رجوع

سر الأثر

0%

Chapter 1 · الأمر الصامت

سر الأثر Chapter 1

كانت رائحة العود تملأ المجلس، والقهوة قد بردت في الدلّة. لم يصبّ لي أحد؛ كان ذلك أول ما أحصيته في نفسي. والثاني هيئة المكان: النساء الجالسات بمحاذاة الجدار الغربي وشِيَلهنّ ما زالت فوق رؤوسهن، مع أننا في بيت لا في عرس.

قالت عمتي هامسة عند أذني: «اسمعي وبس. بتسمعين عن الغرفة، وخلّي السالفة هنا».

الغرفة. كان الجميع في ذلك المجلس ينطقون الكلمة كما ينطق المرء اسماً يخشى أن يعلق به. بابٌ في الجناح الخاص. وأثرٌ تُرِك في داخله. لم يدلف إليه أحد، والجميع يعلمون.

دخل ماجد الراشد من الممر ولم يجلس. وقف في منتصف المجلس، فانخفضت همهمات الحديث على طول الجدار الغربي دون أن يُطلب من أحد ذلك. كان في الرابعة والثلاثين من عمره؛ عرفت ذلك من الأوراق، لا منه. دارت سبحته دورة واحدة بين أصابعه ثم توقفت.

قال لي عبر السجّاد، دون أن يعترض أحد: «سيدتي... قيل لكِ أن تسمعي».

«حصل».

«إذاً سمعتِ ما يكفي».

كانت يداي في حجري تحت العباءة، وإبهامي يتحسس درزة الكُمّ حيث بدأ الخيط ينسل. خيطٌ رخيص، وحياكة يدي. لم ينظر هو إلى الكُمّ، بل حدّج وجهي كأنه سألني سؤالاً لم أسمعه بعد.

خلفه كان باب الجناح الخاص موصداً؛ قد انطفأ بريق مقبضه النحاسي، واسودّ الشقّ تحته حيث لم تبلغه خرقة تنظيف منذ سنوات.

قال: «تعالي».

وعلى وقع تلك الكلمة الواحدة، حُطّت الفناجين دفعة واحدة على طول الجدار الغربي.

وقفتُ.

سكنت الحركة عند الجدار الغربي. أطبقت يد عمتي على كُمّي ثم انفلتت، فاليد على الكُمّ حركة تفطن لها القاعة كلها.

لم يجلس ماجد. نطق كلمة واحدة وتكفل المجلس بالردّ نيابة عنه، فتركه حتى فرغ من جوابه.

«يا أستاذ». جاء صوت عمي من يمين الصدر، من فوق المتكأ الذي خصّوه به لأنه كان في يومٍ من الأيام ذا نفع لهذه العائلة: «البنت ما جاءت عشان الجناح... جاءت لأجل السجل».

«إذاً فلتحصل على السجل».

قطع المباشر السجّاد حاملاً صينية عليها مغلف مطويّ. لم يكن المغلف مختوماً، بل كان لسانُه قد أُدخل وفُتح ثم أُدخل ثانية بإبهام، حتى لانَ الورق عند زاويته من كثرة الردّ والفتح. رفعه عند مستوى كتفي وانتظر.

تناولته بيدي اليمنى، وبقيت يسراي في حجري.

في الداخل ورقة واحدة، مطوية على أربع. كان التاريخ في أعلاها قد خطّه شخص ضغط على القلم بشدة: سنةٌ وشهر، ويدٌ تعلمت الخطّ قبل أن تجود الأقلام. وتحت ذلك قائمة: صندوق مصفّح بالنحاس، سراج، كرسيان، ومرآة وُصف إطارها في ست كلمات دقيقة.

وفي منتصف الورقة، حُجب سطر كامل. لم يكن مشطوباً، بل مكشوطاً بحدّ شفرة أو ظهر سكين، حتى رقّ الورق وصار ينفذ منه النور.

وفي أسفلها اسم، زال معظمه بالطريقة نفسها، ولم يتبقّ منه سوى ثلاثة أحرف.

أ. ل. أ.

قرأتها مرتين، ولم أنطق بها.

قال ماجد: «رأيتِ ما فيها، ضعيها الآن».

قلت: «ليس عليها ختم».

«صحيح».

«ورقة بلا ختم يمكن لأي أحد أن يكتبها».

قال ببرود: «نعم، ولهذا بالذات استحقت أن تُحمل إلى هذا المجلس».

عند الجدار الغربي، أطلقت إحداهن زفرة كانت تحبسها منذ أن دخل. سمعتُها، ولم يلتفت هو، فأدركت أنه سمعها أيضاً، لكنه لم يكن ليمنّ عليها برحمة إظهار علمه بها.

مال عمي إلى الأمام وقال: «يا دلال». نطق اسمي كما يوصد المرء باباً يريد له أن يُقفل بإحكام: «لا تسألين عن الجناح. لا الليلة ولا في هذا البيت. هذي الغرفة انقفلت قبل ما تولدين، وبتظل مقفولة بعدك».

«ما سألت».

«الورقة بيدك».

«الورقة هي اللي سألت». طويت الورقة على ثنياتها القديمة، وكان ذلك الشيء الوحيد الذي استطعت فعله بيدي دون أن ترتجفا: «أنا بس سمعت يا عمي. أنت قلت لي اسمعي، وما أحد قال لي وش أسوي بأذني عقبها».

