Chapter 3 · الوهج الذهبي

طرحتُ ليو فوق طاولة الفولاذ المقاوم للصدأ قبل حتى أن تفرغ مايا من صرختها.
كان جسده يشتعل.
لم تكن حرارته مجرد حُمّى أطفال عادية، بل حرارة لافحة كتلك المنبعثة من محرّك سيارة في قيظ يوليو؛ من النوع الذي يسلخ جلدك إن تركت يدك فوقه. ومع ذلك بسطتُ راحتي على صدره. كان نبض قلبه يدقّ على نحو خاطئ، متسارعاً بجنون كأرنب مأسور يتخبّط وراء ضلوعه.
تعلّقت قبضتا مايا بطرف قميصي: "يمّه... شوفي عيونه!"
"أشوفها."
ذهبٌ خالص. ذهبٌ منصهر يطغى على قزحيتيه ويغرق لونهما البني. لم يكن ذلك العنبر العكر المألوف لجرو عادي يمرّ بتحوّل مبكر، بل دم "ألفا" خالص، يتوهج كأن تماساً كهربائياً قد صعق مؤخرة جمجمته.
6 سنوات وأنا أخمد ذلك الوهج. 6 سنوات من كواتم الرائحة، والملفات المزوّرة في العيادة، وتلك الكذبة التي كنت أهمس بها في خصلات شعره قبل النوم كل ليلة دون استثناء.
تقوّس عموده الفقري مبتعداً عن المعدن، وصرّ هيكل الفولاذ بصوت حاد.
صحتُ بحزم: "امسكي كتفيه!"
كانت مايا في الـ 6 من عمرها، ولا يتعدى وزنها 40 رطلاً وهي مبللة بحذائها الطيني. تسلّقت المقعد بسرعة، وألقت بكامل ثقلها فوق كتفَي أخيها التوأم تضغط عليهما. وبرز النمش على وجهها بوضوح فاقع فوق بشرتها التي شحبت كالجصّ.
سحبتُ الدرج أسفل المغسلة بقوة. كمّادات ثلج؛ تحت الإبطين، وأعلى الفخذين، وأسفل جمجمته.
أطلق ليو صوتاً لم أسمعه قط إلا من ذئاب بالغة اخترقت الفضة أحشاءها. لم ترتجف يداي؛ لم أسمح لهما بذلك، فالذعر ترفٌ لا ينعم به إلا من ينتظر عوناً من أحد.
خنقت مايا عبرتها وقالت: "قولي إنه بيصير بخير، يمّه..."
"بيصير طيّب، ما عليه شر."
"قوليها من قلبك!"
"مايا."
"قوليها تكفين!"
قلتُ ونبرتي ثابتة كالفولاذ البارد: "والله بيصير بخير." كرهتُ السهولة التي خرجت بها تلك الكذبة من بين شفتيّ؛ فقبل 10 دقائق فقط، كنت أحرّك حساء الدجاج على الموقد في الطابق العلوي، وأخطط لإنهاء فواتير العيادة لأكون في فراشي بحلول الساعة 9.
تحشرج صوت ليو بألم: "يمّه..."
لم يعد صوته وحده، بل كان صوتين يُسحلان فوق زجاج مكسور؛ طفل صغير، والوحش الذي يستيقظ في أعماقه.
بكى ودموعه تَفِحّ على وجنتيه المتّقدتين: "صوت عالي مرّة... سكّتيه تكفين!"
"حاضر يا بعد عمري، الحين أريّحك."
خطفتُ زجاجة العقار المثبّط، المصنوع من الشوك الفضي ولحاء الصفصاف وخانق الذئب الخام. شراب أسود كالقَطِران يكوي الحلق بناره. قاومني وهو يتخبط بعنف، لكني حشرتُ القطّارة قسراً بين أسنانه المطبقة. سال نصف الدواء على ذقنه، إلا أنني غرزت إبهامي في نقطة الانعكاس العصبي خلف فكّه حتى تشنّج حلقه وابتلعه.
وتحت المنضدة، كان الصندوق الفولاذي المقفل بانتظاري.
