Chapter 5 · توقيعٌ بلا شروط
لم أردّ على الكلمة. فتحتُ الملفّ الذي ظلّ مسنداً إلى ركبتي منذ جلستُ، وأخرجتُ الورقة، ثم وضعتها على الطاولة الخشبية المنخفضة بيننا، وأدرتُها بحيث بات التوقيع في مواجهته.
لم ينظر إليها. بل نظر إليّ.
قلتُ: «اقرأها. أو اجعل أحد كتّابك يقرؤها بصوتٍ مسموع في الصباح. أفضّل أن تأخذها من الورقة على أن تسمعها من المجلس.»
عاد سعد إلى السجّاد وخفض نفسه على المتكأ المقابل، ناصباً إحدى ركبتيه، على مهل، بتلك الطريقة التي يجلس بها حين يقرّر أن الجلسة ستطول. أقبل القهوجي من جهة الباب حاملاً الدلّة، فأدار سعد فنجانه دورةً واحدة بين إصبعين دون أن يرفع عينيه، فتوقّف الصبّ. عاد الرجل إلى الجدار واستحال جزءاً منه.
ثم تناول الورقة.
قرأها مرّتين. وفي المرّة الثانية لم يقرأ سوى الفقرة الوحيدة ذات الشأن، وراقبته وهو يقع على الجملة التي ألزمتُ المحامي بصياغتها بصراحة ودون زخرف، لأن الجملة المزخرفة تحتمل الجدل: أن أتنازل، دون قيد أو شرط ودون مقابل، عن كل حصّة مقيّدة باسمي في سجلّ البقمي، وألّا أعود للمطالبة بها لاحقاً باسمٍ آخر أو عن طريق يدٍ أخرى.
مرّر إبهامه مرّة واحدة على حافّة الختم. ولم يزد على ذلك.
قال أخيراً: «هذا ماهو بإثبات.»
«أدري وش هي.»
«إنها ورقة.»
قلتُ: «ورقة كلّفتني شيئاً. وهذا أكثر مما قدّمه لك المجلس طوال الأسبوع.»
وضعها وحاذاها مع حافّة الطاولة بإصبعين، بدقّة، كما يحاذي دفاتر الحسابات. وألقى المصباح بظلّ يده فوق ختم كاتب العدل فظلّ ثابتاً هناك.
«تحسبين إني طلبت هذا.»
«أحسبك طلبت إثباتاً فأعطوك بدله سالفة. لذا جئتُ بالشيء الوحيد في هذا البيت الذي أستطيع وضعه ولا يمكنني استرداده. الأراضي. كل ما يقول السجل إنه لي، ما عاد لي الآن.»
«وش أسوّي بها؟»
«ولا شي. احتفظ بها. احفظها في ملفّ. أو احرقها في الحوش.» حافظتُ على نبرتي هادئة، لأن النبرة المتزنة هي الصوت الوحيد الذي يسمعه هذا المجلس. «لكن حين يُنقل خبر خروجي مع رجل في هذا المجلس غداً من جديد، لن يتمكّن أحد من القول إني كنتُ أستمسك بحصّة بينما أجادل دفاعاً عن اسمي.»
في مكانٍ ما خلف الجدار انصفق باب سيارة، ولم يتغيّر شيء في فناء البيت.
قال: «عمّك في الغرفة الصغيرة عند البوّابة. جالس هناك من يوم كانت القهوة في أوّلها.»
«ماهو بطرف في هالموضوع.»
«لا. هو شاهد عليه. وهذا أردى له.»
قالها دون انفعال، وتلك كانت طريقته دائماً في إظهار سخطه؛ بارداً، منضبطاً، وموجّهاً نحو أقرب حقيقة. وكنتُ قد تعلّمتُ منذ سنين ألّا أواجه تلك النبرة برفع الصوت.
قال: «تكلّفتِ الكثير لتُفقري نفسك قدّام الناس.»
«تكلّفتُ الكثير حتى أُصدَّق.»
«تُصدَّقين.» قلّب الكلمة كأنها عملة يشكّ في أمرها. «أنتِ واهمة. ما شككتُ في الأراضي قط. ولا لساعة واحدة.»
«أجل قل وش اللي تشك فيه.»
نظر إلى الورقة ثانيةً، وفي ذلك الصمت أدركتُ، بتلك القشعريرة الباردة لمن يثبت صوابه قبل الأوان، أن التنازل لم يُحرّكه قيد أنملة نحو أيّ شيء. لم يفعل سوى أن سلبه الشبهة السهلة بأنني عدتُ إلى الرياض طمعاً في الأرض.
دفع الورقة عبر الطاولة بطرف إصبعه. لم يدفعها بعيداً، بل بقدر ما يجعلها تستقرّ بين متكئه ومتكئي، لا تخصّ أحداً منا.
قال: «تبقى مكانها. باكر في نفس الساعة. تجلسين هنا، وتكون باقية على هالطاولة، ولا تلمسينها.»
«وبعدين؟»
«بعدها بنشوف وش يسوّي المجلس مع حرمة ما عاد بقى شي يُتّهم بها.» ثم قام، فتنحّى القهوجي عن الجدار على الفور. «خلاص.»
أسدلت تلك الكلمة الستار على الجلسة. جمعتُ ملفي الذي غدا فارغاً الآن، وانتظر هو حتى غطّيتُ وجهي وبلغتُ العتبة قبل أن يتحدّث من جديد، موجّهاً كلامه للورقة لا إليّ.
قال بهدوء: «إثبات... ما زلتِ ما تدرين وش اللي كنت أطلبه.»
أُغلق باب المجلس خلفي، وسمعتُ صوت رفعه للفنجان ثم وضعه دون أن يذوقه.