Chapter 4 · البقاء أو التراجع أرضاً

«عيديها.» كان فم فيل لا يزال ملتصقاً بعنقي حين انفرج بابا المصعد على طابق الخزائن المحصّنة. لم يرفع رأسه؛ بل دفعني إلى الوراء متوغلاً بي في العتمة، وإحدى يديه ما زالت مطبقة تحت فكي، والأخرى مبسوطة على فقرات ظهري كأنه يوجّه باباً لا يأمن أن ينغلق وحده.
«أعيد إيش؟» خرج صوتي متقطعاً، ولفحت البرودة كتفي العارية حيث كانت أسنانه قبل لحظات.
«إنكِ فضلة.» سرت أنفاسه فوق الموضع الذي لم يترك علامته عليه بعد. «جرّبي الحين. شوفي إذا كان لها طعم الحقيقة هنا تحت.»
عجزتُ عن النطق بها. وتلك كانت المعضلة؛ معضلتي الأزلية منذ اللحظة التي نطق فيها ريس بكلمة «فضلة» فوق منصة تضجّ بأناس قيدتُ بنفسي سجلات ولادتهم.
أنّ باب الخزانة خلفنا، ثقيلاً بطيئاً، من ذلك الفولاذ الأصم الذي لا يكترث بما يدور على أيٍّ من جانبيه. رمش ضوء حساسات الحركة ثم استقر على وهج كهرماني خافت، كاشفاً عن صفوف من صناديق السجلات وسرير مفرد بإطار فولاذي دُفع نحو الجدار؛ مجرد متكأ لراحة نوبات الحراسة الليلية، أبعد ما يكون عن الرومانسية، ولسبب ما جعل ذلك المشهدَ أشد وطأة.
اقتادني نحوه، فارتطمت ركبتاي بحافته وهويتُ جالسةً بقسوة تحت ضغط يده.
«فيل.» وضعت يدي على صدره، فلم يتزحزح قيد أنملة. «ما عاد هذا المصعد. ما يحق لك تـ...»
«يحق لي كل شي ما توقفيني عنه.» جثم أمامي، جاذباً سترتي عن كتفي، فتمزق القماش عند موضع الخياطة حين علق بالدبوس الذي ما زال يحمل شارة الكاتبة. طقطق المشبك المعدني الصغير وهو ينزلق على الأرضية الخرسانية؛ سمعتُه أكثر مما رأيته، لأن فمه عاد يلتهم ترقوتي ورأسي قد خدر تماماً وذهب عن وعيه.
قلتُ له: «هذي عهدة للنقابة،» وكان أغبى ما يمكن أن أتفوه به ويده تفك أزرار بلوزتي الأخيرة زراً تلو الآخر، على مهل، كأن الليل كله ملكه وكأنه على يقين بأنني لا أملك الجرأة لإيقافه.
«خلاص، قيّديها على حسابي.» سحب البلوزة عن ذراعيّ، فصفح الهواء البارد جلداً لم يمسّه نسيم منذ ساعة. «ما زلتي تهذين بالأوراق كأنها بتنقذك.»
«لازم أحد يهتم.» انكسر صوتي شطرين.
سكن لثانية واحدة، يرمقني فحسب؛ نظرة حقيقية ثاقبة، لم يُفلح الضوء الكهرماني في تلطيف الجوع المتّقد في ملامحه، ثم ما لبث أن جذب الحمالة الأخيرة إلى أسفل، فلم يعد بيننا وبين عراء الغرفة أي حائل. لا شيء إطلاقاً. أحسستُ بالأمر كأنه فضيحة، كأن كل ندبة وكل وسم على جسدي قد قُرئ جهراً على الملأ.
همس فيل عند أذني بنبرة خافتة تكاد تكون رقيقة، وذلك كان أشد ما فيها من قسوة: «يقدر ريس يجمّد ملف أخوك بكرة الصبح، بس ما يقدر يلمس عقد دراسته. أنا شريت هالعقد في سبتمبر.» عادت يده تلتف حول فكي، وإبهامه يرفع ذقني إلى أعلى حتى ما عاد لي مهرب سوى عينيه. «تدري وش يخليني هذا؟»
قلت: «قيد ثاني... بس أرتب شوي.»
«قولي فضلة مرة ثانية.» دفعني إلى الخلف على الفراش الرقيق، وثقله يهبط عليّ بتمهل وتعمد، جدار من الحرارة والعضلات يستقر تماماً فوقي بحيث يستحيل عليّ الفكاك منه. «قوليها وفمي عليك، وشوفي إذا باقية صدق.»
لم أعد أشم سوى رائحته؛ ذلك المزيج من ملح المرافئ وزيت المحركات الذي لا يمتّ بصلة لمكان يعبق بالورق القديم والفولاذ البارد. طغت رائحته على أرجاء المكان كأنه امتلك الهواء قبل أن يمتلك أي شيء آخر. كان جلدي مكسواً بآثار أصابعه التي خلّفها طوال رحلة المصعد، كدمات صغيرة متفتحة على طول ساعدي، شاهداً على أن تلك القبضة لم تكن وهماً.
قلت: «ما تقدر تمحي اللي سواه،» وكانت يداي تقبضان على قميصه، ولم أعد أدري أكنت أجذبه نحوي أم أحاول دفعه بعيداً، وهو كذلك لم يدرِ، إذ ضحك عند عنقي ضحكة مقتضبة مظلمة.
«ما راح أمحيه يا بعد عمري.» باعدت ركبته بين ساقيّ، بركود وأناة، كأنه يراجع السطر الأخير من عقد قبل أن يوقّعه. «أنا أعيد كتابة مين له حق يلمس الصفحة بعده.»
استقر جسده فوق جسدي، جلداً لجلد، لم يبقَ شيء يُنزع، ولا ساتر نلوذ به. أحسست به؛ حاراً، ثقيلاً، هناك تماماً، على بُعد كسر من البوصة من خط لم نتجاوزه بعد... فخرست في داخلي كل ذرة عقل.
همستُ: «فيل.» فخرجت الكلمة متهالكة محطمة.
«خمس ثوانٍ.» لم يتحرك، بل ثبت مكانه، جبهته تستند إلى جبهتي، وأنفاسه متلاحقة لاهثة، كأن هذا التريث يكلّفه الكثير. «ابقي تحتي. أو قومي الحين وارجعي بهالمصعد فوق وقولي للدور كله إنك تراجعتي. قولي لهم إنك مو بفضلة. قولي لهم إنك له.»
لم أتحرك.
قال ثانية بنبرة أخفض، وفمه يلامس شفتي، ملامسة حائرة لا ترقى لتكون قبلة ولا أستطيع تسميتها بأي شيء آخر: «قوليها. قولي لي وقّف.»
مرت الثواني هادرة، كدقات ساعة خفية تدق في سكون الخزانة الميت. واحدة. اثنتان. يداي ما زالتا قابضتين على قميصه، ووركاي لم يتراجعا، وفمي يأبى أن يطاوعني بالكلمة التي يريدها. ثلاث.
«جيا.» انكسر صوته وهو يلفظ اسمي، على مشارف فقدان ما تبقى له من اتزان: «قولي ابقَ، أو اطلعي تحت المطر عريانة.» زال آخر ساتر عن جلدي، واستقر نابه على عنقي. ضغط طرفه على المدخل وثبت، لم يلج بعد، في آخر نصف ثانية. لا رنين هاتف، ولا طارق يقرع. إما البقاء، وإما الرجوع عن كلمة «فضلة» أمام الدور بأكمله.