Chapter 2 · المشبك النحاسي
مرت ثلاثة أيام قبل أن يخرج الصندوق.
كانت تفوح في مجلس آل الراشد رائحة عود أُوقد لرجل غادر المجلس بالفعل. كنت أعرف ثقل تلك الرائحة—دخان خمدت حرارته وبقيت فيه حلاوة خافتة، تماماً كما يلبث البخور حين يُرفع المبخر ويكون طرف الثوب قد جاوز العتبة. لم يفتح أحد النوافذ العالية بعد خروجه. وكانت السواتر بين سجاد الرجال وسجادي مطوية جانباً، إذ لم يكن في القاعة سوى الأقارب وضيفة واحدة، وكانت تلك الضيفة هي دلال العنزي. كان أمامي امتداد السجاد كله لأتأمله، وصولاً إلى الصدر في أقصى المجلس، حيث جلس عمي دون الصدارة بقليل بدلاً من أن يتربع فيها، وهو ما كشف عن مزاج ذلك الصباح قبل أن تبرد الصبّة الأولى.
لبثتُ في موضعي الذي حُدّد لي، عباءتي محكمة عند المعصم، وشيلتي مسدولة فوق الجبين، والظرف الذي جلبته من الممر مستقر في موضعه منذ تلك الليلة: منبسطاً على معصمي تحت الكريب الأسود، وزاويته تضغط على العظم.
أقبل المقهوي رافعاً الدلة. وقُدِّم إليّ الفنجان ممتلئاً إلى ثلثه بالكاد، كما تقتضي الأصول. تناولته بيميني، وأملت حافته مرة، ثم هززت الفنجان بخفة إيذاناً بالاكتفاء قبل أن أعيده إليه. وظل التمر دون أن تمسه يد عند حافة الإناء الفضي. تناول الشيخ الجالس في الصدر فنجانه أولاً، ثم عمي، ثم ابن عمٍّ ذُكر لي اسمه مرتين ولم يعلق في بالي.
ثم أُخرج الصندوق الخشبي المسطح من جانب الطاولة المنخفضة، وكان في ذلك انتهاء أمر القهوة.
فتح عمي القفل النحاسي بنفسه. كان متأنياً وهو يرفع الغطاء، بأناة رجل وقور يتعامل مع أداة ينوي استعمالها بحزم. في الداخل، رقد سجل مجلد، كعبه أخضر، وسُطّرت أعمدته على امتداد الصفحتين، بحبر خُطّ بيد أقدم عهداً من أي رجل في الغرفة—خط متقارب منضبط، كأن الورق كان شحيحاً في ذلك العقد. واستقرت الأختام في أسفل كل صحيفة. وكان الهامش الخارجي متسعاً بما يكفي للحواشي، وكان ثمة من دوّن فيه بالفعل بخط أشد قسوة وغلظة.
أدار الصندوق ودفعه بطرفي إصبعيه فوق الطاولة المنخفضة، ليستقر على مسافة شبر واحد بالضبط من ركبتي. كانت تلك المسافة مقاسة بدقة؛ فما من شيء في هذا البيت يقطع السجاد نحوي دون حساب مسبق.
«اقرئي أعلى الصحيفة الثالثة»، قالها عمي.
لم ألمس الخشب: «اقرأه بصوت مسموع يا عمي. المجلس مجلسك والحديث لك، فتكلم».
اشتد فكه برهة، في برود وتماسك. ثم قرأ، وقرأ دون تردد، إذ كان قد حفظ السطور عن ظهر قلب قبل أن أدخل بوقت طويل. كان ذلك قيد الأثر: ما كانت تحوزه ذرية جدي، وإزاء أي ختم رُهن. وحين بلغ السطر الأخير، وضع سبابته فوق الهامش، كأنه يطرح ما خُط تحته جانباً.
قال في هدوء: «ضاع الأثر الحقيقي قبل 40 عاماً. في سنة القحط. وكل كبير على هذا السجاد يعلم ذلك، وإن كان لا أحد يذكره؛ فالبيوت الأصيلة لا تشيع عهداً لم يُوفَ به. وما بين يديكِ ليس إلا مستخرجاً من مستخرج، ولا قيمة لنسخة إلا قيمة الورق. وقّعي المخالصة اليوم؛ ففي ذلك برّ باسم أمك، وحفظ لاسمك».
ساد المجلسَ سكونٌ لا يلتزمه إلا رجال تدربوا على نطق الحكم. لم يتحرك أحد. أطرق ابن العم ناظراً إلى نقوش السجاد. أما الشيخ الجالس في الصدر فلم ينظر إلى شيء، وكان ذلك في ذلك الموضع جواباً بحد ذاته.
قلت بنبرة متزنة: «أربعون عاماً. وخلال 40 عاماً، لم يخطر ببال مؤتمن واحد أن يدوّن الشاهد، أو نقل الملكية، أو العتبة التي غاب عندها؟ في الصفحة هامش يا عمي، والهامش لا يزال فارغاً. أنت تطلب مني أن أطوي السجل على صمت».
