Chapter 2 · ملامح جفا وخيبةٍ تعدّي

«لا تبدين ودودة. وكلنا نتجاوز خيبات الأمل.»
تبادل بضعة مجندين النظرات بيني وبين راين.
طويتُ أوراق التجنيد في كفي: «دايم تستقبل المجندين الجدد بالإهانة؟»
«فقط اللي يحملون اسم حرمة ثانية.»
تصلّب الحارس الواقف إلى جواره: «طال عمرك؟»
لم يُشح راين بنظره عني: «نُبذت هذا الصباح.»
تعثّر نبضي.
كان وسم الرفض لا يزال يلذع كالنار تحت ياقتي. شددتُ القماش إلى أعلى: «صرت تتشمم خصوصيات كل مجند هالحين؟»
«فقط حين تفضح نفسها. حرقة الرفض تظل تفور في الجلد لساعات.»
«مبروك، طلع خشمك شغال.»
تدرّجت نظرته على درعي حتى استقرت عند ضلوعي.
تحرك الجرو الصغير داخل الجراب الخفي.
حبستُ أنفاسي وحاولت الالتفاف من حوله: «جاية أتجنّد. وسّع لي الدرب.»
أطبق راين على معصمي.
سرت حرارة مباغتة في ذراعي. لم تكن قبضته مؤلمة، لكنها أوضحت أمراً واحداً: يمكنه أن يجعلها مؤلمة متى ما أراد.
هاجت ذئبتي في داخلي، غاضبة وجائعة.
حاولتُ انتزاع يدي بقوة: «فك يدي.»
دنا مني أكثر، حتى لامست أنفاسه وجنتي: «تفوح منك ريحة شريكة منبوذة.»
«وأنت تفوح منك ريحة واحد يعجبه يسمع صوت نفسه.»
«وش اسمك الصدقي؟»
«مارا فيل.»
«لا.»
«أجل وفّر على نفسك أسئلة أنت عارف جوابها.»
اتسع منخراه غضباً: «من اللي أرسلك هنا؟»
«أمك. قالت إنك محتاج هواية تشغلك.»
كتم بضعة مجندين ضحكاتهم.
اختلج ثغر راين. لم تكن ابتسامة، بل كانت أخبث من ذلك بكثير.
سددتُ مرفقي نحو ضلوعه.
صدّه في لمح البصر، ولواني حتى ألصق ظهري بصدره. احتكّ جلده بدرعي، وتراجع المجندون حين طوّق بطني بذراعه.
همس عند أذني: «جرّبيها مرة ثانية، وبطرحك على الأرض قدام الكل.»
«الناس صافين طابور ينتظرون، لا تخيّب أملهم عاد.»
أدارني بعنف.
انزلقت حذائي في الوحل. تدارك راين خصري قبل أن أسقط، وانبسطت كفه على خاصرتي. طال التلامس نبضة أكثر مما ينبغي.
هبطت عيناه إلى شفتيّ.
وتعلقت عيناي بالنبض النابض في عنقه.
اشتد الرابط بيننا كحبل مشدود—حاراً، وخاطئاً، ومألوفاً أكثر من اللازم. اقشعر جلدي تحت قفازه.
دفعتُ صدره: «لا تلمسني.»
أحدّ نظرته: «أجل بطّلي تخبين شي تحت درعك.»
«ماني مخبية شي.»
«كذابة.»
«يا ألفا.»
مسحت تلك الكلمة أي أثر للتسلية عن وجهه.
عكف ساقيّ من تحتي في حركة خاطفة.
ارتطمتُ بالوحل على جنبي، وسرى ألم حاد في وركي. انضغط الجراب عند ضلوعي، فأفلت منه أنين خافت وصغير.
عضضتُ على لساني كي لا أرد عليه بصوت.
هوى راين فوقي قبل أن أتمكن من التدحرج بعيداً. ثبّت فخذي بإحدى ركبتيه، وأجبر معصميّ معاً فوق رأسي، ضاغطاً بهما في الأرض الموحلة الرطبة.
«ابعد عني!»
«من اللي درّبك؟»
«واحد يكره المتنمرين وأمثالك.»
«من مرسلك؟»
«قلت لك، أمك.»
اشتدت أصابعه حول معصميّ.
لم أكن أجرؤ على المقاومة بعنف؛ فإن فتّشني سيعثر على الجرو، وإن استسلمت فسيصل إليّ صيادو «كول» قبل حلول المساء.
أهوى راين بوجهه حتى ما عاد يفصل بين فمه وفمي غير نفس واحد. ملأت رائحة الدخان والجلد والحديد رئتيّ، وراحت ذئبتي تخربش الرابط كأنها تريد الخروج والتملص.
قال: «قولي وش اسمك الصدقي.»
«مارا فيل.»
«ماهو باسمك.»
«هذا الاسم الوحيد اللي بيجيك مني.»
دوّى بوق من برج المراقبة.
ظل راين مسمّراً عينيه في عينيّ: «جيتي هنا عشان تختفين.»
