رجوع

سر الأثر

0%

Chapter 3 · الكلمة الشاردة

سر الأثر Chapter 3

كُنِسَ المجلس ورُتِّب من جديد قبل عودتي، كأنّ الصباح لم يكن. المتّكآت ذاتها، والصفوف الثلاثة من الرجال بعينها، والصينية النحاسية نفسها. لم يُبدَّل سوى رماد المبخرة، وبات الدخان يحمل شذا العود بدلاً من الراتينج اللاذع الذي عَبِق في الساعة الباكرة؛ إذ قرر أحدهم أن الغرفة تستحق طيباً أزكى لما هي مُقْدِمةٌ عليه.

جلستُ في الموضع الأقرب إلى الجدار، حيث كان الضوء خافتاً والرؤية مكتملة. كانت عباءتي ما تزال مزرورة عند المعصمين مذ كنتُ في الشارع، ولم يعرض أحدٌ أخذها. ففي هذا البيت، تظل المرأة متلفعة بسترها الخارجي حتى يأذن لها باب مغلق بغير ذلك.

كان عمّي قد أعاد ترتيب شهوده؛ فنقل الرجل المسنّ صاحب الصندوق إلى الصف الثاني، وأجلس ابن عمٍّ شاباً لا أعرفه على المتّكأ الذي كان الصندوق موضوعاً عليه. وكان دفتر الحسابات ممدوداً مفتوحاً في وسط طاولة خشب الأرز، مكسور الكعب، وصفحته الأخيرة ممهورة بتوقيع يدٍ واراها الثرى منذ أربعة مشاتٍ.

لم ينبس أحدٌ بالكلمة التي خلّفها ماجد وراءه ذلك الصباح: «في غير موضعه». كانت رابضة في الغرفة كحصاة في حذاء، يلتفّ حولها كلّ رجل حاضر بحذر وتؤدة.

دخل دون إيذان.

ثوب أبيض بياقة منشّاة خالية من أي تطريز، دون بشت، ودون خاتم في اليد التي لم تكن تحمل شيئاً. دخل مجلساً اجتمع لاقتسام إرث رجل ميت بمظهر رجل جاء ليعمل. نهض الحضور في المجلس نصف نهوض، كما يفعل الجمع حين لا يستيقن من منزلته وقدره.

لم يتوجّه إلى الصدر، بل جلس على المتّكأ الذي يليه مباشرة، بجوار الدفتر وقبالة أعين الجميع دون استثناء.

أُحضرت القهوة. وبدأ المقهوي من حيث أقرّ المجلس بمكان الصدارة؛ فكان أول فنجان من نصيب ماجد.

تناوله بيمينه دون أن ينطق بحرف. لا مجاملة معتادة، ولا دعاء، ولا حتى إيماءة شكر مقتضبة يبذلها المرء وإن كان الفنجان من حقه. أمسك به، وأدرك المجلس أنّ شأن البيت وترتيبه قد استقرّا دون أن تُبذَل في سبيلهما نبسة شفة.

لم يكن الفنجان قد جاوز نصفه. شرب منه، ثم أنزله، فرفع المقهوي الدلّة ليصب له ثانية. غير أن ماجد أدار الفنجان دَوْرة واحدة بين إصبعين وتركه على الصينية.

خلاص. تراجع المقهوي إلى الوراء. وتبادل رجلان في الصف الثاني نظرة لم يكن فيها ما يسرّ.

تنحنح عمّي وقال: «كنّا نتحدث عن الأثر، عمّا ينقص القائمة. ويعلم ضيوف أخي أنني لم أتّهم أحداً في هذا المجلس».

قال ماجد: «بل اتّهمتَ القائمة».

«القائمة مجرد ورق».

«إذن ائتني برجل أساء إليك، وسأسمع منه. أمّا أنت، فقد جئت بصندوق».

تصلّب الرجل المسنّ الذي يحمل الصندوق. واختلج فكّ عمّي لبرهة ثم سكن، وما خرج منه كان ذلك الهدوء المتعمّد لرجل يؤثر أن يبدو صبوراً أمام الشهود؛ وهو في هذا البيت أعلى صوتٍ وأبلغ إشارة يمكن للمرء أن يصنعها.

قال عمّي ملتفتاً نحو المجلس كأنه يُبرز وثيقة رسمية: «ابنة أخي متعلمة، وقد قرأت السجل. وهي ستخبركم أنه لا قيد للغرفة الشمالية».