أجاب: «أنتِ امرأة ذات قدر ومقام، وصاحبة المكانة تصون قدرها بالحصافة، لا بالجدال في غير مجلسها».
فرددت: «أنا امرأة خُتم نسبها في أسفل ذلك العمود؛ خط أمي يعلوه، وختم جدي تحته. ولن أشطب اسمي من سجل مفتوح في بيت لم تدر فيه القهوة مرتين بعد. اطلب صبّ الدلة ثانية، وعندها نتحدث فيما هو حق».
لم أرفع صوتي. فالصوت المرتفع لا بقاء له فوق سجاد الرياض؛ يتلاشى متكسراً على المراكي، ولا يخلّف وراءه سوى قيل وقال عن امرأة نسيت حياءها وثباتها. أبقيت كلماتي باردة، وراقبـتُها وهي تأخذ مأخذها، ورأيت عمي يزن في نفسه إن كان بمقدوره أن يتجاهلها.
تحدث ثانية، بنبرة لينة تنضح بالحرص، مذكّراً إياي بأن المطالبة القديمة ليست سوى عبء لا حاجة إليه، وأن من يطاردون هذه الأطياف لا يُذكرون إلا بما يجلبونه من شقاق. لم ينطق بإساءة، غير أن كل نبرة مهذبة كانت بمثابة يد تحاول إجلاسي في موضع أدنى من قدري.
ثم تكلم ماجد من مدخل الجناح، فقلبت كلمة واحدة ميزان المجلس.
«في غير موضعه».
كان واقفاً حيث يلتقي الممر بالقاعة، بياقة مشدودة وثوب أبيض ناصع، ويداه مرسلتان إلى جانبيه. لم يقبل فنجاناً، ولم يخاطبني، كما لم يلتفت نحو الغرفة المغلقة في عمق الجناح الخاص. بل وجّه حديثه إلى السجاد، بدقة جافة تشبه دقة مدقق حسابات يصحح جمعاً مغلوطاً، وبعد أن نطق بتلك الكلمة، لم يزد عليها شيئاً.
ارتفعت سبابة عمي عن السجل.
«في غير موضعه»، كررها ماجد بهدوء ودون استعجال. وترك تصحيحه يستقر بيننا، دون أن يقدم اعتذاراً أو تفسيراً.
أغلق عمي الصندوق الخشبي، وفعل ذلك بتمهلٍ وتؤدة حرصاً على ألا يحسب أحد في حركته عجلة، ثم قال: «سيبقى الدفتر في عهدة هذا البيت، حتى تتريّث دلال في أمرها وتتدبّر موقفها.»
أمال الشيخ المتصدّر للمجلس ذقنه موافقاً، بينما تقدّم المقهوي خطوة أخرى بدلة النحاس. تناولتُ الفنجان بيميني، وأمسكتُ به ساكناً دون أن أذوق منه قطرة، ثم حططته مكانه. ولم يخرق أحد من أهل ذلك المجلس الصمت ليعلّق على صنيعي.
وحين نهضتُ، نهض عمي لنهوضي؛ فلم تنثلم هيبة جيله ووقاره، وإن كان مسعاه قد اصطدم بحائل. شيّعني خطواً حتى مشارف السجاد لا يجاوزها، محجماً عن مسّ كمي، وكان مغزى هذا الإحجام جلياً في ناظري كحدٍّ صريحٍ لا لبس فيه. أما ماجد فلم يخطُ نحو الباب خطوة، بل لبث واقفاً قرب الممر المفضي إلى داخل البيت الموصد، متفرساً فيّ بنظرة تحمل الثقل عينه الذي لمسته في الليلة الأولى؛ برهةً تكفي ليستبين مرادي، دون أن تزيد عليها كسر ثانية.
بلغتُ السيارة والظرف ما يزال منبسطاً على ملمس معصمي، وتلك المفردة اليتيمة تتردد في خاطري ولا تفارقه.
*«مفقود»*، هكذا ألحّ عمي، وبنى صبيحة بأكملها على ذلك الفقد، مستحضراً الشهود وصندوقاً عتيقاً لتثبيته.
*«غاب موضعه»*، هكذا تصدى له ماجد، غير مدافعٍ عن نفسه ولا متراجعٍ عن قوله.
أسندتُ ظهري إلى المقعد بينما انعطف السائق خارجاً عبر البوابات الحديدية إلى الشارع العام، وقد استيقنتُ أن رجلاً يقلب موازين إرثٍ بمفردة واحدة باردة، إما أن يكون قد صدقك القول كله، وإما أن يكون قد وارى لُبّه المستكن؛ وكنتُ على يقينٍ بأنني سأكشف ما انطوى عليه ذلك الباب المغلق، قبل أن يتسنّى لعمي أن يجمع المجلس من جديد.