رجوع

رفض الكاتبة

0%

Chapter 2 · الشريحة الأولى، الشريحة الثانية

رفض الكاتبة Chapter 2

«اتركني». قلتها قبل أن تنغلق الأبواب تماماً، ومعصمي لا يزال حبيس قبضة فيل كين منذ الطابق العلوي، منذ وسادة الختم، ومنذ ابتسامة ريس تلك التي لم تفارق وجهه للحظة.

لم يتركني، بل دفعني إلى الخلف داخل مصعد الخدمة كأني بلا وزن، وكأن القطيع بأكمله لم يكن شاهداً عليه لتوّه وهو يقول: *«ملكي»* فوق حبر رفضي قبل أن يجف.

قال بنبرة هادئة: «اركدي ويمكن أتركك».

انطبقت الأبواب على وجه ريس، وعلى ابتسامة نايومي الشامتة بلقب الـ«لونا» الجديد، وعلى صوت قلمي وهو يتدحرج على الطاولة حيث أسقطتُه إثر هوِيّ الختم. *مرفوضة*. خط يدي. وبيدي أنا.

اهتز المصعد فجأة، ثم ترنّح وتوقف بين طابقين. ومضت الشاشة فوق الباب بالرقم 2 باللون الأحمر وثبتت عنده، بينما سرى في المكان أزيزٌ متواصل.

قلت: «توقفنا، ما نتحرك».

«ومو المفروض نتحرك». لم يلتفت نحو اللوحة، بل كانت عيناه تتفرسان في ياقتي، في عنقي، وفي ثنية معطفي كأنه يقرأ شيئاً خُطّ عليها. «اثبتي مكانك».

«لا تلمسني».

«فات الأوان؛ لمستكِ لتوّي قدام أربعين شاهد». ارتفعت يده، لم تكن خشنة، بل أسوأ من الخشونة؛ كانت متأنية وحذرة، كرجلٍ يملك كل وقت العالم في مصعدٍ معطّل وينوي استغلاله حتى آخره. قبض على فكي وأمال وجهي نحو ضوء الطوارئ، الذي أزّ وانطفأ لثانية، ثم عاد خافتاً أكثر من ذي قبل.

ظلامٌ حسيّ تامّ، دام لنصف نفس. لم يكن هناك سواه: يده، ورائحته... خشب الأرز وزيت السلاح، وشيءٌ آخر يكمن تحتهما جعل ركبتي تخوران بضعفٍ أحمق.

«وش قاعد تسوي؟» لم تكن صيغة سؤال، وصوتي لم يكن يشبه صوتي قط.

«أتأكد إذا حطوا لكِ قيد». مرّر إبهامه ببطء بمحاذاة عظم ترقوتي من فوق المعطف، بحركة بطيئة شعرت بأثرها يسري حتى أسناني. «الكتبة المرفوضون تُزرع فيهم رقاقات تتبّع. هذا بروتوكول قطيع النهر المعتاد، تحسباً لهروبكِ قبل انقضاء مهلة السماح».

«أنا ما أهرب».

«الكل يهرب». قالها كحقيقةٍ مسلّم بها، كأنه قد اختبرها بنفسه على غيري من قبل.

اهتدت أصابعه إلى درزة معطفي عند العنق وجذبتها. لم يكن رفيقاً؛ تفتق القماش بصوتٍ أشبه بتمزق الورق، وتدحرج زرٌّ على أرضية المصعد، فلفح الهواء البارد ترقوتي قبل أن يسبقه فمه؛ لم تكن قبلة، ليس بعد، بل مجرد أنفاسه، ساخنة وقريبة إلى حدٍّ جعل جسدي كله ينسى أنه يمقته.

«فيل...»

«اثبتي». تحسس بأنفه امتداد عنقي وصولاً إلى أسفل أذني، وأحسست به يستنشق الهواء كمن يتعقب أثراً محدداً تحت جلدي، تحت بقايا رائحة ريس التي لا تزال عالقة بشعري منذ كنا في الطابق العلوي. كان يمحو ريس عني، نفَساً بطيئاً تلو الآخر، وكم كرهت نفسي لأني استسلمت له.

كانت راحتا يدي منبسطتين فوق صدره، نويت أن أدفعه بهما، لكنهما لم تدفعاه.

«هنا». استقر فمه عند المنحنى الذي يلتقي فيه عنقي بكتفي. «هنا بالضبط. خط ناتئ صغير، ما يتعدى حبة رز».

لامست أسنانه الموضع بخفة؛ لم تكن عضة، بل نذيراً بها، فانتفضتُ بقوة حتى ارتطم ظهري بجدار المصعد.

قال هامساً عند بشرتي: «هذي الشريحة الأولى. يزرعونها في كل كاتب من قطيع النهر وقت تنصيبه. تسجل نبضكِ وموقعكِ، وتبثهما مباشرة للي ماسك ملفكِ... وحالياً هو ريس».

«أنت تكذب».

«اسأليه بكرة، وشوفي وجهه لما أسأله أنا». تراجع إلى الوراء مسافة ضئيلة تكفي ليتفرس في وجهي، واشتدت قبضته على فكي؛ لم تكن لدرجة إحداث كدمات، لكنها كانت وشيكة، أربع نقاط ضغط سأشعر بها غداً وكأنها وسمٌ كاوٍ. «إليكِ ما لم يخبركِ به حين ختم على ملفكِ كفائضة منبوذة: هالشريحة ما تطلع بسلام. لو سُحبت غلط، يتوقف نبض قلبكِ في السجل لأربع ثوانٍ بالتمام؛ وقت كافٍ ليقيدوكِ ميتة».

