إلى السجل دون أن يُحسم أي أمر على الإطلاق؛ فالرجل لا يفتح دفتراً لامرأة ثم لا يطلب منها شيئاً.

لقد سلّمني الصفحة. وفي هذا البيت، هكذا يُقيَّد الدَّيْن.