رجوع

رفض الكاتبة

0%

Chapter 3 · نبضٌ لا يعرف الكذب

رفض الكاتبة Chapter 3

قال فيل وإبهامه معقوفٌ تحت فكّي: «اثبتي، وإلّا جرحتُ شريانًا بدل الشريحة».

«لن تنتزع منّي شيئًا». خرج صوتي أثبتَ ممّا كنتُ أشعر به، وكان ذلك المكسب الوحيد المتبقي لي في هذا الصندوق العالق بين الطابقين 6 و7.

«ما قلتُ إني فاعل». أزاحت يده الأخرى ياقة معطفي عن كتفي، فانفتقت الخياطة قليلًا وطقطقت الخيوط عند الكتف كأن المعطف قد حسم أمره واختار إلى أيّ صفّ ينحاز. «كل ما أريده هو رؤيتها فحسب. العلامة الأولى. ريس يحبّ وسومه حسنةً وخفية. وأجزم أنها هاهنا تحديدًا».

لامس مَفصلُ إصبعه المنحنى حيث يلتقي عنقي بعظم الترقوة، وسرى ذلك الملمس في كل عِرقٍ لا ينبغي له بلوغه؛ نزولًا في عمودي الفقري، وقابعًا في أسفل بطني، إقرارًا سرى في كامل جسدي دون أن يوافق عليه لساني قط.

قلتُ: «لا تفعل».

«لا أفعل ماذا؟ لا ألمسكِ، أم لا أقول لكِ ما يفعله نبضكِ؟». دنا منّي، فتسللت رائحته إلى رأسي قبل أن تصله يداه؛ رائحة خشب الأرز والمعدن وشيءٍ آخر يكمن تحتهما، شيء دافئ، حتى عجزتُ عن تمييز أين ينتهي نَفَسي وأين يبدأ نَفَسه. «نبضكِ متسارع يا جيا. منذ أن قلتُ إنكِ لي في ذلك الطابق، لا منذ أن وسمكِ ونبذكِ فائضةً عن حاجته».

«هذا لا يعني شيئًا».

«بل يعني كل شيء، والله». كان فمه على بُعد بوصة من أذني، ومقتُّ نفسي لأني أملتُ رأسي لأفسح له مجالًا أكبر لا أقل، كأنّ لعنقي رأيًا مستقلًا لم يشاورني فيه أصلًا. «معناه أن جسدكِ قد حسم خياره مسبقًا، ولسانكِ متأخرٌ عنه بدقيقتين فحسب».

وضعتُ راحتيّ منبسطتين على صدره لأدفعه بعيدًا، فخانني كفّاي أيضًا؛ استقرتا هناك لحظةً أطول ممّا تتطلبه أي دفعة، واستشعرتا الحرارة المنبعثة منه عبر قميصه، وخفقات قلبه التي كانت أسرع ممّا يحق لرجلٍ يتحدث بكل هذا الهدوء.

قلتُ: «بوسع ريس إلغاء قيد ديفيد»، إذ كان ذلك سلاحي الأخير وكنت بحاجة لإقامته جدارًا بيننا. «مكالمة واحدة فقط، ويُطرد أخي من الأكاديمية مع الصباح إن لم أعد إلى ذلك الطابق وأستعطفه ليعيد النظر في نبذي».

«لن ينال تلك الفرصة أبدًا». انزلقت يد فيل من فكّي إلى حلقي، لم تكن تخنقني، بل استقرت هناك فحسب، تستشعر ذبذبة كل كلمة أنطق بها تحت راحته. «عقد رسوم ديفيد الدراسية بات بيدي سلفًا. وقعته قبل الطقس بساعة. بوسع ريس تجميد قيده، لكنه لا يملك أن يمسّ المال بحرف».

تجمّدتُ مكاني. سكونًا حقيقيًا لا تمثيلًا. «فعلتَ ماذا؟».

«اشتريتُ ورقة الضغط التي بحوزتكِ قبل أن تدركي حاجتكِ إليها». قالها كأن الأمر لا وزن له، كأنه لم يُعِد للتو ترتيب الرقعة بأكملها التي حسبتُ أنني ألعب فوقها. «والآن، الشخص الوحيد الذي بمقدوره إخراج أخيكِ من تلك الأكاديمية يقف معكِ في هذا المصعد ويده على عنقكِ».

«هذه ليست حماية، بل مقودٌ بإضاءة أرقى فحسب».

«سمّيها بما يجعلكِ تنامين ليلكِ». تحرك إبهامه، متتبعًا مسار نبضي كأنه يقرأ صفحةً لا يراها أحدٌ غيره. «لكنكِ لن تسميني نبذًا بعد ستة أشهر. سأحرص على ذلك بنفسي».

