Chapter 5 · الرفض الرسمي
جاءت القهوة أولًا. في هذا البيت تأتي القهوة دائمًا أولًا، وفي ذلك الصباح جاءت الأوراق خلفها على الصينية ذاتها؛ فكان في تلك الإيماءة الواحدة مجمع الخلاف كله، وفهمت الأمر قبل أن ينطق أحد بكلمة.
علت الدلة، ولم يأخذ الفنجان إلا دون النصف. تناولته بيميني وهززته مرة واحدة، فأمسك عن الصب.
ثم فُتح الملف.
أربعة منهم في صدر المجلس وواحد قائم: الرجل الثالث، واثنان من أبنائه، وكاتب يحمل ملفًا جلديًا، وعمّي في مقعد الركن حيث يجلس المرء حين ينوي الحضور دون أن يُحسب بين الحاضرين. وقف ماجد في الوسط؛ لم يتخذ له مجلسًا، ولم يعرض عليه أحد مقعدًا، ولم تكن بأحد حاجة إلى ذلك.
كان موضعي في الجانب الذي تبلغه الفناجين آخر المطاف. وكان أحد أبناء الرجل الثالث، ممن دخلوا بعدي، يجلس في مكان أرفع مني في المجلس. مررت الأمر، وشربت، وانتظرت حتى يشرحوا ما في الأوراق.
أفاض الكاتب في شرحها. قال إنه صك تنازل؛ سبعة بنود، لا يعتد منها إلا بواحد: أن أقر بأنني لم أرَ شيئًا، ولم أسمع شيئًا، وبأنه لم يدر في حضوري أي حديث يخص غرفة بعينها قط. وإذا وُضع اسمي في الأسفل أصبحت رواية المجلس روايتي، وفي المقابل تدوم حماية المجلس مظلة على اسمي كما كانت من قبل.
قال: «يا سيدتي، هو إجراء شكلي ليس إلا».
«اقرأ البند الرابع ثانية».
فقرأه. وكان في المرة الثانية أسوأ.
وضعت الفنجان على الطاولة المنخفضة، بجانب الصك لا فوقه، إذ لا يوضع فنجان على ورق.
قلت: «لا».
سكن المجلس كما تسكن المجالس؛ لم يتحرك أحد، لكن الجميع عدّلوا من هيئاتهم وجلستهم.
قلت: «كتبتم ورقة طويلة كي لا تقولوا شيئًا. سبعة بنود، ليس فيها جملة واحدة يقوى رجل على أن يقف ويصدح بها ويده على صدره. تلك براعة وصنعة، لكنها لا تستوجب توقيعًا».
نطق عمّي باسمي مرة واحدة، برفق، على النحو الذي يربت به الرجل على فرس قبل أن يسوقها إلى موضع تكرهه.
قلت دون حدة: «لست أنت يا عمّي. لقد تلطفت بي مرتين هذا الأسبوع، فلا تستنفد الثالثة ها هنا».
وضع الرجل الثالث فنجانه وقال: «اسم العائلة ليس بالأمر الهين».
«واسم العائلة هو تحديدًا ما أرفض التفريط فيه. تريدون كلمتي في أسفل ورقتكم حتى إذا ما جرى ذكر الغرفة بعد ذلك، قلتم إن المرأة تنازلت بنفسها. لن أقر ما لا يجرؤ أحد منكم على قوله بلسان فصيح أمامي. هذه ليست حماية، بل كأنكم تطلبون مني أن أوصد بابي بيدي من الخارج ثم أسلّمكم المفتاح».
عاد المقهوي يطوف ثانية. هززت الفنجان الفارغ مرة واحدة فتجاوزتني الصينية؛ ففي هذا المجلس لا يحتاج أحد إلى تكرار القول مرتين.
وتحدث الابن الأكبر، ذاك الذي دخل بعدي وجلس في موضع أرفع مني، بنبرة رجل تمرن أمام المرآة على أن يبدو عقلانيًا، وسألني إن كنت أدرك ما سأفقده.
نظرت إليه طويلًا حتى اضطر الحاضرون في المجلس إلى الانتظار معي.
قلت: «أدركه خيرًا منك. لقد عرضتم عليّ حماية من قصة تدور حول باب، وثمن ذلك هو الشيء الوحيد الذي أملكه دون أن يكون دينًا أو استعارة. وسأحتفظ به».
أخرج الكاتب القلم الآن، وبسط يده به على طريقة رجل يظن أن مجرد تقديم الشيء يكفي لنيل التوقيع. لم آخذه منه ولم أردّه، فترك اليد معلقة بما فيها جواب بحد ذاته.
وهنا نطق ماجد، ولم يكن قد تكلم حتى تلك اللحظة، فالتفت المجلس نحوه كما يلتفت جسد بأكمله حين ينفتح باب خلفه.
«ارفع الصك عن الطاولة».
نظر الكاتب إلى الرجل الثالث، ونظر الرجل الثالث إلى الأوراق.
قال ماجد: «ارفعه عن الطاولة»، دون أن يرفع صوته، وبنبرة قاطعة.
فتناوله الكاتب. وعاد القلم إلى الملف، ثم أُغلق الملف بطقة خافتة كأنها إيذان بنهاية موسم.
قال ماجد: «لا أحد يوقّع اليوم. خلاص».
ثم صنع ما لم أكن أتوقعه منه، وصنعه بعفوية تامة كأنه يعلق على القيظ: «دُفعت إليها ورقة فقرأتها قبل أن تجيب. تذكروا هذا حين تُروى هذه القصة مجددًا، فبعضكم قد وقّع على ما هو أسوأ دون أن يقرأه».
أعدت رفع فنجاني كي تجد ملامح وجهي موضعًا تشغل به نفسها.
وانفرط المجلس إلى تلك الحركات الدقيقة التي تعقب القرارات: رجل يصلح كم ثوبه، وآخر يسأل بحرارة مفتعلة عن حال ابن عم له، والمبخرة تدور على الصف ليجذب القوم دخانها إلى ياقاتهم فيبدون منشغلين. اجتذبتُ الدخان ونظرت إلى طاولة خشب الأرز.
لم يكن المفتاح الحديدي فوقها.
كان خشب الأرز خاليًا. وما كان لأحد في ذلك المجلس أن يرفعه دون أن يُعلم بأمره، ما يعني أن رفعه قد تم بعلم الجميع.
لم أسأل؛ فالسؤال في ذلك المجلس كفيل بأن يجعل من المرأة نفسها سؤالًا، أمام رجال يحترفون جمع الأسئلة.
رافقني عمّي إلى العتبة الخارجية وقال أخيرًا: «لقد صعّبتِ الأمر على نفسكِ».
قلت: «بل جعلته أصعب عليهم، وتلك صعوبة أخرى».
تأمل كلماتي، ثم أمال رأسه بتلك الإيماءة الخفيفة التي يدخرها هذا البيت لمن لم يستقر على موضعهم بعد، وخرجت إلى وهج القيظ واسمي لا يزال ملكي.
تجلى لي الثمن وأنا في طريقي بالسيارة إلى البيت، ولم يكن ذلك الثمن هو الورقة؛ فالورقة لم تكن سوى الوجه اللبق منه. كان الثمن أنه منذ الآن، كلما دخلت مجلسًا في هذه المدينة، سيسكت الحديث قبل أوانه بنصف نَفَس، وسيظن كل رجل في المجلس أنني لم أفطن لذلك.