Chapter 3 · استدعاء إلى الفناء
الفصل الثالث
تدخل السيارة دون عجل، وهو أمرٌ أدهى من العجلة.
أسمع صوتها قبل أن يعترف أيٌّ من الجالسين بسماعه: صوت الحصى وهو يطحن تحت الإطارات العريضة، ومحركٌ مهدأ لا يرتفع صوته، كحال المحركات التي لا يملك أصحابها وجهةً إلا حين يُؤمرون. ثم البوابة. يفتحها حراس الليل بالطريقة التي يفتح بها الرجال شيئاً حين يُعرض عليهم ورقةٌ، وتكون تلك الورقة بمثابة سلطة في هذا البيت، بل سلطةٌ أعظم من الرجل الذي يحملها.
لا يتغير المجلس. هذا ما سأذكره عن هذه الليلة: ضآلة ما يتغير في هذه الغرفة. تقبع الدلة عن يسار عمي وبقايا القهوة تتركز سوداء في فوهتها، والفناجين لا تزال مكانها، وأحد رجال آل التميمي يدوّر فنجانه ربع دورة على الصحن، وكأن الصوت القادم من الخارج لم يكن إلا ارتطاماً بجدار جارٍ.
بندر وحده من حرك عينيه، ولم يلتفت إلا نحو القوس، حيث يقف رجلٌ من أفراد حراسة البوابة واضعاً كفه المنبسطة على صدره.
«سيدتي،» يقول الرجل لي، ثم يصحح لنفسه فيوجه كلامه لعمي، وهذا هو الترتيب الصحيح وهو أيضاً الواقع.
يقول عمي: «تكلم».
«سيارة في الفناء. ليست في الشارع، بل في الفناء،» تتجه عينا الرجل إلى السجادة. «رسمية. ومعهم ورقة تحمل ختم المكتب. يقولون إنهم أُرسلوا لاصطحاب ابنة البيت، ويحددون الساعة».
يسأل عمي: «أي ساعة؟»
«هذه الساعة».
يخرج أحدهم في الجانب البعيد من المجلس زفيراً من أنفه، يكاد أن يكون ضحكة، وهذا "الكاد" بحد ذاته إهانة. أبقي يديّ في حجري حيث العباءة السوداء ملساء ومطوية، وأنظر إلى الدلة بدل أن أنظر إليه؛ لأن المرأة التي تنظر إلى رجلٍ كاد يضحك هي امرأة رضيت أن تكون مادةً لحديث السهرة.
يسأل عمي: «الختم؟ ختم مَن؟»
«ختم المكتب. ليس ختم العائلة».
إذن، هذا هو بيت القصيد. المكتب أرسل سيارةً لأجلي، والمكتب ليس العائلة، والفرق بين هاتين الكلمتين هو الفرق بين بيتٍ يستطيع حماية ضيفه، وبيتٍ لا يملك إلا أن يأسى لحالها بعد فوات الأوان.
عرفت هذا الفرق منذ قُرئت الورقة. لقد جاءت الوشاية إلى هذا المجلس قبل ثلاث ليالٍ في مظروف بسيط، ولم تتهمنا بأي شيءٍ يستوجب التوقيف؛ فهنا تكمن دهاؤهم. لقد قيل فيها إن خطراً يحدق بالبوابة، وإن الخطر آتٍ بسببها، وحددت ليلةً، وهذه الليلة هي تلك الليلة. لا شيء يمكن لمحامٍ أن يتمسك به، لكنه كل ما يمكن لغرفةٍ أن تحويه.
نجلس الآن في تلك الغرفة كرجال ينتظرون بدء المطر.
لم يبرح بندر مكانه عند القوس. ثوبه أبيض بياقةٍ صلبةٍ ومتقنة، بلا بشت، فهذا ليس زفافاً وهو ليس ضيف شرف في مهمته؛ كُمّاه مطويتان بعرض إصبع، ولا يحمل شيئاً في يديه، وهذا ما جعلني أعلم أنه يعمل. الرجل الذي لا يحمل شيئاً في يده في هذه الغرفة هو رجلٌ يخفي في كفه شيئاً.
يقول: «يا عمّي».
لا يلتفت عمي برأسه. «أُرسلتَ لتخرجها».
«أُرسلت».
«إذن أخرجها، ودع البيت في سكينة».
يقول بندر: «كان البيت ساكناً، حتى أتت السيارة فأحدثت ضجيجاً».
يعدّل أحد رجال آل السبيعي جلسته ويقول للجميع لا لأحد بعينه: «لتُقرّ بما فعلت أمام الموكب وتذهب. الورقة طلبت اصطحاباً رسمياً. فلتأخذوه ولننتهِ من الأمر».
وها هي قد قيلت أخيراً، وقيلت بالطريقة التي تُقال بها مثل هذه الأمور دائماً؛ لا كحكمٍ يحمل اسمي، بل كترتيبٍ منزليّ.
