رجوع

أقسمت ألا أسلمها

0%

Chapter 4 · الحد الفاصل

أقسمت ألا أسلمها Chapter 4

هبّت الشمال قبل الفجر، وما إن حلّت التاسعة حتى كان البيت قد أحكم إغلاق نفسه. أُنزلت المصاريع، واستحال زجاج النوافذ الشمالية إلى لون الشاي الخفيف، وأُوصدت أبواب الفناء كي لا يجد الغبار سبيله إلى المفصلات. بيوت الرياض تفعل ذلك دون أن يُطلب منها؛ هكذا دأب هذا البيت منذ زمن طويل قبل أن تملكه عائلتي، ولم يكن ليستشيرني أنا أيضاً.

وصل الأستاذ زيد في العاشرة متأبطاً أسطوانة من الورق المقوى، وعلى وجهه ملامح رجل تدرّب على اعتذار في سيارته ثم ضاع منه عند البوابة.

بسط اثنان من رجال البيت مخطط المساحة فوق الطاولة المنخفضة. كانت الورقة أطول من سطح الخشب فالتفّ طرفاها، بينما تسلل الغبار الخفيف من الخارج إلى الغرفة على أية حال، مستقراً فوق الحبر ونحن ننظر، حتى بدا خط الحد الشمالي أقدم من المخطط الذي رُسم عليه.

قال الأستاذ: «هكتار وأربعة أعشار. هذا الشريط الفاصل بين سوركم وسورهم، وهو ما يمر به خط المياه الرئيسي والمنفذ الوحيد المسموح به للطريق. وبدونه، تُفضي البوابة الشمالية إلى فراغ لا تجيز البلدية لأحد البناء عليه يا سيدتي. أما بوجوده، فيلتئم الصدع، ويصبح العقاران قطعة أرض واحدة، والقطعة الواحدة لا تحمل في صكها إلا اسماً واحداً».

قلتُ وأنا أُسوّي كمّ عبايتي على حافة خشب الماهوجني: «اسم مَن؟».

لم يجب على ذلك، بل همّ بطي المخطط ثانية، لكنني وضعت إصبعين على طرف الورقة، فتوقف تاركاً إياها مبسوطة.

القهوة أولاً؛ تلك سنة هذا المجلس، ولم أكن لأخرمها من أجل مخطط عقاري. كانت الدلة لا تزال ساخنة، فصببتُ له على الأصول مباعدةً اليد من علٍ، وعبير الهيل يتصاعد مع البخار، دون أن يتجاوز صبي نصف الفنجان. تناوله بيمينه ولم ينبس ببنت شفة، وذلك وحده الرد الصائب.

كان شقيق والدي، عمي سلطان، يجلس في موضعه المعتاد بمحاذاة الجدار الشرقي. حضر باكراً على غير عادته، ولم يلقِ على خط الحدود نظرة واحدة، فعلمتُ أنه قرأ كل سطر فيه في مكان آخر. كان ممسكاً بفنجانه دون أن يشرب. وإلى جواره جلس رجلان من كبار موظفي مكتب العائلة، يجاورهما موظف من كتابة العدل واضعاً حقيبة جلدية فوق ركبتيه. أما السائق فكان قد صُرف إلى الخارج بعبارة «يعطيك العافية» المهذبة، إذ ثمة مجالس لا ينتظر السائق فيها.

وجاء نايف الشمري آخراً.

دخل من وراء الغبار الكثيف وصوف بشته الأسود يحمل أثر الريح العاتية عند الكتفين. لم يقصد أطراف الغرفة ليجلس كضيف، بل وقف في منتصف المجلس تماماً صامتاً، فطأطأ الحضور رؤوسهم. ليس هذا بالشيء الذي يفرضه رجل عادي على جمع من الناس؛ بل غريزة تذعن لها القلوب من تلقاء نفسها، وقد تم ذلك حتى قبل أن يعدّل عقاله.

ثم وضع ثلاث أوراق ثقيلة على الطاولة، فوق خط الحد الشمالي مباشرة، فتوارت الحدود المتنازع عليها تحت الورق وتلاشت.

