Chapter 2 · طلب الجواب
الفصل 2
تمرّ السيارة أمام البوابة دون أن تُخفّف من سرعتها. يتلاشى صوتها بمحاذاة السور الخارجي، وينعطف في مكانٍ ما وراء الزاوية البعيدة، ثم يختفي؛ وعندئذٍ فقط، يتنفّس المجلس الصعداء، رجلاً تلو الآخر، تماماً كما يستكين بيتٌ بعدما حُرِّك مقبض بابه فتبيّن أنه مُوصَد.
لم يقف أحد.
تهوي كفّ عمّي منبسطةً على ذراع مقعده. ضربةً واحدة. فتنقطع الأحاديث في المجلس كأنه أطبق نافذةً في وجهها.
يقول: «اسمها» — موجّهاً حديثه إلى المجلس، لا إليّ، وتلك في حدّ ذاتها إدانةٌ قائمة. «قال التسجيل: بنتٌ من السبيعي. وفي هذا البيت الليلة بنتٌ واحدة من تلك القبيلة. ستُخبركم بما جلبته إلى بوابتي، ثم ستُخبركم لمَ سُمّيت البوابة».
بَرَد الفنجان في يدي. تناولته حين كان حاراً، وما زلتُ ممسكةً به منذ ما قبل مرور السيارة، وبات الهيل الآن يطفو على وجهه كشيءٍ يطفو في قاع بئر.
قلتُ: «مَن سجّل ذلك الشريط لم يذكر اسمي».
في أقصى الصف، يرفع الضيف الأكبر سناً، ذو الخاتم الثقيل، إصبعين كأنه يهمّ ببدء كلامه. فتهوي كفّ عمّي مرةً ثانية، وتنضمّ الأصابع وتتراجع.
يقول عمّي: «قال التسجيل: السبيعي. وأنتِ من السبيعي. اسم أبيكِ على صكّ الأرض التي وهبها له أبي، ووجهكِ حاضرٌ في هذا المجلس منذ...» كبح نفسه، وتدارك الكلمة الصغيرة: «منذ ما قبل هذه الليلة. إذن؟».
«إذن؟ كلمةٌ، وبعدها الباب».
قال: «ستُجيبين. هذا كل ما طلبته من أيّ جالسٍ في هذا المجلس».
لم يكن يطلب، بل يأمر. لكنني تركته يستأثر بهذا الفعل؛ فلن يُكلّفني شيئاً بينما يُكلّفه هو بعض الشيء، والرجال المصطفون على طول الجدار يُرهفون السمع ليروا أيّنا سينفق أكثر.
يمتدّ حزام الهاتف فوق السجادة بيننا، وشاشته ما زالت مضاءة. لم يخطر ببال أحدٍ أن يقلبه على وجهه؛ ولم تتزحزح ركبة عمّي من جواره طوال المساء، كأنّ ساق الرجل يمكن أن تكون قفلاً، وكأنّ القفل شيءٌ يُحفظ بمجرّد الثبات في المكان دون حراك.
سوّيتُ طرف عباءتي فوق ركبتيّ.
قلتُ: «سأُجيب. وها هو جوابي، وبوسعكم أن تدوّنوه في كتابكم: شُغِّل الشريط، وسمعناه جميعاً. والتسجيل لم يتضمّن أيّ اسم. الاسم لم يأتِ إلا بعد الشريط، وجاء من هذا المقعد بالذات، ونُطق في هذا المجلس، وكل رجلٍ هنا يعلم تماماً ترتيب وقوع هذين الأمرين».
وُضِع فنجانٌ في مكانٍ ما خلفي، ولم يُرفع ثانيةً.
قال عمّي: «إياكِ والتذاكي. التذاكي هو ديدن أبيكِ، وانظري أين انتهى به ذكاؤه وأين انتهى بكِ؛ تحت سقفي، تشربين قهوتي، وسيارةٌ ترابط عند البوابة لليلة الثانية على التوالي».
