رجوع

نبذني وأنا حامل

0%

Chapter 1 · الصدّ البارد كالصقيع

كانت يد جوليان لا تزال دافئة فوق كتفي العارية حين نطق بتلك الكلمات:

«أنا، جوليان ستيرلينغ، ألفا أيرونكرست، أرفض نورا فانس رفيقةً لي.»

انبتّت الرابطة كأنها حبلٌ مبلول تمزّق بغتة.

نبذني وأنا حامل Chapter 1

سرى الألم في نخاع شوكي أولًا، ثم صعد إلى فكي وأضلاعي، وهوى حتى قاع بطني حيث استقرت أوراق العيادة مطويةً في جيبي الخلفي. نبضان اثنان. كانت أخصائية السونار قد وضعت دائرتين حول البقعتين الداكنتين وابتسمت لي ملء فمها وكأنها تزفّ إليّ أسعد خبر في الدنيا.

توأمان.

لم أسقط. 400 فرد من القطيع احتشدوا كتفًا إلى كتف في القاعة الكبرى، يحبسون أنفاسهم جميعًا في انتظار اللحظة التي أرتطم فيها بأرضية الحجر. غرزت أظافري في راحتي حتى شققت الجلد.

«أعلني قبولك»، قالها شيخ المجلس وهو يحرّك صكّ الدم فوق الطاولة. سعل أحدهم في مؤخرة القاعة.

نظرت إلى جوليان. في عينيه مباشرة.

6 سنوات معًا، ولم أعثر على ذرّة واحدة من ذلك الرجل الذي نمت بجواره هذا الصباح. كان فكّه مطبقًا بقسوة تكاد تكسر أسنانه، وعيناه غارقتين في ذلك الذهب الصامت الكاسر، الذي لا يظهر إلا قبيل تنفيذ أحكام الإعدام.

قال مقتضبًا: «نورا.»

لم يكن اعتذارًا، بل مجرد أمر لإنهاء المسألة.

«هي بنت هارغروف؟» لم يرتجف صوتي، بل خفضته ليسمعه هو وحده: «ولا خلاص، طابت نفسك منّي؟»

لم يجب. وكان صمته أشدّ إيلامًا من الرفض نفسه. وقف هناك بمعطفه الصوفي الأنيق كتمثالٍ منحوت، فيما كانت القاعة تتجرّع ذلّي وهواني بنهم.

نتر الشيخ آمرًا: «وقّعي.»

خطفت القلم من فوق المكتب الماهوجني. كانت أصابعي ترتعش، وكرهت نفسي على ذلك الضعف. شقّ توقيعي بياض الرق، معوّجًا وخشنًا، لا يشبه أبدًا تلك الشخبطة الرشيقة التي أدوّنها في سجلات العيادة. جفف الشيخ الحبر ورفع الورقة عاليًا ليراها أهل القاعة.

وأعلن: «النفي نافذ من توّه. وبحكم شريعة الدم، لا تخرج إلا بما تحمله على ظهرها.»

من خلف نوافذ الزجاج المعشّق العالية، كانت العاصفة تعوي في وجه الصخر. عاصفةٌ تهيأت منذ الظهيرة، من ذلك الطراز من الصقيع الذي يطمر الشاحنات ويجمّد كلاب الشوارع في قيعان الجداول. كانت لوحة القيادة تشير إلى 20 تحت الصفر حين قدمت بسيارتي، والحرارة تهوي سريعًا.

مددت يدي نحو معطفي المصنوع من جلد الغنم على المقعد، فاندفع حارسٌ بيننا واختطفه من أمامي.

قال الحارس: «من أملاك القطيع.»

وجوليان يراقبه يأخذه دون حراك.

أدرت رأسي بتمهّلٍ شديد، وثبّت عيني في وجه جوليان: «تخليه يجرّدني من كوتي؟ بهالبرد؟»

أجاب جوليان: «الرفض قائم.» خرج صوته صدئًا متحشرجًا، وكأنه لم ينطق منذ أيام.

400 ذئب تفرّجوا على ذهولي، ولم يطرف لأحدهم جفن. ابتلعت تلك الشهقة الجافة في حلقي قبل أن تنقلب عويلًا.

دفع الشيخ لفافة النفي في صدري، فدسستها داخل خصر بنطالي الجينز كأنها فاتورة وقود مهترئة؛ فلن أسمح لهم برؤية يدي ترتجفان مرة أخرى.

ثم وقعت عيناي على الصف الثاني.

هيلينا هارغروف.

ترتدي فستانًا من الكشمير السكري، واضعةً ساقًا فوق ساق بكاحلين شاحبين، وفي حجرها باقة من زنابق بيضاء تحتضر وذبلت أطرافها، كأنما طال انتظارها في ذلك المقعد لساعات.

لم تكن تبكي. فالبريئة التي تُحشر في صراعات القطيع تبكي، أما هيلينا فكانت ترقب عقارب الساعة لا أكثر.

قلت بصوتٍ عالٍ ترددت أصداؤه في عوارض الخشب بالسقف: «ما مداك استعجلت؟ اخترت خاتمها قبل ما تطلع نتايج تحاليلي ولا بعدها؟»

نهرني الشيخ بحدّة: «المجلس ماهو مكان للنقاش—»

قاطعتُه وعيناي معلقتان بجوليان: «أنا أكلّم الألفا. خلّه يرد عليّ.»

