Chapter 1 · تهمة على البساط
الفصل الأول
الهاتف ليس لي. ملقى على السجادة بين ركبة عمي وركبتي، وشاشته متجهة للأعلى، والتسجيل قد بدأ بالفعل.
صوت امرأة، شوّهته سماعة الهاتف، ينطق باسمي مرتين: نورة. نورة السبيعي. يقول إن خطراً يقترب من هذه البوابة بسببي، ويحدد الساعة.
ساد المجلس صمتٌ من ذلك النوع الذي يطبق على المكان حين لا يود أحد أن يكون البادئ بالحركة. القهوة بالهيل تبرد في الفنجان بجوار مرفقي، ورائحة العود ما زالت عالقة في الهواء تفوح من المبخرة. خواتم عمي تدور بين أصابعه. عباءتي مغلقة حتى النحر، ويداي في حجري حيث يستطيع الجميع رؤيتهما.
أنا ضيفة في هذا البيت، وذلك هو الشيء الوحيد الذي أملكه الليلة ولا يملك أحد أن ينتزعه مني.
يجلس بندر التميمي في الطرف المقابل، قرب الباب. ثوب أبيض وياقة مشدودة، بلا بشت؛ فالأمر ليس بعرس. لقد أُرسل ليخرجني إلى السيارة، والجميع هنا يدرك ذلك. يقف رجلان من رجاله عند القوس، مكتوفي الأيدي، لا ينظران إليّ، بل تتوجه أنظارهما نحوه.
لم يتحرك باتجاهي.
أحدهم يتحدث عن البوابة، وآخر عن السيارة. وعمي يطلب مني أن أقرّ بأن التسجيل يعنيني باسمي.
لم أقلها.
يضع بندر فنجانه دون أن يشرب، ولا يرفع صوته. يقول إن الوشاية تقع على عاتقه منذ الليلة، فتنحني الغرفة لتلك العبارة كما ينقاد بساط شُدّ ليستقيم. يهبط كتف أحد أبناء العمومة، ويثبت الرجل الواقف عند القوس نظره في الأرض.
ثم يمد بندر يده إلى الهاتف—لا إلى شاشة التسجيل، بل إلى الغطاء وحزامه—ويقلبه على وجهه فوق السجادة. انطفأت المبخرة، وتلاشى الدخان حتى صار مجرد رائحة، ثم ذكرى رائحة. يستقر الهاتف مقلوباً على السجادة بحزامه الملتوي، ولا يمد أحدٌ يده إليه.
كُمّ ثوبه عند المعصم؛ هناك فقط استقرت عيناي، ففي كل بقعة أخرى من هذا المجلس ثمة من يقرر ما أنا عليه.
تعود خواتم عمي للدوران مرة أخرى. يجلس في الصدر والحائط خلفه، وقد رُتّبت وسائد الغرفة هذا المساء بحيث لا يعلو أحد على مجلسه.
قال عمي: «اعترفي بأن التسجيل يقصدكِ، قوليها في هذه الغرفة وستبقى فيها.»
قلتُ: «يقصدني باسمي، لكنه يظل كذباً.»
يزفر ابن عمي الواقف قرب القوس من أنفه؛ تلك الزفرة التي يطلقها الرجال حين يفضلون التعامل مع كلام المرأة بوصفه انفعالاً عابراً لا حقيقة ثابتة.
لم يلتفت عمي برأسه، بل قال: «قولي إذن إنكِ ستركبين السيارة، وتخرجين من هذه البوابة قبل الموعد، ولن يكون لدينا أي كلمة نقولها لأحد. هذا كل ما في الأمر.»
قلتُ: «أنا ضيفة في هذا البيت، والضيوف لا يُطردون في جوف الليل استناداً إلى تسجيل.»
«والضيوف في العادة ليسوا سبباً في مثل هذه التسجيلات.»
كانت تلك أول عبارة قاسية تُقال طوال الأمسية، وجاءت من ناحية عمي في المجلس، دون أن تصدر عن عمي نفسه.
رفع بندر التميمي إصبعين، فتوقف صباب القهوة ودلته لا تزال مائلة. أخذ بندر الدلة منه، وصب لي أولاً—من علو، خيطاً رفيعاً، لا يبلغ نصف الفنجان—ثم وضع الفنجان أمامي بيمينه. صب لعمي بعد ذلك، ثم لنفسه أخيراً.
لم يغب هذا الترتيب عن بال أحد في الغرفة. سحبت المرأة الأقرب إلى الصينية طرف عباءتها بعيداً عنها، وكأن الصينية قد غدت فجأة باهظة الثمن لا تُمس.
تنحنح رجل مسن عند القوس البعيد: «يا أستاذ، الوقت المحدد في ذلك التسجيل ليس ببعيد.»