أرفع ذقني.
أسأل: «أي جزءٍ ينبغي أن أقرّ به؟ هل أن خطراً آتٍ، أم أنني السبب؟ الأولى تقريرٌ عن أحوال الطقس، والثانية أمرٌ اختلقه رجلٌ في مظروف ودفع لغلامٍ ليضعه عند بوابة».
يقول عمي: «نورة».
«يا عمّي،» أخفض صوتي. الانخفاض هو السلاح الوحيد الذي يسمح به المجلس، وقد تعلمت استخدامه كما تستخدم المرأة إبرة الخياطة. «لو أقررتُ، صارت الورقة حقيقة. وإن صارت حقيقة، فالمكتب لا يخرج ضيفة، بل يزيل مسألة. وحين يزيلني، فلن يتوقف عند الفناء، ولن يتوقف عندي؛ لأن المظروف التالي سيحمل اسم هذا البيت مكتوباً على طيه».
صمتٌ خيّم على المكان. ينظر رجال العائلتين إلى فناجينهم، وهي فارغة، ولا شيء في الفنجان الفارغ يستحق النظر، ومع ذلك فهم ينظرون.
يعبر بندر السجادة.
لا يأتي نحوي، بل يتجه إلى الطاولة، ويتناول الدلة بنفسه، وهو أمرٌ لا يفعله رجلٌ في مقامِه، فيملأ فنجاناً عن يمين عمي ويضعه بيمينه، ثم يملأ ثانياً ويأتي به إليّ، ويضعه على الطاولة الصغيرة عند مرفقي، ويتراجع قبل أن أمد يدي إليه.
هذا كل شيء. ليست بخطبة. لكن الغرفة تراقب فعله، وكل رجلٍ هناك يدرك أن مَن يصبّ القهوة لضيفٍ، فقد وضع يده تحت حمايتها.
يقول لحارس البوابة: «الموكب عند الفناء؟»
«نعم، يا أستاذ».
«كم عددهم؟»
«سيارتان. أربعة رجال. السائق يبقى مع السيارة الثانية».
«والورقة؟»
«مع الرجل الأول. يحملها مطوية».
يكرر بندر: «يحملها مطوية»، وفي نبرته شيءٌ يجعل الغرفة أبرد مما يفعله التكييف. «الرجل الذي يحمل ورقة مطوية هو رجلٌ قيل له إن أهل البيت لن يقرأوها».
يضع عمي فنجانه. «بندر. هذه ليست بوابتك».
«لا يا عمّي. هذه بوابتك، وهناك سيارة في حوشك تحمل ورقةً مطوية، أرسلها مكتبٌ لم يتصل بك أولاً. لم يتصلوا بك أولاً لأنهم قرروا ما سيفعله أهل هذا البيت. وأنا أفضّل أن يدركوا خطأهم هذا في الحوش على أن يدركوه في الشارع».
لا أحد ينطق بشيء للحظة.
ثم يقول عمّي: «أدخِلوا الرجل».
فيقول بندر: «لا».
«لا؟»
«إن دخل فسيجلس، وإن جلس صار ضيفاً، والضيف الذي يحمل ورقةً مطوية في هذا المجلس هو ضيفٌ نال الإكرام. فليقف عند القوس ويبلّغ حاجته للحاضرين، أو ليرجع إلى سيارته ويخبر السيارة الثانية بما قيل له».
«وماذا سيُقال له؟»
ينظر بندر إلى عمّي، ثم ينظر إليّ—نظرةً واحدة خاطفة، كمن يتأكد من إغلاق الباب خلفه.
«سيُقال له إن بنت هذا البيت لن تخرج الليلة».
يسأل عمّي بنبرةٍ تشي بالتحذير: «بأمر مَن؟».
«بأمري أنا. إن شاء الله».
قالها ببرود، لا لين فيها ولا تسليم، كمن يقطع بأن الأمر قد قُضي، وأن القرار قد فُرغ منه، وما تبقّى ليس إلا المضيّ فيه.
سمعها عمّي، وسمعها كل رجلٍ في المجلس. تبادل اثنان منهم النظرات، وكانت تلك النظرة بمثابة التصويت كله، ولم يكن التصويت في صالحي.
لم أشكره. فالمرأة التي تشكر رجلاً أمام خصومه تكون قد قبلت بديْنٍ في عنقها، ولن أرضى بأن أحمل ديناً لبندر التميمي في هذه الغرفة وأمام الرجال الذين خطّوا ذلك الظرف.
عوضاً عن ذلك، تناولتُ بيميني الفنجان الذي صبّه لي، وأدرتُه دورةً واحدة، ثم شربتُ ووضعته.