«السيارة ليست من أجلي، السيارة من أجل الورقة». نظرتُ إليه ولم أشح بعينيّ عنه، وبقي صوتي على وتيرته، خافتاً ورتيباً، وتلك هي الطريقة الوحيدة لقول أمرٍ كهذا في مجلسٍ يغصّ بالرجال. «يا عمّي، إن وقفتُ ومنحتُ هذا المجلس الكلمة التي يريدها، فسيحظى صاحب ذلك الشريط باسمين بدل اسمٍ واحد، ودون أن يضطر حتى لمغادرة بيته لينال الثاني. أنت تريد أن يُبذل اسمي هنا في هدوء، وأنا أريد أن أعرف مَن يشتري».
«نورة».
كان ذلك بندر، من عند القوس، ولم يزد على نطق الاسم، فالتفت المجلس نحوه كما يلتفت المرء نحو عود ثقابٍ شُعل فجأة.
قال: «يا أستاذ، دعها تُجِب في الصباح. ليس لأن الصباح أرحم، بل لأن الرجال الذين طلبوا هذا الجواب يجلسون الليلة جميعاً في غرفة واحدة، وما يُقال أمامهم يُعدّ قد استُنفد وضاع. وأيّاً كان ما ستقوله هنا، فسيصل إلى صاحب الشريط قبل أن تُرفع فناجيل القهوة».
تأمّله عمّي لبرهة طويلة. «أُتِي بك إلى هنا لتأخذها إلى البوابة، لا لتقعد وتُماطل في الأمر».
قال بندر: «أُتِي بي إلى هنا، وما زلتُ أفكّر في الغاية التي جئتُ لأجلها».
أطلق أحدهم في الصف الخلفي نفَساً كاد يشبه الضحكة. لم يلتفت عمّي ليتبيّنه، وسرعان ما تشاغل الرجل بفنجانه فجأة.
قال عمّي في النهاية: «مع الفجر. ستُجيب مع الفجر، في هذا المجلس، وإن كان جوابها الصمت فالسيارة ستحملها إلى البوابة، ولن يكون أمر البوابة لي لأجادل فيه بعدها». ورفع يده، لا لطلب الصمت هذه المرة: «صُبّ».
دارت الدلّة. وكان ممسكها حريصاً على ضبط ارتفاع الصبّة، وحريصاً على ألا تقع عينه في عيني. تناولتُ الفنجان الجديد بيميني، وحين أمال الدلّة نحوي ثانيةً هززتُ الفنجان هزّةً خفيفة، وأعدته إلى الصينية. كفى. مضى في طريقه وأعقبه دخان البخور، فجذبته نحو ياقتي بيدٍ واحدة، ولم ينبس أحدٌ في المجلس ببنت شفة.
لم يجلس بندر؛ بل وقف على مسافة خطوة داخل مدخل القوس مسنداً كتفه إلى الإطار، والممر خلفه مظلم، وباب الجناح الخاص في نهايته مشرعٌ على تلك العتمة، ولم يلتفت رجلٌ واحد في المجلس نحوه. ينظرون إلى فناجينهم. ينظرون إلى عمّي. ينظرون إلى أي مكانٍ عدا ذلك الباب المفتوح؛ لأن الباب المفتوح خلف الضيف في هذا البيت أمرٌ يتعامى عنه الرجل، حتى يتسنّى له لاحقاً أن يقول إنه لم يرَ شيئاً.
قال بندر بصوت خافت: «خلاص». ولم يكن كلامه موجّهاً إلى المجلس. كانت كلمةً تضع نهايةً لأمرٍ ما، لأمرٍ صغير، ودقيق، وخاصّ بي وحدي.
وضعتُ كفّيّ في حجري، والعباءة مستويةٌ فوقهما، وانتظرتُ الفجر في مجلسٍ قرّر فيه كل رجلٍ سلفاً ماذا سيقول إنه سمع.