رجوع

رفض الكاتبة

0%

Chapter 1 · طعنة الرفض المرير

«فضلة»، قالها، وصوت قفل الخزنة يُحكِم إغلاقه وراء ظهري. لا مهرب. ثبّت معصمي على لوح الكتابة الفولاذي. انظري إليّ. كان الختم لا يزال يحمل كلمة «مرفوضة». «أنا أرفضكِ يا جيا هولت».

قالها ريس بصوتٍ جهوري التقطته ميكروفونات السقف، صوتٍ كافٍ ليسمع ثلاثمئة من أفراد القطيع الكلمة وهي ترتدّ عن الخرسانة وتهوي عليّ كاللكمة.

لم أُسقِط الختم. كانت يدي ترتجف، لكني لم أُفلِته.

رفض الكاتبة Chapter 1

قلتُ له: «أعِد ما قلته». ليس لأنني لم أسمع، بل لأني أردتُ للقاعة كلّها أن تسمعه يقولها مرتين.

وأعادها، دون أن يرمش له جفن: «أرفضكِ رفيقةً لي يا جيا هولت. وأمام هذا القطيع وهذا النهر، أُعلن نايومي كروس لونا بديلةً عنكِ».

ضحك أحدهم خلفي. لم تكن ضحكةً عالية، بل بما يكفي لتصلني.

صعدت نايومي إلى المنصة بثوبها الأبيض، كأنما خطّطت للأمر برمّته، كأنهم فصّلوا الفستان على مقاسها منذ أسابيع... ولعلّها فعلت. لم تنظر نحوي أبداً، بل رمقت الجمع برأسٍ مرفوع، تتدرّب سلفاً على النظرة التي ستظهر بها على أوراق النقد.

أنا الكاتبة، وأنا من يحفظ سجلّ الروابط. هذا عملي منذ ست سنوات؛ أجلس عند تلك الطاولة الصغيرة أسفل المنصة، أمامي السجلّ ووسادة الحبر. وحين يُعتمد ارتباطٌ أختم عليه «مقترن»، وإن رُفِض أختمه بغير ذلك. ما ظننتُ يوماً أنني سأختم صفحتي بيدي.

مدّ ريس يده، ينتظر. يريدني أن أفعلها بنفسي. هنا تكمن القسوة؛ كان بوسعه أن يكلّف أي شخص بختمها، لكنه أراد يدي أنا على الحبر.

قال بصوتٍ خافت لم يلتقطه سوى الجالسين في الصفوف الأولى: «يا جيا، لا تخلّينها تقلب شينة».

«أنت اللي شيّنتها من أول ما فتحت فمك».

رفعتُ الختم. أصابعي تعرف ثقله أكثر مما تعرف ثقل يده. ضغطتُ به على وسادة الحبر الحمراء، ثم على الصفحة، بقوةٍ جعلت صكّته تدوّي عبر مكبرات الصوت.

مرفوضة.

كان الحبر لا يزال رطباً حين انقلبت القاعة رأساً على عقب.

«ما هي بملكك عشان تتركها واقفة كذا».

لم يكن هذا صوت ريس. كان صوتاً أغلظ وأشدّ خشونة، آتياً من المدخل الجانبي حيث يقف عمّال الميناء... والتفتت كل الرؤوس في القاعة دفعةً واحدة، لأن الصوت لرجلٍ ليس من المفترض أن يطأ هذا المبنى أصلاً.

فيل كين. أنا من نكبتُه بيدي، على الورق، في الشتاء الماضي؛ جمّدتُ تسجيل نصف أسطوله في نزاع ديون لم يسامحني عليه أحد. ليس من أفراد قطيعنا، بل هو «الألفا» القادم من أسفل مجرى النهر، والذي أمضى ريس عاماً كاملاً يحاول دفنه حياً.

كان يتقدّم نحو المنصة كأنه صاحب المكان، وما من أحدٍ اعترضه، فلا أحد يودّ أن يكون البادئ بلمس فيل كين.

قال ريس: «هذي طقوس مغلقة»، ولأول مرة هذه الليلة لم يكن صوته ثابتاً.

ردّ فيل: «أجل ما كان المفروض تسوّيها والأبواب مشرّعة». لم ينظر فيل نحو ريس، بل كان يرمقني أنا؛ ينظر إلى الختم الذي ما زال في يدي، وإلى الحبر على أصابعي. ثم قال: «هي لي».

كلمة واحدة. مثل كلمة ريس؛ الوزن نفسه، لكن في الاتجاه المعاكس.

شهقت القاعة بحق... سمعتُ هذا الصوت من قبل في طقوس الآخرين، لكنه لم يكن موجّهاً نحوي أبداً.

قالت نايومي بنبرة حادة متهلّلة، وكأنها أمام أمتع عرض شاهدته طوال العام: «مالك حق تطالب بفضلة غيرك».

ردّ فيل وعيناه لا تفارقاني: «ما هي بفضلة. هذي الوحيدة في القاعة اللي مسكت السجل بعدل، في وقتٍ كنتم تكذبون فيه على مدى ست سنين».