عرفتُ الورق قبل أن يقع بصري على خطه؛ عرفته من ختم شمع العائلة، ومن الثنية التي تقطع وسطه حيث استقر في جيب الصدر قبل توقيعه، ومن الهوامش العريضة في أسفله حيث كان والدي المرحوم يدع دائماً متسعاً لتعديل شروطه، دون أن يفعل ذلك قط.

سحبتُ الأوراق نحوي، ولم يتحرك أحد ليعينني.

كان التاريخ يعود إلى ثماني سنوات خلت. كنتُ في الثانية والعشرين حين كان الحبر لا يزال رطباً، جالسة على هذا الكرسي بالذات، ولم يخطر ببال أحد من الكبار أن يوضح لي سطراً واحداً؛ ظننتُ حينها أن صمت المجلس يعني أن الخلاف قد طُوي بشرف وكرامة. أما الآن وقد بلغت الثلاثين، فإن الصمت المخيّم على الغرفة كان من صنف آخر تماماً.

همس الأستاذ: «البند الرابع».

«سأقرؤه بنفسي».

أسند الأستاذ ظهره إلى الوراء.

قرأته مرتين. مرة لثقله القانوني الصريح، وأخرى لما بين السطور والكلمات؛ إذ إن لكل عهد حياتين، وحياته الثانية تختبئ دوماً في تلك المساحات.

*لا يصح أي نقل للملكية، أو تأجير، أو رهن، أو صك قسمة على القطعة الشمالية دون موافقة شخصية مسبقة من كبير آل الشمري.*

بسطتُ الورقة وقلت: «لقد جعل والدي لبيتكم قفلاً على بوابتي».

أجاب الأستاذ على عجل: «بل رَهَنَه كضمانة؛ في سنة عجفاء لم يكن أي بنك في المنطقة ليقبل فيها ورقة دون كفالة قبلية. ولم يُقيَّد قط في صك الملكية، ولم يُحتجّ به مرة واحدة طوال ثماني سنوات».

«وهذا الصباح ها هو ممدود على طاولتي».

أقر الأستاذ قائلاً: «هو على طاولتكِ لأن تصويت العائلة منعقد غداً، ولا يستطيع المجلس المضي قدماً دون إثبات هذا العهد رسمياً في السجل. كان ينبغي قيده منذ سنوات، وهذا تقصير أتحمله أنا يا سيدتي».

قال عمي سلطان من موقعه بجانب الجدار، وعيناه مثبتتان على نقوش السجاد: «يا هيفاء، دعي كاتب العدل يثبته وننهي الأمر».

قال نايف: «بل سيدتي».

شق هذا التصحيح المفرد سكون الهواء، خفيضاً وحاسماً. اشتد فكا عمي وانطبقت شفتاه، بينما رفع كاتب العدل بصره عن حقيبته لأول مرة منذ الفجر.

قال نايف بصوت رصين بارد: «في هذا المجلس تُخاطَب بـ "سيدتي". ولك أن تناديها بأسماء الطفولة في ممرات المطابخ، إن هي أذنت لك».

لم ألتفت إليه لأشكره؛ فحين يذود خصمك عن هيبتك أمام لحمك ودمك، فإنه لم يفعل سوى أقل الواجبات التي تقتضيها مروءة الكبار، وفعل ذلك أمام الشهود ليس هبة ولا منّة؛ بل دفتر دَين فُتح على الملأ. وتلك حقيقة بتّ أعلمها مذ جلستُ في هذا الموضع.

«اقرأ الشرط الأخير»، قلتُ للأستاذ.

«لقد لخّصتُ البنود يا سيدتي—»

«اقرأ السطر الأخير جهراً»، كرّرتُ كلامي، «حتى يدوّنه كاتب العدل بصوتٍ لا يقبل الجدال لاحقاً.»

لمس الأستاذ الحافة الهشّة للورقة الثالثة، وتحدّث بالنبرة الرتيبة الجافة التي يعتمدها الرجال حين يقرؤون كلماتٍ ودّوا لو بقيت دفينة.

«يجب أن يصدر هذا القبول من عميد آل الشمري شخصياً، منطوقاً جهراً في المجلس الذي يُدعى فيه للتصويت، قبل الشروع في أي اقتراع، ومُثبتاً في السجل المركزي بخط يده.»

