رجوع

أقسمت ألا أسلمها

0%

Chapter 1 · تنازلٌ بلا توقيع

أقسمت ألا أسلمها Chapter 1

كان المجلس يعبق برائحة العود والقهوة التي صُبّت قبل وصولي. كلاهما في هذا البيت يعنيان الأمر ذاته؛ كل شيء قد جُهّز وأُعِدّ، ولا شيء هنا يخصّني.

أحكمت إغلاق عباءتي عند نحري، وجلست حيث تُركت لي تلك الوسادة؛ المنخفضة القريبة من الباب، مجلس من يُراد تداول اسمه قبل أن يُعرض عليه مقعد.

كان نايف الشمري واقفاً في منتصف المجلس. لم ينطق بحرف، ولم يكن بحاجة إلى ذلك. نصف الرجال قد طأطأوا أبصارهم إلى فناجيلهم، والنصف الآخر أسكنوا عيونهم في السجاد. تلك هي الهيبة؛ بلا صخب، مجرد مجلس يوافقه الرأي قبل أن يفتح فاه.

نطق عمي باسمي مرة واحدة، ثم ألقى بالكلمة التي دخل بها: سلّموها. للطرف الذي سيتولى أمرها، لبيتٍ يبتلع حصصها وتوقيعها وصمتها، ويُطلق على النتيجة اسم الحماية.

وضعت الفنجان بيميني، مُرّاً كما هو، على طرف الصينية حيث تركت الدلة أثر حلقتها.

قلت: «لستُ محفظة استثمارية، ولا يمكنكم نقلي في جلسة واحدة.»

تحركت ساق مقعد، وزفر أحدهم من أنفه. وعلى الجانب الآخر من المجلس، أخذ مسنٌّ يُدير حبات مسبحته بسرعة أكبر، كأنما السرعة قادرة على حسم مسألة اسمٍ ومكانة.

أدار نايف رأسه ببطء؛ كرجلٍ يتردد بين أن يستاء لأنني تكلمت في مجلسه، أو يُسرّ لأنني فعلت ذلك دون أن أرتجف.

قال بصوت بارد كخزينة موصدة: «يا سيدتي، أقسمتُ ذات يوم ألا أحب.»

ترك كلماته تستقر في الصمت، ثم مالت يده إلى خاصرته، وتلمست أصابعه المسبحة؛ حبة، ثم التي تليها، وتوقف عن العد قبل الثالثة.

أدخلت يدي تحت العباءة، في الجيب الداخلي المسطح حيث كنت أحملها منذ الفجر، ووضعت الأوراق على الطاولة التي تتوسط المجلس.

ليس قرب الصدر، بل على الطاولة نفسها، في المنتصف، حيث أُزيحت صينية التمر لإفساح المجال للجدال.

قلت: «الصكوك باسمي؛ مسجلة ومختومة. والحصص التي بناها والدي مدوّنة في الصفحة الثالثة بالترتيب الذي تركه، ولم يتغير الترتيب لمجرد أن المجلس غير مرتاح له.»

توقف الشيخ ذو المسبحة عن تدوير حباتها، وكان ذلك أعلى صوتٍ تردد في الدقيقة التالية.

مال عمي إلى الأمام، ورأيت يده ذات الخاتم تنبسط على الطاولة بجانب أوراقي لا فوقها؛ فلن يمسها أمام الشهود، وكلانا يعلم ذلك. فبادرته بهدوء قبل أن يتكلم: «يا عمّي، أنت من علمني أن أقرأ العقد قبل أن أوقعه. اقرأ الصفحة الثالثة.»

قال: «لستُ بحاجة إلى قراءة صفحة لأعرف مآل امرأة تنفرد بشركة.»

«إذن قُل ما هو مآلها.» حافظت على ثبات نبرتي، وأردفت: «قلها في هذا المجلس، أمام هؤلاء الرجال، حتى تُقيّد وتُكتب، ولا تخرج من هنا مجرد شائعة.»

لم يقلها.

لم يتحرك نايف من مكانه في الوسط. لم يكن ينظر إلى الصكوك، بل كان ينظر إليّ، بنظرة خاصة لرجلٍ يعيد حساب ثمنٍ قيل له إنه ثابت لا يتغير.

قال أخيراً: «يا سيدتي، جاء عمكِ إلى هذا المجلس يطلب منا أن ننحاز إلى طرف.»

«أعلم ما جاء من أجله.»