وصل إلى الطاولة. أطبقت يده على معصمي؛ لم تكن قبضةً عنيفة بل حاسمة كبابٍ يُوصَد بإحكام. دافئة، دافئة جداً مقارنةً بالبرودة التي سرت في سائر جسدي.

قلتُ له: «فكّ يدي»، وكنتُ أعنيها، غير أن نبضي كان يتسارع بما يناقض كلامي تماماً.

أجاب وهو يسحبني مبتعداً عن المنصة، متجاوزاً الصف الأمامي ورجال أمن ريس الذين تبادلوا النظرات دون حراك لأن أحداً لم يدرّبهم على موقف كهذا: «مو هنا... مو وقدامه جمهور يتفرّج على دموعك».

«أنا ما أبكي».

«أدري، وهذا بالذات اللي قاهر قلبه ومو قادر يتحمّله».

بلغنا ممر الخدمات ونحن نكاد نعدو، والختم لا يزال في قبضتي، والحبر يلطّخ راحة يدي. كان هناك مصعد وحيد في الخلف ما زال يعمل؛ مصعد البضائع القديم بجدرانه الفولاذية ونوره الذي يرمش كل ثانيتين. ضغط الزر، فأنّ الباب وانفرج كأنه كان ينتظر هذه اللحظة بالذات.

قال: «ادخلي».

«ماني رايحة معك لأي مكان».

«ودّك ترجعين هناك وتشوفينها واقفة مكانك؟»

دخلتُ المصعد.

أُغلقت الأبواب على أصوات الجدال التي ما زالت تحتدم في القاعة من بعدنا، وبقينا وحدنا؛ أنا وهو، والضوء المرتعش، ورائحته... ماء النهر والديزل، وشيءٌ آخر يكمن تحتهما، أدفأ، ميّزه جسدي قبل أن يستوعبه عقلي.

ضغط الزر، فلم يتحرّك شيء. ضغطه ثانية.

قال دون أي أسف في نبرته: «بطيء».

«بطيء يعني واقف وما يتحرّك؟»

«بطيء يعني ورانا وقت».

خطا خطوةً إلى الداخل، ليس نحو لوحة الأزرار، بل نحوي. كان جدار الفولاذ بارداً ينفذ عبر ظهر فستاني، أما هو فلا... كان قريباً لدرجة أن المسافة بيننا لم تعد مساحة تُقاس، بل قراراً يُتّخذ؛ سند ساعده بجانب رأسي، ويده الأخرى لا تزال تقبض على معصمي كأنه لم يُفلته قط، وكأنه لا ينوي إفلاته أبداً.

قلتُ له، وصوتي يخرج أضعف مما أردت: «ما كان له داعي تسوّي كذا».

«أدري».

«أجل ليش—»

«لأني شفته وهو يخلّيكِ تختمين رفضكِ بيدكِ قدام ثلاثمئة شخص، وأنا من سنة وأنا أنتظر عذر يرجعني لهالمبنى». مرّر إبهامه ببطء على باطن معصمي، فوق النبض مباشرة، حيث يستطيع أن يشعر تماماً بما يفعله بي. ثم قال: «وأنتِ عذر يسوى يا جيا».

كان فمه قريباً جداً، حتى كدتُ أحس بوقع كلماته على بشرتي لا في مسمعي فحسب. وما زال شريط نايومي الحريري الملقى ملتفاً حول معصمي الآخر، حيث عقده أحدهم مازحاً قبل مراسم الطقس، فتمسكت به أصابعه، وجذبته لتفكه، ثم ألقته على أرضية المصعد كأنه نفاية لا شأن لها.

«فيل—»

«لا تنطقين اسمه هنا.»

«ما كنت بقوله...»

«قولي اسمي بداله.»

لم أفعل. بل لم أستطع؛ فقد انطبق حلقي، ومال جسدي بكامله نحو اليد القابضة على معصمي كأنها الشيء الثابت الوحيد المتبقي في هذا المبنى كله، وأحنى رأسه ليلامس فكّه صدغي، وأنفاسه تلفح أذني بحرارتها، فيما عاد المصعد يئن ويرتجّ دون أن يتحرك.

«فيل». خرجت الكلمة رغماً عني، مكسورةً ومتهالكة.

«هذي هي.»

لم يبلغ فمه شفتيّ. ليس بعد. بل وقف على بعد نصف بوصة، معلقاً في الهواء، يترقب أن أطوي ما تبقى من المسافة بنفسي— ومن خلفه كانت لوحة التحكم تومض بالأحمر، وأرقام الطوابق تتداخل في ارتباك، والمقصورة كلها ترتجّ بارتطامة حادة قبل أن تسكن تماماً بين طابقين.

الباب الوحيد في هذا القفص موصدٌ بإحكام خلف كتفه؛ فلا زر للتحكم اليدوي، ولا مخرج ثانٍ، ولا مهرب لي إلا من خلاله.