عاد السكون ليخيّم على أرجاء المكان. كان غبارٌ ناعم ينساب عبر الضوء الشاحب المتسلل من المناور العلوية، ليستقرّ على الهامش النظيف.

«يجب أن يُنطق به جهراً»، قلتُ ناظرةً عبر الطاولة المنخفضة، «منك أنت. في هذا المجلس. قبل أن ترتفع يدٌ واحدة تأييداً لقسمة عمّي.»

«هذا هو البند»، همس الأستاذ.

«ليس عبر وكيل شرعي، ولا بإفادة مسجّلة لدى المحكمة. بل هنا، بشخصك.»

«نعم يا سيدتي.»

رفعتُ عينيّ إلى نايف. لم يكن قد جلس؛ رفض متكأ الضيوف، وظلّ واقفاً في وسط مجلس والدي وفي يديه التزامٌ قديم جعله الحكَم الوحيد في تركتي.

«إذن جئتَ لتملي ثمنك»، قلتُ ببرود، «كان بإمكان ساعٍ أن ينقل هذا الرقّ عبر أطراف المدينة. لكنك قطعتَ العاصفة الرملية بنفسك، ودخلتَ دون إذنٍ ولا موعد، وأقحمتَ نفسك في قلب خلافنا. ليس هذا صنيع جارٍ ودود؛ بل دائنٍ يتربّص ليستولي. سمِّ ما ينتظره بيتك لقاء الشريط الشمالي يا أستاذ، وسأحسب ما إن كانت خزينتي تطيقه.»

«لم أحدّد ثمناً»، قال نايف.

«الرجال الذين يزعمون أنهم لم يحسبوا شروطهم، يكونون قد حسموها بالفعل»، رددتُ عليه ويداي مطويتان بوقار فوق الحرير الداكن على حجري، «وعادةً ما يحسمونها قبل أن تفارق سياراتهم فناء بيوتهم.»

خفض نايف بصره إلى المخطط، واستقرّت عيناه على الخط الأسود الذي يشطر أملاك والدي.

«احتفظي بالصكّ»، قال.

«هو لبيتكم.»

«يحمل توقيع والدك»، أجاب، غير مكترثٍ بالمرّة بالنظرات المتبادلة بمحاذاة الجدار الشرقي، «وهو أنفع لكِ في يدكِ منه في أرشيف بالدرعية. ولستُ ملزماً بتبرير ذلك أمام هذا المجلس.»

«هذه الورقة لا تمنحك الحق في التحكّم بما تحويه جدراني»، قلتُ.

«لا»، قال نايف بنبرة متزنة، «إنها تدوّن فقط ما يكلّفكِ إياه استقلالكِ حين يدعو المجلس للتصويت. وعليكِ أن تزني ذلك جيداً قبل الغد.»

رفع يده، وعدّل طرف غترته: «خلاص.»

شرع الأستاذ على الفور في طيّ المخطط داخل جرابه، كأنّ أمر الانصراف كان موجّهاً إليه، ولعلّه كان كذلك حقاً.

وعند العتبة المقوّسة للمجلس، توقّف نايف دون أن يلتفت نحو الغرفة.

«يا سيدتي»، قال، وصوته ينساب بسلاسة عبر البهو الساكن، «العهد قد كُتِب. وأيّاً كان ما يبيّته عمّكِ لاقتراع الغد، فإن هذا الشرط يظلّ قاطعاً.»

«فليبقَ إذن»، أجبتُ، «إن شاء الله.»

خطا مجتازاً أبواب خشب الأرز الثقيلة، فردّها خادم البيت ليحكم إغلاقها في وجه الريح العاصفة.

ظلّت ريح الشمال تضرب أطراف السطح حتى منتصف الظهيرة. وحين انصرف كاتب العدل والأعيان من القاعة، لبثتُ مكاني على الكرسي العالي في صدر مجلسي، والأوراق المصفرّة الثلاث منبسطة أمامي، والغبار يتراكم في صمت على حافة الصينية الفضية. تناولتُ الفنجان نصف الفارغ، وقلبتُ قاعه غير المصقول نحو المساند الخالية، وتركتُه هناك.