لم يضحك أحد. ففي ذلك المجلس، كان للضحك ثمنٌ يفوق كل ما أملك.

التفت ماجد حينها، فرأيته كاملاً للمرة الأولى. في الرابعة والثلاثين، تبدو عليه السنون كما تبدو على رجال اعتادوا أن يُطاعوا منذ صغرهم. كانت المسبحة في يده اليسرى، ومرّ إبهامه مرة واحدة على حبة منها وتوقف، وكانت تلك الإشارة الوحيدة التي أظهرت أن هذا المجلس يكلّفه شيئاً.

قال بنبرة هادئة عبر السجّاد، ودون أن يصحح له أحد ثانية: «سيدتي... أهل المجلس قرروا مسبقاً وش اللي داخل هالغرفة. إذا قالوا لكِ، وافقيهم وبس».

«وإذا ما وافقت؟»

«الموافقة رخيصة، وتبقيكِ في مكانكِ».

«ما جيت هنا عشان أقعد وبس».

كان ذلك أول ما تفوّهت به دون تخطيط مسبق، وشعرت بالكلمات تفارقني كحجر يفلت من يد. ساد الصمت عند الجدار الغربي صمتاً كان له ثقل وتجسّم.

نظر إليّ ماجد لبرهة أطول مما استساغه المجلس.

ثم قال: «خلاص».

لم يكن صوته عالياً، ولم يكن بحاجة لأن يكون كذلك. فتح المباشر باب الممر، فقامت النساء عند الجدار الغربي معاً، ولملمن شِيَلهن وخرجن فرادى ومثنى، حتى فرغ المجلس من حولي كما ينضب الماء من الإناء.

بقيتُ في مكاني، وبقي عمي كذلك.

وأخيراً دخلت الدلّة، يحملها صبي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، ممسكاً بها بكلتا يديه لثقلها وحرارتها. صبّ لعمي أولاً، رافعاً يده لتنصبّ القهوة وتتكسر في الفنجان، ولم يملأ منه سوى ما دون النصف. تناول عمي الفنجان بيمينه، وشرب.

ثم أقبل عليّ الصبي. صبّ لي، وكانت القهوة بلون خشب الباب، تفوح منها رائحة الهيل وتحتها مرارة دفينة، ثم تراجع والدلّة مائلة في يده ينتظر، فليس للصبّاب أن يقرر متى يكتفي الضيف.

طوّقتُ الفنجان الصغير بأصابعي. كانت حرارته كافية لتبعث على الصدق.

«اشربي،» قال عمّي. «ثم نمشي.»

شربت.

لن أدّعي أنني لم أفكّر في الأحرف الثلاثة والقهوة تنحدر في حلقي. اسمٌ كُشط وسطه. العنزي. الراشد. لم يكن في هذه المدينة بيت ثالث في صدره تلك الأحرف، وكلاهما كانا يجلسان في الغرفة ذاتها، وأحدهما يصبّ القهوة للآخر.

عاد الصبي بالدلّة ووقف عند كتفي. ناولته الفنجان، فصبّ ثانية، وقبل أن ينتهي تكلّم ماجد من عند باب الممر.

«صُبّ لها في الأخير،» قال.

تجمّد الصبي والدلّة معلقة في الهواء.

«في المرة القادمة، يُصبّ لها أولاً. بعد الصَّدْر. وقبل الجدار الغربي. أفهمتَ الترتيب، أم أعيده أمام أبيك؟»

«هو فاهم،» قال عمّي.

«أنا أسأله هو.»

«فاهم يا أستاذ،» قال الصبي.

أومأ ماجد برأسه إيماءة واحدة. ثم التفت إليّ، ولم يكن في نظرته شيء من اللطف ولا شيء من الطمع، وقد فكّرتُ منذ ذلك الحين أن تلك كانت اللحظة التي كان ينبغي لي أن أفهمه فيها، لكنني لم أفعل.

«غداً، قبل الظهر، سيُطلب منكِ توقيع إقرار بأن القاعة لم تخبركِ بشيء، وأنكِ لم تري شيئاً.» قالها بتمهل، بالطريقة التي يتلو بها رجلٌ حاصلَ جمعٍ يعرف نتيجته مسبقاً. «وإن شاء الله، ستوقّعينه.»

بالطريقة التي قالها بها، كان الأمر وكأنه قد وُقّع بالفعل.

مضى إلى الممر. وظلّ باب الجناح الخاص على حاله، مغلقاً، ولم أنظر نحوه إطلاقاً؛ بل حدّقتُ في السجادة أمام حذاء عمي، لأن يد عمي كانت قد أطبقت بالفعل على مرفقي.

ثم، ومن الجانب الآخر من ذلك الباب، انزلق مزلاج، وتردّد وقعه في أرجاء البيت كله.

دسستُ المظروف مطوياً في كمّي بينما كان عمي يودّع الصَّدْر، وشعرتُ بعيني ماجد تلاحقانني على امتداد الممر، طوال الوقت الذي استغرقه بالضبط ليقرر ألا يستوقفني.

كان ذلك أول شيء منحني إياه.

ولم يكن ذلك لطفاً. وكنتُ أعلم ذلك حتى حينها.