رجوع

مرفوضةٌ تحت إمرته

0%

Chapter 1 · تحت سطوة القيادة

«انزعي الشريط يا سيرا.»

أطبقت يد كول على الشريط الأزرق الملتف حول عنقي قبل أن أتمكن من التراجع خطوة إلى الوراء.

انفرطت العقدة بصوت خاطف.

مرفوضةٌ تحت إمرته Chapter 1

حزّ الشريط جلدي وهو ينتزعه بعنف، ثم رفعه بين إصبعين على مرأى من العشيرة كلها. ساد القاعة صمت مطبق وسريع، حتى إنني سمعت طقطقة الجمر في الموقد خلفي.

قلتُ له: «كول... لا تفعل.»

التوى فمه بابتسامة متهكمة: «لا أفعل ماذا؟ ألا أقول لهم الحقيقة؟»

ضاق طوق العشيرة من حولنا؛ ذئاب يرتدون بزات سوداء، وعجائز يغطين أفواههن ذهولاً، بينما جلس أعضاء مجلسه يراقبون المشهد كأنهم دفعوا ثمن المقاعد الأمامية في مسرح.

رفعت ذقني متماسكة وقلت: «قلتَ إن الأمر سيبقى بيننا.»

«هذا كان قبل أن تكذبي عليّ.»

انعقدت معدتي رعباً.

اقترب خطوة، حتى كادت أنفاسه تلامس وجنتي: «ارتديتِ شريط رفيقتي لستة أشهر كاملة. وقفتِ بجانبي وأنا أقطع الوعود للقطعان الأخرى، وتركتِ الجميع يعتقدون أنكِ مخلصة لي.»

«كنتُ مخلصة لك.»

«كنتِ مفيدة فحسب، وبينهما فارق شاسع.»

وقعت كلماته عليّ أشد وطأة من الصفعة التي هوى بها على وجهي قبل ليلتين.

أشحت بنظري عنه نحو طاولة المجلس وهتفت: «اسألوه لمَ انتظر حتى وصلت عروسه السياسية ليقرر أنني خائنة؟»

التفتت بعض الرؤوس نحوه.

أطبقت أصابع كول على فكي، وضغط بقوة حتى اصطكت أسناني: «احذري يا بنت، لم تعد لكِ رتبة هنا.»

«ولن تبقى لك رتبة أنت أيضاً إذا علموا ما فعلته بـ...»

غرس إبهامه في الكدمة الكامنة تحت أذني وقال فحيحاً: «انطقي باسمها، وسأجعلكِ تُجرّين إلى الخارج قبل أن تكملي جملتك.»

ها هو التهديد الحقيقي إذن.

ليس نفيي، ولا تمزيق الشريط.

بل ذلك السر الذي خبأته خلف خط الأشجار الشرقي... تلك الروح الصغيرة التي تتوقف حياتها برمتها على بقاء فمي مغلقاً.

ابتلعت بقية كلامي.

ابتسم كول حين رأى سكوتي؛ راقه الأمر، فلطالما أعجبه ذلك.

التفت إلى العشيرة وأعلن بصوت جهوري: «أنا، بالسلطة الممنوحة لي كـ"ألفا"، أرفضكِ يا سيرا فون رفيقةً لي، وأطردكِ من "بلاك هولو". لا حق لكِ بعد اليوم في بيتي، ولا حمايتي، ولا اسمي.»

همس أحدهم: «مرفوضة!»

وسرت الكلمة في أرجاء القاعة كالنار في الهشيم.

هاجت ذئبتي داخل صدري وضربت أضلاعي، ومزق الألم حنجرتي حتى غدا لكل نَفَس أتنسمه طعم المعدن.

رفع كول الشريط الأزرق إلى أنفه مستنشقاً، ثم ألقاه ببرود في النار.

راقبت القماش وهو يتلوى متفحماً بين الحطب.

قلت له: «لن تستطيع محوي هكذا.»

«بل محوتكِ للتو.»

«رفضتني لأن عروسك أرادت ماضياً نظيفاً لا تشوبه شائبة.»

قست عيناه كالحجر: «رفضتكِ لأنكِ كاذبة، ولصة، ومنشقة تحمل سراً ليس من حقها.»

شهقت العشيرة بأسرها.

وجمدت يداي برداً.

دنا كول مني حتى لم يعد يسمعه سواي، وهمس: «اهربي الآن يا سيرا، فلو عثر صائدو أثري على ما تخبئينه، فلن يعودوا به حياً.»

سددت ركبتي بكل ما أوتيت من قوة إلى فخذه.

تأوه ألماً وتراخت قبضته، فدفعته بقوة جعلت كتفه يرتطم بالعمود الحجري خلفه.

