رجوع

أقسمت ألا أسلمها

0%

Chapter 2 · اعتلاء الصدر

أقسمت ألا أسلمها Chapter 2

لم تفرغ القاعة، بل أعادت ترتيب نفسها.

نصف الرجال الذين وقفوا حين بلغ عمّي الباب عادوا وجلسوا قبل أن تكتمل حركتهم؛ استقبلتهم المساند فرادى ومثنى، واستؤنفت الأحاديث بنبرة أخفض، تماماً كما يلتئم وجه الماء. أما النصف الآخر فظلّ واقفاً، والوقوف هنا اتخاذ موقف لا تمهيد لانصراف. لم ينظر أحد إلى الصكوك التي في جيبي، لكن الجميع كان قد أحصاها.

بقيتُ مكاني عند الطاولة المنخفضة، يداي مطويتان فوق كمّ العباءة، وألزمتُ نفسي بأن تتنفس بإيقاع المجلس لا بإيقاعي الخاص.

لم يتحرّك نايف من الوسط.

كان الرجل الوحيد الواقف في المساحة المفتوحة، ووقف بالطريقة التي يقف بها رجل قرّر سلفاً أين سيجلس، تاركاً للغرفة متسعاً لتستوعب ما حدث. ثم خطا.

ليس نحو الباب، ولا خلف الرجال الذين غادروا مع عمّي.

مشى بطول المجلس نحو الصدر؛ تلك المساند الرئيسة تحت النافذة العالية، التي ظلّت شاغرة طوال الأمسية بينما انشغل الحضور بالجدال حول من يملك القدر ليجلس فيها... ثم جلس.

لم ينقطع الحديث، بل خفت بتلك الطريقة التي تخفت بها الأصوات حين يُجري كل رجل في المجلس الحسبة ذاتها في اللحظة عينها. فالصدر ليس مجرد مقعد، بل هو الموضع الذي يوجّه أنظار القاعة لتعرف ما يراه أهل البيت. طوال 3 ساعات ظلّ فارغاً، وكان فراغه هو بيت القصيد. والآن بات فيه رجل، رجل أقسم عند هذه الطاولة بشيء لم يسمعه يُقال جهراً سواي.

«ما شاء الله»، فكّرتُ دون أن أنطق بها. ليدركوا بأنفسهم أيّ رجل هو.

أقبل المقهوي من اليسار رافعاً الدلّة بيده، وأدّى واجبه على الأصول؛ صبّ من علوّ لتنكسر القهوة وتتنفس، ولم يملأ الفنجان إلا لدون النصف، وقدّمه باليمين ومعه التمر عند حافته.

وضع نايف يده فوق الفنجان.

بسط كفّه إلى أسفل، وأصابعه مضمومة. لم تكن إشارة ولا رفضاً مشفوعاً بكلام. توقف الصبّ وبقي الفنجان الصغير مكانه، والمقهوي الذي صبّ القهوة في هذا المجلس لسنوات أطول من تلك التي سُمح لي بالجلوس فيها لم يسأل ثانيةً. استقام وحمل الدلّة إلى الرجل الجالس عن يمين نايف، فتمتم ذلك الرجل وهو يأخذ فنجانه: «يعطيك العافية».

«يا سيّدتي»، قالها صوت خلفي، يريد مني تفسيراً لما جرى.

لم ألتفت.

ردّ الفنجان الأول في صدر المجلس ليس بقلّة ذوق؛ فقلة الذوق بضاعة رخيصة، ولم يكن هو بالرجل الذي يرضى بالرخيص. ردّه كي لا يستطيع أي رجل في هذه القاعة أن يدّعي لاحقاً أنه شرب معهم ثم قضى ضدهم. الفنجان الذي أبى أن يتناوله كان سلام المجلس، وسلام المجلس كان يعني تسليمي. لقد ألقى بثقله في الكفّة الأخرى من الميزان، ووضعه في موضع يرى فيه الجميع أثره الغائر.

«هيفاء».

نطق باسمي أمام المجلس بأسره. لم يقل «يا سيدتي»، ولم يلزم المسافة المهذبة التي كان المجلس يتوقعها منه.