أصدر المصعد أنينًا، وهبط بمقدار بوصة ثم استقر. طنّ مصباح الطوارئ فوق رأسينا، ولثانية خفتت أنوار المقصورة بأكملها حتى لم يعد ثمة ما يُرى؛ لم يبقَ سوى يده، وأنفاسه، وصوت دمي يضجّ في أذنيّ كأن العالم قد عطّل كل الحواس وأبقى على اللمس وحده.

«فيل». أردتها تحذيرًا، فخرجت متهالكة مكسورة.

«انطقيه هكذا ثانية». أسند جبهته إلى جبهتي، والله المستعان، استسلمتُ له ولم أمنعه. «قولي اسمي كأنكِ ما قصدتِ نطقه».

همستُ: «أمقت هذا»، وكان ذلك صدقًا، لكنه لم يكن جوهر الأمر؛ فيداي كفّتا عن الدفع وشرعتا في التشبّث بمقدمة قميصه، تقبضان على القماش، وتجذبانه ذلك النصف بوصة الأقرب الذي لم يكن لساني ليعترف برغبته فيه أبدًا.

أصدر صوتًا خفيضًا في حلقه؛ لم تكن ضحكة، ولا تأوّهًا تمامًا، وبارحت يده حلقي لتتغلغل في شعري، مائلةً رأسي إلى الخلف، كاشفةً عن تلك المساحة بعينها من جلدي التي ظلّ يترصدها منذ أن أُغلقت الأبواب.

قال عند فكّي، وشفتان تكادان تلامسان جلدي، دون أن يكون في نبرته أدنى تساؤل: «هنا وسمكِ نبذًا... وهنا سأجعله يرى بأمّ عينيه كيف أضع وسمًا آخر بدل وسْمِه».

«لن تسمني في مصعد خدمات». غير أن ذقني ارتفعت إلى الخلف أكثر في استسلام، وأنفاسي تسارعت وباتت ضحلة، وجسدي يحرر صكًا لا نية للساني في توقيعه.

لامست أسنانه جلدي؛ لم تجرحه، لكنها كفت لتهز جسدي بأكمله كأنني مسستُ سلكًا كهربائيًا حيًا، واستقرت يده الأخرى أسفل ظهري، ملصقةً إيّاي به حتى لم يعد بيننا متسعٌ من هواءٍ لجدال.

قال: «ليس الليلة. الليلة أريدكِ أن تشعري بالأمر فحسب... بما كان جلدكِ يتوسل لنيله منذ وطئتِ ذلك الطابق بطوقكِ الموْسومِ المُغلَق».

دفعته حينئذ بقوة، بكلتا يديّ، فأفسح لي وتراجع خطوة كاملة إلى الوراء، وهو يرمقني بنظرة مفعمة برضا يفوق بكثير ما ينبغي لرجل دُفع تواً بعيدًا.

قال: «أحسستِ بها». لم تكن نبرة تبجح، بل يقين تام.

«أحسستُ بوقاحتك لا أكثر».

«بل أحسستِ بنبضكِ يقفز تحت فمي، وأملتِ رأسكِ نحوي قبل أن تتداركي نفسكِ». مدّ يده متجاوزًا إياي وضغط زر فتح الطوارئ بقوة، فانتفضت المقصورة، وتحركت تصطك صاعدةً بدل أن تظل عالقة، والمعدن يئن كأنه يتألم. «لن نعود إلى ذلك الطابق، بل سنهبط لأسفل. ثمة قبوٌ في الطابق السفلي لا يدخله أحدٌ بعد منتصف الليل. ستجلسين قبالتي هناك، وتقولين لي إن كان لسانكِ لا يزال يرفض».

«وإن ظلّ يرفض؟».

«وقتها بصدّقك.» اهتزت الأبواب وانفرجت كاشفةً عن ممرٍّ أُضيء بلون الدم العتيق، فاندفعت نحونا رائحة الفولاذ والغبار حادّةً تكاد تجلو غشاوة رأسي. تكاد. «أول ما يخلّص جسدك من شرح ليش ماهو مصدّق.»

أمسك بمعصمي—دون هوادة هذه المرة، ودون استئذان—فأحسستُ بوقع أصابعه بدقة، وشعرتُ بالهيئة التي ستخلّفها بحلول الصباح؛ كدمةً تأخذ شكل قرارٍ لم أحسمه بعد.

«فيل، انتظر—»

لكنه لم ينتظر. سحبني إلى خارج المصعد قبل أن أحسم أمري إن كنتُ أتبعه طواعيةً أم أُجَرُّ رغماً عني، وانطبقت الأبواب خلفنا بصريرٍ أشبه بصدور حُكمٍ قاطع.