«إذن أنتِ تعلمين ثمن الانحياز.» تناول الفنجان الذي قدمه له أحد الخدم بيمينه، ولم يشرب منه، وتابع: «نصف هؤلاء الرجال سيقفون مع اسمكِ، ونصفهم سيقفون مع رأي عمكِ. وكلا النصفين سيقولان لاحقاً إنهما فعلا ذلك لأجلكِ.»

«فضلتُ لو أنهم يقفون مع الصفحة.»

«الصفحة لا تصب القهوة.» وضع الفنجان، وأداره مرة واحدة على الصينية وتركه: «والصفحة لا تفتح لكِ باباً في الوزارة، بل أنا من يفعل، ورجال هذا المجلس يفعلون. تلك هي الصفقة التي ترفضينها، وترفضينها بأدب، وذلك أدهى وأمر؛ لأنهم سيضطرون للرد عليكِ بأدب، والرجال يمقتون ذلك أكثر من الغضب.»

ضحك أحدهم في أقصى المجلس في سره، لكن الضحكة ماتت سريعاً.

قال نايف: «خلاص»، دون أن يرفع صوته البتة، فسكن أقصى المجلس. لقد قطع الضحك، لكنه لم يقطع التساؤل.

عدتُ وجلست على الوسادة المنخفضة. كانت حركة صغيرة، لكنها أبلغت المجلس بعزمي على البقاء طوال النقاش الذي يدور حولي.

دارت القهوة من جديد، وتناولتها بيميني ولم أشربها أنا الأخرى. كانت حبات التمر تستقر على حافة الصحن، فتركتها. لم أستطع يوماً أن آكل في مكان يُقرَّر فيه مصيري.

قال عمي: «افهميني يا هيفاء.» لقد كفّ عن مناداتي بـ «يا سيدتي»، وتلك ترقية في المنزلة ونوع من التهديد في آن واحد. «هناك بيتٌ تقدم للطلب، بيت معتبر؛ سيضعون الحصص في صندوق ائتماني باسم رجل، وتظلين أنتِ محتفظة بالدخل، وتحفظ العائلة ماء وجهها.»

«وتوقيعي؟»

«يستريح.»

قلت: «توقيعي لا يستريح... بل يوقّع.»

عادت يد نايف إلى المسبحة عند خاصرته؛ حبة، فاثنتان، ثم أمسك قبل الثالثة، كشأن رجل يتوقف عن عدٍّ لا يريد لأحد أن يسمع منتهاه.

قال مخاطباً عمي لا أنا: «لا يوجد أي صندوق؛ لقد عرضت عليها غرفة بلا باب وسميتها بيتاً. جلستُ في هذا المجلس سنوات أطول من أن يُرمى إليّ مثل هذا ويُقال لي إنه عقد.»

التفت عمي قائلاً: «أتردّهم؟»

قال نايف: «الليلة، أنا لا أردّ أحداً. الليلة أنا أسمع.»

لكنه نظر إليّ وهو يقولها، ورأى المجلس نظرته، ولم يكن ذلك بالأمر الهين؛ كان ذلك رجلاً طُلب منه للتو أن ينحاز لطرف، فأبى، أمام أربعين شاهداً، أن يختار الطرف الذي يميل إليه المجلس.

أقبل الخادم بالمبخرة وأدارها أمامي، فجذبتُ الدخان بيدي نحو ياقة ثوبي كما علّمتني جدتي، وتركته يحجب وجهي للحظة.

وحين انقشع، كان عمي قد وقف.

قال: «الأوراق تبقى على الطاولة، ما أحد يوقّع الليلة. لكن الموضوع ما انتهى، ويوم ينتهي، بينتهي هنا».

خرج، وتبعه رجلان، بينما بقي معظمهم.

جمعتُ الصكوك بنفسي، وسوّيت أطرافها على الطاولة، ثم أعدتها إلى الجيب الداخلي، وعندها فقط سمحتُ لنفسي بأن أتنفس.

أما نايف فلم يبرح وسط الغرفة.

قلتُ بصوتٍ خافت: «ما قلت لهم وش أقسمت عليه».

«مو الليلة». نظر إلى الباب الذي خرج منه عمي، ثم نظر إليّ، دون أن تفصح ملامحه عن شيء يمكنني الاستناد إليه: «وإن شاء الله ما أضطر».

كانت تلك أبرد دعوةٍ تلقيتها في حياتي؛ فقد عنت أن الأمر قد حُسم، وأنني ما زلتُ أجهل في أي جانبٍ سأقف حين تُوصد الأبواب ذات المصراعين.