Chapter 4 · الغرفة الخالية
نمتُ نومًا سيئًا، واستيقظتُ وطعمُ ذلك البهو لا يزال في فمي.
كانت الغرف التي خصصوها لي تقبع في أقصى ممر الضيوف، حيث لا يبلغ بخور المجلس إلا كشائعةٍ عن نفسه، باهتًا ومنقولًا بالوساطة. ووجدتُ في ذلك ما يلائمني؛ فطوال ثلاثة أيام، كان كل ما يصلني عن الباب الموصد يأتيني على ذلك النحو.
لم يُقل لي شيءٌ في وجهي؛ فتلك هي الطريقة التي تعبّر بها البيوت حين تريد قول أعظم ما لديها. جاءت الصينية وعليها قهوة الصباح، ولم تعلُ عينا الخادم عن الكفّ الأسود لعباءتي. ووجد ابن عمٍّ لم ألتقِ به إلا مرةً واحدة سببًا ليعبر الممر في الساعة عينها التي عبرتُ فيها. وأرسل عمّي يخبرني بأنه سيزورني، ثم لم يأتِ، ثم أرسل خبرًا من جديد.
وفي اليوم الرابع، جمعوني في المجلس على الأصول؛ الدلة منصوبة والتمر عند حافة الصحن، وأدركتُ أن جمعة الأصول في بعض الأحيان ليست سوى غرفةٍ تجيد التصرّف بأدبٍ أفضل.
تحدّث ثلاثةٌ منهم، وههنا كانت المعضلة.
الأكبر سنًا، وهو من تفرض سنوات عمره الإنصات إليه، قال إن الغرفة التي خلف باب الأرز تحوي أوراقًا؛ أوراقًا قديمةً مختومة، ومطالبةً من جيلٍ مضى لم تُسوَّ قط، وتُركت لتصفرَّ أوراقها بدلًا من أن تُقرأ.
والثاني، وهو من يملك من المال ما يوجب الإنصات إليه، لم يقل كلامًا ناصعًا إلى هذا الحد؛ بل قال إن الغرفة تحوي صورةً مقلوبةً على وجهها تحتها ورقةٌ مطوية، وقال ذلك بنبرةٍ هادئة، وكان ذلك أدهى وأمرّ.
والثالث، وهو من يملك من الوجاهة واسم العائلة ما يوجب الإنصات إليه، قال إن الغرفة فارغة. قال إنها كانت خاليةً على الدوام، وإن المفتاح ليس إلا درسًا في الأدب، والمرأة العاقلة لا تحسب الدرس بابًا.
تركتُ الدلة تقبل عليَّ أولًا، وتناولتُ الفنجان بيميني وظللتُ ممسكةً به دون أن أشرب؛ فالفنجان في اليد موضعٌ يستند إليه الصمت.
سألتُهم: «مع أيكم يُفترض بي أن أتفق؟»
وضع أكبرهم فنجانه وقال: «لستِ هنا لتتفقي، بل لتقبلي. كنتِ في البهو وبقيتِ فيه. قولي إن الغرفة كانت مقفلة وإنكِ لم تدخليها قط، وستقول العائلة الشيء نفسه، وينتهي الأمر. المرأة في البهو في مأمن، أما في الجناح فتصير حديث مجالس.»
قلتُ: «ثلاثة رجال، وثلاث غرف. إن قلتُ إني لم أدخل قط فأنا أوافقكم ثلاثتكم، وأحدكم يكذب عليّ برفق. لستُ بارعةً في الموافقة على ثلاثة أشياء في آنٍ واحد؛ لم أتربَّ على مهارةٍ كهذه يا عمي.»
نظر عمي إلى السجادة.
فقال الثاني: «إذًا ابقي في البهو، ودعي البهو يقرر ما رآه.»
قلتُ: «لقد قرر البهو أربعة أشياء بالفعل، وسأكون حينها أختار شائعةً لا حقيقة. إن كان لا بد أن تُعطى لي حكاية، فأعطوني حكايةً تظل صامدةً حتى العام القادم.»
وساد صمتٌ من ذلك النوع الذي ليس بخالٍ. وانفتح الباب خلفي ثم انغلق، فتبدّل هواء المجلس، ولم ألتفت؛ فالمرأة التي تلتفت تكون قد خسرت مسبقًا حُجّةً كانت توشك أن تكسبها.
دخل ماجد ووجّه سلامه للمجلس بالترتيب، بادئًا بالأكبر سنًا، وهو أمرٌ لم يكلّفه شيئًا لكنه أبان للجميع عن موقفه. ثم وقف في وسط المكان ولم ينبس بكلمة، ولم يكن بحاجةٍ إلى ذلك؛ فسرعان ما شدّ اثنان من أبناء الفروع أكتافهما وحدّقا في فنجانيهما. هناك هدوءٌ يحمله الرجل معه كمعطف، وكان هذا البيت قد تعلّم كيف يقرأ هدوءه.
أشار إيماءةً واحدة دون كلام. فقدّم الخادم الدلة إليّ قبل أن تذهب إلى الأكبر سنًا. نصف فنجان، لا أكثر، صُبّ من علٍ، وتناولته بيميني.
وفهمتُ الأمر برمّته؛ لم يكن يدافع عني، بل كان يعلي قدري ويقدّمني، واضعًا إياي فوق الرجال الذين أمضوا أربعة أيامٍ يقررون ما رأيتُه. وتناول الأكبر فنجانه ثانيًا، وتناوله برضا، مما دلّني على أنه فهم أيضًا.
قال ماجد: «يبقى المفتاح على الطاولة، وتظل الغرفة مقفلة. قولوا ما شئتم عن الغرفة، لكن لا تقولوه عنها.»
ثم انصرف، وانفضّ الجمع، وتريّث عمي عند العتبة يجامل بكلماته كما يفعل الرجل حين يتردد بين أن يترك خلفه تحذيرًا أو بركة.
قلتُ قبل أن يحسم أمره: «دعهما؛ فقد نلتُ الاثنين اليوم.»
فخرج.
كان المفتاح الحديدي لا يزال على خشب الأرز حين خلا البهو، وتخلّف أحد أبناء الرجل الثالث ليتطلّع إليه، ثم إليّ، وتركتُه ينظر؛ لأن أن يُنظر إليك ليس كأن تُزحزح عن موضعك.
وبحلول المساء ولدت روايةٌ رابعة. وكانت هذه المرة عني أنا، وتلك هي الحال التي ينتهي إليها البهو دومًا: ينفد ما لديه ليقوله عن الباب، فيبدأ في المرأة التي وقفت قربه.