اختلجت عضلة في فكّ جوليان مرتين. ولجزءٍ من الثانية التقت نظراته بنظراتي، ملتهبةً ومحطمةً بشيء مظلم ومعوجّ، فحدثتني الحمقاء التي في داخلي: *ها هو ذا. قل إن الأمر كابوس وليس بحقيقة.*

ثم أطبق فمه ليصبح كشقٍّ من حديد.

«ما عاد لك حق تسأليني يا نورا.»

وهكذا كان. أُغلقت دونه الأبواب وانتهى الأمر.

«زين»، مسحت عرق كفي ببنطالي: «خلّوا ورقكم عندكم. أنا خلصت.»

استدرت على عقبي ومضيت في الممر الأوسط. بدأ أحدهم قرب الباب الخلفي يصفّق ببطء، حتى أسكته زمجرةٌ غاضبة خرجت من المنصة لتكتمه في مهده.

نادى جوليان بغتة وبنبرة قاطعة: «حقيبتها.»

تجمّد الحارس الواقف عند البابين المزدوجين: «طال عمرك؟»

قال جوليان دون أن يلتفت نحو الجمع: «الحقيبة القماشية اللي عند القوس. هذي عدّتها الطبية، وتطلع بها.»

تردد الحارس وهو يرمق جوليان وشيخ المجلس بحيرة. وقفت في مكاني كالملسوعة؛ اللئيم انتزع رابطتي للتوّ وطردني إلى الصقيع لأموت، والآن يدافع عن علبة شاش معقم؟

قلت بحرقة مريرة تأججت في صدري: «ومعطف؟ ولا الشاش والضمادات بتدفّي من 20 تحت الصفر؟»

احمرّت رقبة الحارس خجلًا، ونظر إلى جوليان، لكن جوليان ظل يحدق في الأرضية الحجرية بين حذائه، ويداه مدفونتان في جيبي معطفه.

تنحنح الحارس، وتناول بطانية صوفية زيتونية من رف الطوارئ بجوار الردهة، ورماها نحوي. كانت تفوح برائحة النفتالين والديزل القديم، وأطرافها مهترئة من قرض الفئران. ضممتها إلى صدري، والتقطت عدّتي الطبية، وتابعت مسيري.

وعند عتبة الباب الخشبية الثقيلة، أطبقت قبضةٌ حديدية بقوة على معصمي العاري.

حاولت الفكاك بنترة، لكن قبضة جوليان كانت طوقًا لا ينفك. كان يقف خلفي تمامًا، وحرارة جلده تلفحني كعادته طوال الشتاء، فسرى في جسدي اللعين خذلانٌ من نبضات الشوق إليه؛ فرغم تمزق وسم الرفقة، لم تستوعب حواسي الفجيعة بعد.

همس وفمه يلامس شحمة أذني، وأنفاسه حارة تكسر الصقيع المتسلل من تحت الباب: «روحي شرق. لا تروحين شمال يا نورا... الممر الشمالي مراقب.»

انتزعتُ ذراعي من قبضته بقوّة، تاركةً آثار كدماتٍ حمراء متورمة حيث انغرست أصابعه في لحمي. قلتُ بنبرة تقطر سماً: «المسني بعد مرّة، والله لأذبحك بيدي!»

تصلّب فكّه بقسوة، وومض في عينيه طيفٌ عابر من العذاب والألم، لكنّه توارى بلمح البصر حتى خلته وهماً نسجه خيالي.

أصدر جوليان أمره بصوتٍ قاطع: «افتحوا البوابات.»

أنّت أبواب البلوط الضخمة وهي تنفرج نحو الخارج، وصفعتنا العاصفة الثلجية كأنها دلوٌ من رذاذ الزجاج المكسور أُفرغ في وجوهنا.

سلب الهواء المتجمّد الأنفاس من رئتيّ على الفور، محوّلاً قطرات العرق عند منبت شعري إلى إبرٍ وخّازة. كانت الدرجات الحجرية المنحدرة نحو طريق الجبل مكسوةً بطبقة صقيلة ملساء من الجليد. نزلتها خطوةً خطوة، وحذائي يزلّ على الصخر، وفكّي مشدودٌ في مكابرة، رافضةً أن أستند إلى الدرابزين؛ فقد كان هناك 400 زوج من الأعين يترصد كل شبر في ظهري.

ومن خلفي، صرّ الحديد وهو يرتطم بالحديد. ثم هوى المزلاج في مكانه بصوتٍ حاسم يشبه إطباق غطاء التابوت.

أُغلِقَت دوني الأبواب.

عصفت ريحٌ هوجاء عند حافة الجرف، فانتزعت البطانية البالية المهترئة عن كتفيّ قبل أن أتمكن من لفّها حولي، لتهوي متدحرجةً بين أشجار الصنوبر الداكنة وتتلاشى. لم أكلّف نفسي حتى عناء الالتفات وراءها؛ فقد كان الصقيع قد تسرّب بالفعل إلى ما تحت ثيابي، ينهش جسدي عبر سترتي الرقيقة، ويجمّد أصابعي حتى خدرت تماماً.

وفجأة، في أسفل بطني، تحت أضلاعي مباشرة... أحسستُ برفّة صغيرة واضحة.

سكونٌ خاطف، تلته رفّة ثانية، حادّة وعلى غير نسق الأولى، كأنما هما قبضتان صغيرتان تقرعان جدران العتمة.

*توأم.*

وضعت كلتا يديّ المتجمدتين وبسطتهما فوق بطني. عوى الريح في أعماق المضيق الجبلي ليطمس كل صوت في هذا العالم، ومن خلفي، بقيت تلك الأبواب الحديدية موصدة لا تتزحزح.