قلت له: «المسني مرة ثانية، وسآخذ منك ما هو أثمن من كبريائك.»

لم تدم صدمته سوى نصف ثانية، قبل أن ينقلب وجهه إلى جمود تام.

وصاح: «أخرجوها من هنا!»

تحرك حارسان نحوي.

ركلت ركبة أقربهما، وانحنيت مارةً من تحت ذراع الثاني، ثم انطلقت هاربة عبر الباب الجانبي وصوت كول يجلجل ورائي: «سيرا!»

لم أتوقف.

ليس خوفاً من أن يمسك بي كول،

بل لأن أمامي أقل من ساعة قبل أن يبدأ رجاله تمشيط الغابة.

زحفت تحت سقيفة المؤن القديمة، وانتزعت أوراق المجندة الميتة من الجدار الطيني المتماسك. كان الاسم المكتوب على البطاقة: مارا فيل. 26 عاماً. الفيلق الطبي الحدودي. لا عائلة مدونة، ولا قطيع حي تنتمي إليه.

كانت مارا الحقيقية قد وُجدت جثة هامدة قرب الطريق الجنوبي قبل ثلاثة أيام.

كرهت فكرة انتحال اسم امرأة ميتة.

لكنني كرهت البديل الآخر أضعاف ذلك.

ارتجفت أصابعي وأنا أبدل ثيابي. تدلى معطف المجندة فضفاضاً فوق كتفيّ، وفاحت من الدرع الجلدي رائحة عرق قديم ودماء. شددت الجراب الصغير بإحكام على أضلاعي، ثم لطخت حوافه بالرماد وصمغ الصنوبر لطمس أي رائحة.

تململ الجرو الصغير.

همست برجاء: «لا... ليس الآن يا صغيري. تكفى، اهدأ ولا تُصدر صوتاً.»

ارتفع أنين خافت ملاصقاً لخاصرتي.

تجمدت في مكاني.

«أعلم، أعلم أنك جائع... لكن لا بد أن نتحرك.»

فتحت الجراب بمقدار ضئيل سمح لي بدس إصبعين في داخله، فلامس جلدي فراء دافئ، وأطبق فمه الصغير على مفصل إصبعي.

همست بصوت مخنوق: «لا تبكِ... أمك هنا معك.»

كادت الكلمة أن تكسر ما تبقى من قلبي.

أغلقت الجراب وأحكمت وثاقه، ثم دسست أوراق مارا فيل في معطفي وتوجهت نحو طابور التجنيد في "أيرون فانغ".

كان معسكر أيرون فانغ الحربي يقبل أي شخص بوسعه حمل نصل، أو حمل حقيبة عسكرية، أو الكذب بإتقان حول قدرته على الأمرين معاً.

وأنا كنت أجيد الثلاثة جميعاً.

وقف نحو اثني عشر مجنداً في الوحل خارج البوابة الخارجية. كان معظمهم رجالاً عريضي المناكب من قطعان الشمال، بينما وقفت بضع نساء قرب المؤخرة في صمت مشوب بالتوتر.

مد حارس يده بفظاظة: «الاسم؟»

ناولته الأوراق: «مارا فيل.»

نظر إلى البطاقة، ثم رمقني بنظرة فاحصة: «الفيلق الطبي؟»

«نُقلتُ إلى القتال الميداني على الجبهة.»

«بأمر من؟»

«الكابتن راسك.»

قطب الحارس حاجبيه: «الكابتن راسك مات الشتاء الماضي!»

«إذن، أظنه لن يخرج من قبره ليكذّبك.»

أطلق المجند الواقف بجواري ضحكة ساخرة من أنفه.

ضاقت عينا الحارس وقال بنبرة تهديد: «طول لسانك هذا بيدفنكِ هنا.»

«إذن كفّ عن طرح أسئلة غبية.»

امتدت يده بحدة نحو ياقتي.

شق فناء المكان صوت حاسم: «اتركها.»

التفت كل مجند في الباحة.

لم يكن الرجل المتقدم نحونا يرتدي أي درع استعراضي؛ بل مجرد معطف أسود، وقفازات سوداء، وخنجر طويل مشدود تحت ذراعه اليسرى. كان شعره داكناً، وملامح وجهه الصارمة بدت وكأنها قُدّت من بوابات الحديد القائمة خلفه.

الألفا راين كارتر.

قائد أيرون فانغ.

انتصب الحارس في وقفته بسرعة جعلت حذاءه ينزلق في الوحل، وهتف بارتباك: «طال عمرك، سيدي القائد!»

لم ينظر راين إليه مطلقاً، بل بقيت عيناه مثبتتين عليّ.

ليس على أوراقي...

بل عليّ أنا.

سكنت ذئبتي في داخلي فجأة.