قال بندر: «صحيح، ليس ببعيد.» ثم وضع الدلة وأردف: «كما أنه ليس معقوداً على اسمها، بل على البوابة. وهذان أمران مختلفان، بينما يتحدث الجميع في هذه الغرفة كأنهما أمر واحد.»
«لكن التسجيل يقول—»
«التسجيل يذكر اسم امرأة مرتين ويحدد ساعة.» لم يرفع صوته قط طوال الليلة، ولم يرفعه الآن: «سمعتُه وسمعتُموه. وإن كان ثمة أمر يقترب من البوابة، فالرجل يقف عند البوابة، ولا يدفع بنتاً من خلالها لتلقى ما هو آتٍ في منتصف الطريق.»
عمري ستة وعشرون عاماً، ولم ينعتني أحد بـ«بنت» منذ تسع سنوات. فهمتُ تماماً مقصده من وراء هذه الكلمة، فأبقيتُ يديّ مبسوطتين في حجري وتركته يمضي في مقصده.
حاول ابن العم عند القوس ثانية: «ومن يقف عند البوابة يا أستاذ؟ أنت؟ من أجل ضيفة؟»
قال بندر: «الميدان لك إن شئت. الجو بارد في الخارج الليلة، فخذ لك كوتاً.»
أطبق ابن العم فاه.
من خلفي، رفع أحد الخدم غطاء المبخرة، فتصاعد دخان العود مجدداً، أثقل وأكثف مما كان. رددتُ الدخان نحو نحري بإحدى يديّ، على النحو الذي يُفعل حين لا يملك المرء ما يقوله ويُصدَّق، ولم أنظر إلى أحد وأنا أفعل ذلك.
ثم أُخرج هاتف ثانٍ. شغّل الرجل الجالس إلى جوار عمي التسجيل من بدايته، رافعاً إياه ليسمع أهل المجلس، وفي هذه المرة أصغيتُ إليه كدليل إدانة لا كعاصفة عابرة.
اسمي. مرتين. نورة. نورة السبيعي. خطرٌ يقترب من هذه البوابة، بسببي. وموعدٌ محدد.
الصوت لامرأة تحاول ألا يُفتضح أمرها، لكنها تخفق في أمر واحد: تنطق اسم عائلتي وكأنها تدرّبت عليه طويلاً قبل أن تقوله.
قال بندر: «أعد تشغيله.»
«يا أستاذ—»
«أعده.»
أعاد الرجل تشغيله. أصغى بندر ورأسه مائل قليلاً، كما يصغي المرء لصوت محرك. وحين انتهى التسجيل، مدّ يده فناوله الرجل الهاتف، فقلبه بندر هو الآخر على وجهه فوق السجادة، إلى جوار الأول.
قال: «هاتفان، وتسجيل واحد. خلاص.»
انتهى أمر المجلس؛ ليس المساء، بل الجدال. لم يُزَح مقعد ولم تُرفع صينية، لكن التوتر الذي كان يحتدم في أرجائه خبا وسكن في مكانه. وتوقفت خواتم عمي عن الدوران.
«سيقولون إني تركتهم يقولونها»، قال عمّي بهدوء.
«إذن فليقولوها لي»، قال بندر، «وأنا الذي سأردّ. هي في رقبتي من الليلة، وسجّلها في أي كتاب شئت».
أنظرُ إلى الفنجان أمامي. ملآن حتى مقدار إصبع دون الحافة. حبّات الهيل على وجهه كزوارق صغيرة.
أرفعه بيميني وأشرب، مع أنه قد فتر، فالفنجان إذا صُبّ لك وتُرك دون مساس كان بمثابة حكم في هذا البيت، ولن أكون أنا من ينطق به.
خلفي، يقف باب الجناح الخاص مفتوحاً على الممر، والممر مظلم، وما من أحد يعبره. لا الرجال الواقفون عند القوس وقد شبكوا أيديهم، ولا عمّي، ولا أنا.
ترتدّ عينا بندر عن الباب وتتجاوزانني، من فوق كتفي، نحو تلك العتمة المفتوحة، وتستقرّان هناك.
«عسى الباب يظلّ مردوداً، إن شاء الله»، قالها ولم تكن نبرته نبرة رجاء؛ بل بدت كأجلٍ قد كُتب وانتهى أمره.
أضع الفنجان على الصينية. شريط الهاتف ممدودٌ على السجاد، وركبة عمّي لم تتزحزح عنه طوال السهرة، كأن ساقه قفلٌ، وكأن القفل شيءٌ يملكه المرء بمجرد ألا يتحرك.
في الخارج، من بعيد، صوت سيارة.
ما من أحد ينهض.