قلتُ بلطفٍ موجّهةً حديثي للمجلس: «قهوة طيبة. خسارة أن المجلس غدا غريباً إلى هذا الحد».
شبه الضحكة تلك لا تتكرر مرتين.
يُؤتى برجل المرافقة إلى القوس. شابٌ منضبط الهندام، يقف ممسكاً بالورقة المطوية بكلتا يديه كمن يحمل شيئاً أُمر بألا يفتحه، ويتلو غرضه بنبرةٍ رتيبة كرجلٍ رددها من قبل عند بواباتٍ أخرى: مكتب، ليل، اسم، اقتياد، وسيارة تنتظر.
يقول: «المطلوب خروج بنت البيت».
يرد بندر: «المطلوب؟».
«نعم، مطلوب يا أستاذ».
«إذاً، لها أن ترفض».
يضطرب فم الشاب: «الورقة لا تنص على أنها تملك الرفض».
يقول بندر: «الورقة ليست هي المجلس، ولا هي الحوش أيضاً. أنت واقفٌ عند قوس بيتٍ استقبلك، والطلب في هذا البيت يبقى طلباً. إن كان لدى المكتب أمرٌ، فليرسل المكتب أمراً يحمل اسماً تعرفه هذه العائلة. وحتى ذلك الحين، يمكن للسيارة أن تنتظر، ويمكنك أن تصيب من الضيافة شيئاً، والباب سيُفتح في الصباح».
«لن يُفتح لي في الصباح يا أستاذ».
يوافقه بندر: «صحيح، لن يُفتح لك».
كان ذلك عين الرحمة والتحذير معاً، وقد فهم الشاب الرسالتين، فانحنى برأسه وعاد خارجاً عبر القوس ومعه ورقته المطوية، وبعد لحظة سمعتُ محرك السيارة الأولى ينطفئ، ثم الثانية، وعمّ الهدوء الحوش إلا من قرقعة الحصى وهي تستقر.
السيارة التي انطفأ محركها هي سيارةٌ رضيت بالانتظار، وليست كالسيارة التي غادرت. أعرف الفرق جيداً، وتعرفه كل امرأةٍ في هذه المدينة اقتيدت يوماً في ساعةٍ لم يُؤخذ فيها رأيها.
ينهض عمّي.
يقول: «رُفِع المجلس. تبقى المرافقة في الحوش. لا أحد يقترب من البوابة، ولا أحد يخرج ليكلمهم، ولا يكتبنّ أحدٌ في هذا البيت حرفاً قد تحمله سيارة».
ينظر إليّ حينها، نظرةً تخلو من الغضب كما تخلو من الدفء، وأدركتُ أنني أصبحتُ بنداً في دفتر حساباته لم يُسجَّل بعد في أيٍّ من الكفّتين.
يقول: «ستبيتين في البيت».
«أنا أبيت في البيت يا عمّي».
يعيد قائلًا: «الليلة ستبيتين فيه»، ثم يشيح بوجهه، وينهض معه رجال العائلتين، وينفضّ المجلس كما تنفضّ غرفةٌ يودّ كل رجلٍ فيها لو كان في مكانٍ آخر يستطيع أن يقسم فيه أنه لم يحضر أصلاً.
خمد البخور حتى رمقه الأخير، وبات دخانه راكداً فوق الطاولة.
بقي بندر. لم يجلس، بل ظل واقفاً حيث كان أول الليل، خطوةً واحدة داخل القوس، مسنداً كتفه إلى إطاره، وكان الممر خلفه مظلماً، والباب في نهاية الممر—باب الجناح الخاص—مفتوحاً على تلك العتمة.
وقفتُ أنا أيضاً، فانسدلت عباءتي مستقيمة، وعدّلتُ شيلتي دون أن أنظر في شيء، بحكم عادة العمر كله.
قلتُ: «سيعودون مع الفجر بورقةٍ أخرى».
«على الأرجح».
«وبعدها؟»
«بعدها، للصباح مجلسه».
«وحتى الصباح؟»
نظر نحو الممر، إلى الباب المفتوح وعتمته، ثم صرف بصره عنه، وكانت هذه أول مرة أراه فيها الليلة يتردد في حسم أمرٍ على الفور.
قال: «حتى الصباح، أنتِ في هذا البيت، والسيارة في الحوش، ولا أحد منهما يتحرك أولاً».
لم أذهب إلى البوابة، ولم أذهب إلى الممر أيضاً.
وقفتُ في المجلس الخالي وفنجان باردٌ عند مرفقي، والبيت يسكن من حولي، ومن فوقنا سماء الرياض تتحول من السواد إلى ما لا يزال دون الرمادي، وأدركتُ أنني انتصرتُ الليلة بالطريقة التي تنتصر بها امرأةٌ في بيتٍ كهذا—ليس لأنهم صدّقوها، بل لأن نقلها من مكانها باهظ الثمن.