ثم همست بكلمة واحدة تردد صداها في جمجمتي:

«الرفيق».

لا. مستحيل.

ضغطت براحتي على ضلوعي، أداري الجراب المخبأ.

توقف راين على بعد ثلاث خطوات مني. شعرت بلفحة حرارته تخترق برودة الوحل وسماكة الجلد. انحدرت نظرته نحو يدي، واستقرت هناك برهة، ثم عادت لترتفع إلى وجهي.

سألني بنبرة هادئة: «وش اللي حاملته؟»

«مزاج عكِر.»

تصلب فكه وأردف: «ما سألتك وش مسميته.»

«أجل اسأل سؤالاً أفضل.»

خطا الحارس خطوة نحوي، لكن راين رفع إصبعاً واحداً، فتسمر الرجل مكانه فوراً.

تلك الحركة البسيطة كانت كافية لتخبرني بكل شيء؛ راين لا يحتاج إلى رفع صوته أبداً، فالجميع هنا يتحركون بأمر رمشة من عينيه.

مد يده وقال: «الأوراق.»

أعدتها إليه.

قرأ البطاقة دون أن يطرف له جفن: «مارا فيل.»

«هذا المكتوب عندك.»

«ما يبين عليكِ إنكِ مسعفة.»

«ولا أنت شكلك قائد.»

حبس بعض المجندين أنفاسهم من جرأتي.

طوى راين الأوراق طية واحدة وقال: «وهذا المفروض يكون إهانة يعني؟»

«مجرد ملاحظة. شكلك مثل الرجل اللي يدفن القادة، مو يقودهم.»

توقدت عيناه بحدة: «وأنتِ شكلك وحدة ما عاد لقت أرض تنحاش لها وتختبي فيها.»

أطبقت أصابعي بقوة أكبر حول الجراب المدسوس تحت معطفي.

ولاحظ ذلك.

بالتأكيد لاحظه، فما يفوته شيء.

ناول راين الأوراق للحارس وهو يقول: «مارا فيل ماتت قبل ثلاثة أيام، على الطريق الجنوبي... مكسورة الرقبة.»

شعرت وكأن ساحة المعسكر تميد من تحت حذائي.

التفت الحارس نحوي وسأله: «طال عمرك، تبيني أطلب—»

«مو الحين.»

اقترب راين خطوة إضافية. لامس كتفه كتفي بخفة بالغة، لكن ذئبتي انتفضت في داخلي تضغط على جلدي بقوة. عبقت رئتاي برائحته؛ مزيج من خشب الأرز، والجلد، وحرارة جسد نقية.

دفعته عني وابتعدت خطوة: «دامك تدري إنها ميتة، وراك ما قبضت علي؟»

«لأني أبي أسمع اسمك من لسانك أنتِ.»

«هو عندك أصلاً.»

«لا. اللي عندي أوراق حرمة ميتة، وحرمة حية تداري بطنها وتحميه.»

تسارعت دقات قلبي واضطرب نبضي.

انحدرت نظرات راين مجدداً، وهذه المرة استقرت على الجراب المخبأ تحت معطفي.

تراجعت بظهري نحو البوابة وقلت بصرامة: «ابعد عن دربي.»

«وين ناوية تروحين؟»

«لمعسكرك.»

«بأوراق مسروقة؟»

«أنت بنفسك قلت إنك محتاج مجندين.»

«محتاج جنود، مو فارات هاربات يجرون وراهم أسراراً من بلاك هولو.»

انزلقت يدي بهدوء نحو الخنجر المثبت في حزامي: «أجل لا تجندني.»

وقبل أن أتمكن من استلال نصله، أطبق راين على معصمي.

ضغط قفازه على موضع نبضي، وسرت حرارته عبر الجلد. ظل وجهه جامداً هادئاً، لكن قبضته اشتدت حين ثارت ذئبتي واندفعت بكليتها نحوه.

قال بصوت خفيض: «هذا خيارك قدامك: علميني من أنتِ، وأنا أقرر وقتها إذا بتدخلين أيرون فانغ حية... أو ارجعي واطلعي من هذيك البوابة، وصيادو كول يحترونك برا.»

شخصت بصري إلى يده المطبقة على يدي.

ومن خلفه، انفتحت البوابة الخارجية بصرير موحش.

كان هناك صف من الفرسان المتشحين بالسواد ينتظرون خلفها.

لوى راين معصمي برفق، فتكشفت العلامة الزرقاء الباهتة التي حفرها رفض كول على جلدي بالنار. تسمرت عيناه عليها، ثم ارتفعت لتلتقي بعيني من جديد.

قال: «هالعلامة خاصة بألفا... أجل ليه ذئبي معيي إلا يناديكِ—»

وامتدت يده الطليقة نحو الجراب المخبأ تحت معطفي.