همس أحدهم: «دعكم من الغرفة الشمالية»، ثم استدرك، لأن وطأة الصمت بدت أثقل من الكلام: «فالباب الذي يظلّ موصداً ليس سرقة».

كان الكلام موجّهاً إلى المجلس، وموجّهاً إليّ أنا. لكنني تغاضيت عنه؛ فالمرأة التي تردّ على الهمس تصبح جزءاً منه.

بسط ماجد كفّه على الطاولة.

لم يرفع صوته، ولم يقم، ولم يلتفت إلى الرجل الذي تكلّم. بل مدّ يده إلى مَخْبَأ ثوبه وأخرج مفتاحاً.

كان من حديد عتيق، بطول كفّي، وساقه ملساء متآكلة في وسطه، وأسنانه قُدّت لقفلٍ صِيغ قبل أن نولد كِلانا. كان ثقيلاً؛ وعرفت ثقله من رنّته المكتومة حين استقرّ مكانه.

وضعه على خشب الأرز، بجانب الدفتر المفتوح، قريباً بما يكفي ليلقي بظله فوق توقيع الميت، وأبقى كفّه مبسوطة على الخشب لحظة أطول مما تقتضيه الحركة.

لم تمتدّ إليه يد. تطلّع تسعة رجال إلى قطعة الحديد فصاروا، جميعاً، تسعة رجال لم يبقَ لديهم ما يُقال.

قال ماجد: «قلتَ إن الغرفة الشمالية لا قيد لها. لكن لها مفتاح».

ردّ عمّي معارضاً: «المفتاح يثبت وجود قفل، لا يثبت حقاً».

أجابه ماجد بنبرة هادئة متزنة: «لا، بل يثبت الحقّ عند الباب».

سحب يده ورفع الفنجان ثانية، وكان ذلك إيذاناً للمجلس بانتهاء الجدال. انحسر الحديث نحو مياهٍ ضحلة آمنة؛ زواج عند العسكري، وسعر قطعة أرض قرب الطريق الدائري، وابن عمٍّ رسب في امتحاناته مرتين. تحركت المتّكآت، ودارت الصينية النحاسية، وجِيء بمبخرة ثانية، وقرّب مسنٌّ دخانها نحو ياقة ثوبه بكلتا يديه دون عجل، بينما تظاهر الجمع بأن المجلس كان دائماً بهذا السكون.

جلستُ واضعةً معصماً فوق معصم، أرمق قطعة الحديد.

جاء عمّي بصندوق وشاهد وتلميح، وبنى صباحاً بأكمله حول ضياع شيء لا يقوى على تحديده ولا وصفه. أمّا ماجد، فأخرج المفتاح ووضعه بين الدفتين ولم يزد حرفاً، ضامناً أن يحمل كل رجل يخطو خارج المجلس صورة ذلك الحديد المستقر فوق ذلك التوقيع، ليبقى على كلّ واحد منهم أن يقرر بينه وبين نفسه ما يعنيه أن يكون الباب قابلاً للفتح ومع ذلك لم يُمسّ.

لم يكن ذلك دفاعاً، بل كان رسناً أُلجِم به المجلس بأكمله.

انفضّ الجمع كما تنفضّ المجالس، مثنى وثلاثاً، بمجاملات تطول عند العتبة أو دون أيّة مجاملة على الإطلاق. وخرج عمّي آخِرَ المغادرين، وكان ذلك حقّه بالعرف، ولم تلتقِ عيناه بعيني وهو يمرّ بي، وتلك لم تكن من حقّه.

وقفتُ ونفضتُ عباءتي. وكان السائق قد تقدّم بالفعل وتوقّف عند البوابة الخارجية بعدما أشار له أحدهم.

كان ماجد يقف على مقربة من النافذة العالية موليّاً ظهره للقاعة، صامتاً دون أن ينبس بكلمة وداع واحدة. تجاوزتُ طاولة خشب الأرز ورأيت المفتاح الحديدي لا يزال مستقراً هناك، لم تمسسه يد، بجوار دفتر السجلات المفتوح، وأدركتُ أنه عزم على تركه مكانه طوال الليل.

فالرجل الذي يترك مفتاحاً على طاولة، هو رجلٌ قد قرر أن الغرفة هي التي ستأتي إليه.