دوى أزيز المصعد، وومض الرقم 2 الأحمر ليتحول إلى 3 ثم ارتدّ ثانية.

قلت: «ميتة على الورق، مو ميتة بصدق».

«ما تفرق؛ فالميتات من النساء لا تشملهن حماية الملفات، ولا يتعطل قيد إخوانهن ليُستخدم كورقة مساومة، لأن الميتة ما لها حق تفاوض أصلاً». اهتدى إبهامه إلى موضع النبض في عنقي وضغط عليه بخفة، بمقدارٍ يكفي لأشعر بنبضي يجيبه. «تهربين يا جيا؟ ريس بينتزع هالشريحة عن بعد نكاية فيكِ، وبالثانية اللي يتسطح فيها خط نبضكِ على شاشته، ملف أخوكِ بيتحول من *مجمّد* إلى *قاصر يتيم، بلا وليّ أمر مسجّل*.»

انحبس الهواء في صدري كأنه سدد لي ضربة قاضية.

«تهددني بأخوي وإحنا في مصعد؟»

«أنا أعلّمك باللي برمجَه ريس في هالشريحة قبل ما يسميكِ فائضة أصلاً». عاد فمه يهوي نحو ترقوتي من جديد، دون هوادة ودون استئذان، وشعرت بصلبي كله يتقوس نحوه قبل أن يستوعب عقلي ما يجري ويمقت ذلك التجاوب. «مو أنا اللي جهّز الفخ».

«انزعها أجل». تكسر صوتي وتحشرج في حلقي. «مو تقول إنك حزتني لنفسك؟ فك عني هالشيء اللي بيذبحني على الورق».

رفع رأسه. ولثانيةٍ واحدة—واحدة لا غير—تحرّك في عينيه وميضٌ لشيءٍ غير الرغبة.

قال: «ما أقدر أنزعها هنا. مو بدون عدة الاستخراج، ولا قبل ما أعرف بالضبط أي شريحة هي؛ ريس ما يكتفي بوحدة أبد».

طقطقت اللوحة الحمراء فوق الباب مرتدة من 3 إلى 2، وهوت المقصورة بأكملها مسافة بوصة، وصرّ المعدن في مكانٍ ما فوقنا بصريرٍ حاد.

قلت: «فيه أكثر من وحدة». لم تكن جملتي سؤالاً.

«الشريحة الثانية اسمها ’تيذر‘». لم يرفع عينيه عني. «من مصنّع ثاني وببرمجة ثانية. الشريحة الأولى ما تتفعل إلا لو انسحبت أو توقف قلبكِ بجد. أما ’تيذر‘ فما تنتظر هالشيء».

«وش يعني؟»

«يعني إنها مربوطة ببوابة مقر القطيع. لو عديتِ الخط — شمال الجسر، ولا جنوب رصيف ميلر، ما تفرق أبد — ولا تكتفي برصد موتك، بل تطلق فوراً.» ضغط بإبهامه مرّة واحدة على مؤخرة عنقي، فوق الموضع الذي أحسب أن ذلك الشيء يقبع فيه تماماً؛ كان بارداً وصغيراً وحقيقياً تحت جلدي لأول مرة في حياتي. «مباشرة عبر العمود الفقري. والمسألة مو مبرمجة عشانك لحالك.»

أنّ المصعد، وهبط قرابة نصف بوصة أخرى قبل أن يستقر.

«وش قصدك مو مبرمجة عشاني لحالي...؟»

«تقرأ أقرب بصمة حرارية في محيط 10 أقدام وتعتبرها هدفاً تبعياً.» كان فمه يلامس أذني تقريباً، وانخفض صوته حتى غدوتُ أحسّ به أكثر مما أسمعه: «أي أحد واقف قريب منك لدرجة إنه يمسكك لو طحتِ، بتجيه الصعقة مثلك.»

سكنتُ في مكاني. سكوناً حقيقياً هذه المرة، لا ذاك السكون الذي كان يطالبني به.

«قصدك...»

قال: «قصدي إنك لو هربتِ وأنا ماسك فيكِ بهالشكل، بنروح فيها إحنا الاثنين.»

طقطقت اللوحة الحمراء فوق الباب مرّة، ثم مرتين، وتغيّر الرقم. لم يكن رقم طابق، بل كان عدّاً تنازلياً.

قال فيل: «ريس فعّلها الليلة، في اللحظة اللي قلت فيها *لي* في ذاك الطابق. وأنا متأكد، لأني حسيت بشريحة طوقي تتجاوب معها. تسجيل ادعاءين بالملكية في الـ 60 ثانية نفسها... النظام ما يقبل هالشي. العداد شغال من الحين يا جيا، وما أدري للحين هل هو يعد للحظة الإطلاق، ولا...»

انطفأت أضواء المصعد بالكامل لتغرقنا في عتمة مطبقة، ويده لا تزال مقبوضة على قفا عنقي، وأنفاسه لا تزال تلفح أذني، وآخر ما سمعته قبل أن يرمش ضوء الطوارئ ليعود من جديد، كان إتمامه لتلك العبارة بصوت غدا بارداً وخالياً من أي انفعال:

«— أو للحظة اللي يقرر فيها مين فينا يقتل أول.»