«جيت عشان أتجنّد.»
«بهوية مسروقة.»
«باسم ما حد يبيه. أشوف إن كذا عدل.»
مسّ أنفه طرف فكي.
تجمّد جسدي بالكامل.
استنشق راين نفساً واحداً.
تبدلت ملامحه، لا إلى اللين، بل إلى ما هو أسوأ.
سأل: «وش هذا؟»
لويتُ معصميّ: «ابعد عني.»
«من اللي مخبيته تحت هذا الدرع؟»
«ما مخبية أحد.»
«تبيني أصدقك؟»
«أبيك تشيل يدك هذه عني.»
فارقت كفه معصميّ وانزلقت نحو حافة صفيحة درع صدري. حكت مفاصل أصابعه خاصرتي وهو يتحسس الحزام السفلي.
مزّقني الذعر.
نطحتُ جبهته بجبهتي بكل ما أوتيت من قوة.
لعن وأرخى قبضته، فتدحرجتُ سريعاً ومددت يدي إلى الخنجر المغروز في حزامه، وأطبقتُ ثلاثة أصابع على مقبضه.
أمسك راين بيدي قبل أن أستلّه. جرّني على ظهري وسمّر ذراعي فوق رأسي من جديد.
سال الدم من جرح عند حاجبه.
«توك حاولتي تاخذين خنجري؟»
«وأنت توك حاولت تفتش جسمي.»
«من حقي.»
«إلا معي أنا، ما لك حق.»
للحظة، لم يتحرك أيّ منا.
مسح إبهامه شفتي السفلى، مازحاً الدم النازف من لساني المعضوض. كانت لمسته بطيئة، حذرة، لا تشبه أبداً تلك القسوة التي ألقاني بها أرضاً.
انحبست أنفاسي.
أظلمت نظرته: «ولد مَن اللي مخبيته تحت هالدرع؟»
وقع السؤال عليّ أشد وطأة من كل تهديدات «كول».
دفعتُ بركبتي بيننا: «المس الدرع وبصرخ وألمّ عليك الناس.»
«اصرخي.»
«تحسب عسكرك ما بيسمعون؟»
«بيسمعون قائدهم وهو يكشف له جاسوسة.»
«ماني بجاسوسة.»
«أجل أثبتي.»
علقت أصابعه أسفل الصفيحة الجلدية.
أطبقتُ على معصمه بكلتا يديّ. كانت بشرته تلتهب تحت راحتيّ، بينما ارتعشت يداي فوقه.
«راين.»
أفلت اسمه من شفتيّ قبل أن أتمكن من منعه.
سكن في مكانه تماماً.
انشدّ الرابط بيننا بقوة مباغتة، وانحبس نفسه عند وجنتي. كان جسده يثبتني في الأرض، لكن عينيه جابتا ملامح وجهي كأنه سمع للتو شيئاً يعجز عن تفسيره.
ثم رفع الدرع.
وبان الجراب الخفي تحته، مشدوداً بإحكام إلى ضلوعي.
وبرز وجه صغير يضغط على القماش.
بكى الجرو.
وسمع بكاءه كل جندي في الباحة.
دوت أبواق الإنذار فوق الرؤوس مزمجرة.
نفخة أولى... ثم تلتها أخرى.
ارتفعت شعلة حمراء فوق أسوار أيرون فانغ، وخلف البوابة انفجرت شعلة ثانية فوق الحافة الشرقية، ثم ثالثة، وتتابعت الشعلات ترسم خط التلال المعتم.
لقد اهتدى صيّادو كول إلى المعسكر.
نهض راين بحركة خاطفة وسلّ سكينه.
تحاملتُ على مرفقي وقلت: "إياك أن تلمس طفلي."
ارتدت نظراته نحوي بحدة: "طفلكِ أنتِ؟"
"سمعتني زين."
ثقلت ضربات الأحذية العسكرية وهي تخوض في الوحل، واندفع الجنود ركضاً صوب الأسوار بينما تدافع آخرون لجرّ البوابات وإغلاقها.
تخطاني راين وشفرته مشرعة: "أغلقوا المعسكر تماماً! لا أحد يطلع. وابحثوا عن المرأة التي تحمل ذلك الطفل."
توقف حارس في منتصف طريقه نحو السور الشرقي: "حيّة يا سيدي القائد؟"
ظلت عينا راين معلقتين بعينيّ: "حيّة. ما أحد يلمسها بسوء."
شقّ صوت بوق آخر أرجاء الساحة.
أقبل مستطلع يركض من برج المراقبة، شاحب الوجه يلهث: "طال عمرك، تراهم ما يهاجمون البوابة."
تصلب فك راين وقال: "أجل وش قاعدين يسوون؟"
رمقني المستطلع بنظرة سريعة: "ينادون عليها.. يعرفون اسمها."
استدار راين نحوي بكليته، وسكينه متدلية بجانبه.
وقال بصوت خفيض لم يلتقطه سواي: "مارا.. وش اللي سرقتيه من كول بحق الجحيم؟"