رفعتُ رأسي.

قال: «ما زلتِ ممسكةً بالطاولة».

«بل أنا ممسكة بالصكوك». تركتُ صوتي يمتد ليصل تماماً إلى الصف الأول من المساند. «وهناك فرق، وللمجلس أن يتعلّمه إن شاء».

ضحك رجل قرب القوس ضحكة خاطفة، ثم استدرك الأمر وسكت.

تناول نايف الفنجان الثاني حين دارت الدلّة من جديد؛ تناوله بيمينه، وشرب، ثم وضع الفنجان على الطاولة بيننا بدلاً من أن يعيده. فإعادة الفنجان تعني طلب المزيد، أما وضعه فيعني أن الفنجان يظل في متناول يده، ومثله الحديث تماماً.

قال: «بإمكانكِ الجلوس».

«أعلم ما يعنيه الجلوس هناك».

«إذاً تعلمين ما يعنيه الوقوف».

كان رده بارداً. كان يخبئ غضبه في مكان لا أراه، بالطريقة التي يحفظ بها بعض الرجال شيئاً في دُرج مقفل ولا يفتحونه إلا ليروك المفتاح. طوال 4 سنوات وهذا المجلس ينعتني بالعسيرة، لكن لم يقلها لي قط رجل غرس نفسه لتوّه في الصدر وردّ قهوة أهل البيت.

قلتُ: «المجلس يبحث عن طرف، وقد منحته إياه. وسيقضون بقية ليلتهم يقلبون الأمر ليروا إن كان ذلك يروقهم».

«إن شاء الله».

قالها بنبرة خالية من أي حرارة، وكل ما فيها موصد كالباب. كانت تعني أن الأمر قد حُسم بالفعل، وأن الجدال ليس إلا شكليات لم يُخطر بها الحضور بعد. كانت تعني أنني أقف في مجلسي ممسكة بأربعة صكوك في وجه رجل قرر سلفاً كيف ستنتهي الأمسية، بينما أجهل أنا تلك النهاية.

على بعد مسندين، تنحنح مسنّ ولاحظ، دون أن يوجّه كلامه لأحد، أن القهوة قد بردت. فدارت الدلّة مجدداً، وتنفّس المجلس الصعداء؛ فالقاعة تتشبث بأي ذريعة لتتظاهر بأن سطح الماء قد التأم فوق كل ما غاص فيه لتوّه.

جلستُ.

لا في الصدر، بل عند الطاولة المنخفضة، حيث كانت الأوراق، والجيب الداخلي مستوٍ على ضلوعي، ويداي مطويتان وظهري مستقيم، وتركتهم يرونني أفعل ذلك. ليفسروه على أنه تراجع إن كانوا حمقى؛ فهذه الطاولة هي موضع الجدال، وعندها سينتهي.

نظر نايف إليّ من فوق حافة فنجانه، وتحرك في طرف فمه شيء لم يكن ابتسامة، ولم يكن المقصود منه أن يُحسب ابتسامة.

قال: «هكذا أفضل».

قلتُ بلطف: «إياك أن تسوسني في بيتي».

«كلا». وضع الفنجان وأداره ببطء، بإبهامه وسبابته عند الحافة، حتى استدار الجانب الخالي من النقش نحوي. «سأسوس المجلس، واحتفظي أنتِ بالصكوك».

أعقب ذلك مجيء البخور؛ حُملت المبخرة من أقصى المجلس، وأخذ الرجال يجتذبون الدخان بأكفّهم نحو ياقاتهم، دون أن ينطق أحدهم بكلمة تستحق الاستماع إليها. ظلّت عيناي معلقتين بالطاولة، وأنا أُحصي الطرق التي يمكن لمجلسٍ أن يُصوّت بها دون أن ترتفع يدٌ واحدة.

وعلى امتداد الوسائد، ظلّ صدر المجلس مشغولًا، ولم يلتفت الرجل الجالس فيه نحوي مجددًا طوال ما تبقّى من تلك الليلة. كان ذلك بحدّ ذاته إعلانًا صريحًا، وسمعه كل رجلٍ في المجلس.