Chapter 17 · تفكيك الكذبة
لم يكن الصمت الذي خيّم بعد تراجع عمّي سلاماً، بل مجرد هدأةٍ بين موجتين. وخلف باب خشب الأرز الثقيل، ظلّ الرواق الحجري للجناح الخاص بارداً وساكناً، غير أن الهواء المتسلل من شق الباب كان يحمل رائحة الغبار الجاف المرّة التي أثارتها قيظ الظهيرة. أما داخل الغرفة الموصدة، فكانت الرائحة مغايرةً تماماً؛ عبق عودٍ كثيف تدفئه حرارة الجدران الداخلية الهادئة، والرائحة الحادة النقية لرقٍّ جاف يستقر تحت خاتم ماجد.
وقفتُ بجوار زاوية الطاولة المنخفضة، وعباءتي الداكنة منسدلة بخفة فوق كتفيّ، ينساب حريرها الأسود متجمعاً على السجاد الصوفي. وكانت أصابعي لا تزال تتحسس الحافة الخشنة للوعاء الحجري حيث يرقد السجل الحقيقي. لم أتحرك صوب الباب؛ فلم تكن لدي أي نية لإلصاق أذني بالخشب كفتاة مذعورة تترقب حكماً. فهنا، داخل هذا الملاذ، تجرّدت شائعات مزارع الشمال من أنيابها.
ظلّ ماجد واقفاً عند تجويف النافذة المقوّسة، وكان ثوبه الأبيض ناصعاً لا تشوبه شائبة أمام الجدار الجصي المنقوش. وفي يده اليمنى، كانت حبات الكهرمان في مسبحته تطقطق بإيقاع موزون ومتأنٍّ؛ كأن كل طقطقة رفضٌ صريح للعجلة. لم يسألني إن كانت يدي قد ارتجفت وأنا أكلّم عمّي، فهو يعلم أنها لم ترتجف. فدماء آل الراشد لا تخضع لعويل قرابةٍ يحسبون القرب سلطة.
قال ماجد بنبرة هادئة رتيبة بالكاد حرّكت الهواء الساكن: «لن يرسلوه ثانية.
الفصل 17 مقفل
افتح كل الروايات المصورة
قصص مع مشاهد مصورة وموسيقى تصويرية.
✓ وصول فوري✓ دفع آمن عبر Stripe✓ إلغاء سهل عبر الإنترنت
متابعة القراءة · ٤٩٫٩٩ ر.س/شهر ←٤٩٫٩٩ ر.س اليوم · يتجدد شهرياً · ألغِ في أي وقت