4 حُقَن آلية تحوي مزيجي الخاص من خانق الذئب المصنوع كسلاح، بجرعة محسوبة تُسقط أقوى منفّذي القطيع وزناً (200 رطل) في 9 ثوانٍ لا غير. كنت أدخرها للذئاب المنبوذة التي تأتي لتخربش بابي الخلفي بأنياب مكشرة، لا لابني ذي الـ 6 سنوات.
حامت أصابعي فوق القفل.
لم أستطع فعلها. ليس بعد؛ فجرعة كهذه قد توقف قلبه تماماً.
انطلقت فتحات التهوية في السقف بأقصى طاقتها مطلقة عويلاً يصمّ الآذان. كانت العيادة تضمّ 6 منقّيات هواء صناعية تعمل بلا انقطاع؛ فعلى خط الحدود، كان لزاماً على عيادة غير قانونية ألا تفوح منها سوى رائحة المبيّض، والعفن، والحديد الصدئ، لا شيء غير ذلك. ولم يسأل مفتشو المقاطعة يوماً عن سبب حاجة أمّ وحيدة تدير عيادة مجانية إلى نظام تنقية بمواصفات عسكرية.
ثمّ هبّت تلك الرائحة فجأة.
صنوبر طازج مسحوق، ودماء من فصيلة (O-) سالبة، وخشب أرز محترق كالذي يسبق اشتعال جبل بأكمله.
رائحة أبيه.
6 سنوات من المحيّدات الكيميائية تلاشت واحترقت في ثانية واحدة.
وعلى الجدار، بدأت لوحة المستشعرات تصدر رنيناً متتابعاً. 8 أضواء خضراء، انقلب 5 منها إلى اللون الأحمر، ثم 6.
انتزعتُ جهاز اللاسلكي من الجدار: "ثيرون."
فشّ الأثير بوشيش حاد، ثم انفجر صوته: "نورا؟ نورا، وش تسوين بحق الجحيم عندك؟"
كانت الريح تعصف في ميكروفونه؛ كان يركض.
صاح ثيرون: "كل أسلاك الإنذار في المحيط الشمالي انقطعت دفعة واحدة! الشاشات عندي تصارخ، وعندي وهج حراري يضيء الوادي كله كأنه قصف صاروخي..."
كذبتُ عليه: "الموضوع تحت السيطرة."
"لا تلعبين عليّ! هذي مو حُمّى ذئب مارق، هذا توقيع سلالة من أرفع الرتب! ولد مين هذا الـ..."
"ثيرون، تراجع ومالك دخل!"
سبّ وشتم، ثم قطع الاتصال.
وعلى الطاولة، سكن ليو سكون الموتى.
لم يكن مسترخياً، ولا نائماً، بل كان جموداً تاماً يخلع القلب. انزلقت كمادات الثلج عن جلده لترتطم بأرضية المشمع بارتطام مكتوم، وصدره... لم يكن يعلو أو يهبط.
"ليو؟" طارت أصابعي إلى موضع النبض في عنقه. لا شيء. ثم تفجر الذهب في عينيه بعنف كاسح، متجاوزاً حدود بؤبؤيه حتى فاضتا بنور كالجمر المشتعل.
همست مايا: "يمّه... يدينك ترتجف."
"ما فيني شي."
"عمرك ما رجفتي."
قلتُ بصوت خافت وميت: "اطلعي فوق، واقفلي باب المؤونة وراك بالمفتاح."
"لا—"
*طراااخ!*
انفجرت فتحة تهوية السقف. تمزق الفولاذ بصرير مروّع، نافثاً غبار العزل الحراري فوق الأرضية، في حين لفظت مروحة السحب أنفاسها بصوت احتكاك طاحن.
ثمّ، ومن أعماق الخرسانة المتصدعة، أخذت الأرض ترتجف.
*دكّ... دكّ... دكّ.*
جنازير مدرعات ثقيلة تمزق الوحل المتجمد والجليد الأسود، تتقدم مسرعة على الطريق المعبد من أراضي القطيع رأساً، بلا أي نية للتهدئة عند بوابة المحيط.
لقد عثر علينا.