رجوع

رفيقة الألفا المتنمّر

0%

Chapter 2 · على الخزائن الباردة

رفيقة الألفا المتنمّر Chapter 2

الفصل 2: قبالة الخزائن الباردة

«مالك حق تحبسني هنا يا فوس.»

الملفات الرسمية قد تُسمّي هذا احتجازاً، أمّا جسدي فكان يراه خيانةً صريحة منه؛ ثقلاً حسيّاً يجثم على أنفاسي ويعجزني التخلص منه. وشريعة الحلبة أقدم من قوائم المناوبات: من يمسّها يلقَ حتفه.

كان باب القفص الحديدي ما يزال يرتجف خلفه؛ أهتزّ لوقعه في الأرضية، دويّاً خافتاً يتسلل عبر نعل حذائي، بينما كان كين فوس يقطع المسافة الفاصلة بيننا كأن الخطوات لا تكلفه مثقال ذرّة.

قال بنبرة باردة: «تفتيش عن الممنوعات. إجراء روتيني قبل تبديل نوبة الليل.»

«الساعة 11 بالليل؟ في ممر خالي؟ وأنت لحالك؟»

«ودّك أطلب ضابط ثانٍ؟» التوت شفتاه بما يشبه الابتسامة، من ذلك النوع الذي لا يبلغ العينين أبداً. «أقدر والله، وأقدر أسوي منها قضية كاملة يا كالدر؛ شهود، وتقرير رسمي يتصدره اسمك بالخط العريض.»

لم أنبس بحرف. فآخر ما أحتاجه في هذه اللحظة هو تقرير يحمل اسمي، لا سيما ووثيقة الاختبارات قابعة في مكمنها.

قال: «يديكِ على الخزانة.»

«نعم؟»

«سمعتِ اللي قلته.»

كانت غرفة خزائن العتاد تعبق برائحة زيت السلاح والمعدن البارد، ومن تحتها يتصاعد أثرٌ خافت لشيء أكثر دفئاً أرفض حتى تسميته بيني وبين نفسي. خزانتي هي الثالثة من الطرف، ذات المفصلة المعوجّة، تلك التي خِطتُ وثيقة الاختبار المطوية داخل بطانة سترتي الإضافية المحفوظة فيها، في موضع لا يخطر على بال أحد يملك ذرّة عقل. لكنني وضعت كفّيّ مبسوطتين على باب الخزانة المجاورة لها بدلاً منها؛ قريباً بما يكفي كي لا يشك في الأمر، وبعيداً بما يحمي يديّ من الارتجاف فوق ما يجب ألّا يُكشف.

«ارفعي ذراعيكِ،» قالها وهو يتقدم ليقف خلفي تماماً.

شعرتُ بوجوده قبل أن تلمسني يداه؛ لفحة حرارة في البداية، تنبعث منه كأن حُمّى تشتعل في دمه، وخلفها تلك الرائحة من جديد؛ الرائحة ذاتها التي صدمتني داخل القفص قبل ساعة وجعلت ركبتيّ ترتعدان أمام ستة مقاتلين آخرين. خشب الأرز وزيت البنادق، وشيء آخر تحتهما يُشعل أسناني بالوجع.

قلتُ: «هذا مو إجراء نظامي، هذا مرض سلطة واستعراض قوة.»

«لو بغيت أستعرض يا كالدر، ما احتجت غرفة خزائن.» انسلّت يده على خاصرتي، مروراً بأضلاعي، بحركة تبدو مهنية وصارمة، لكنها أبعد ما تكون عن ذلك؛ فقد سمعتُ اضطراب أنفاسه حين بلغت كفّه خصري. «اثبتي مكانك.»

«لا تلمسني وكأنك ما تدور على شي ثاني.»

تجمّد خلفي. لثانية واحدة فحسب، ثانية كانت كافية لأدرك أنني أصبتُ الوتر الحساس.

قال بصوت خافت: «مثل وشو؟»

«مثل أن ريحتي الليلة مختلفة عن أمس.» أدرتُ رأسي قليلاً، بما يكفي لألمح جانب وجهه. كان فكّه مشدوداً، وعضلة هناك تنبض بتوتر لم أره فيه قط طوال سنتين كان يشطب خلالهما اسمي عن اللوحة كأني لا أستحق حتى ثمن الطباشير. «مسحت اسمي من الجدول قبل 4 ساعات، وهالحين عاجز تبعد يديك عن الجدار اللي أنا واقفة عنده.»

«اسكتي.»

«ورّني كيف.»

كانت تلك سقطتي. أدركتها في اللحظة التي فارقت فيها الكلمة شفتيّ، تماماً كما تدرك أنك هويتَ من على الرصيف وسط سيارات مسرعة؛ ففي لمحة، كانت يده تقبض على معصمي، والأخرى مبسوطة على كتفي، ودار بي ليرتطم ظهري بباب الخزانة بقوة هزّت الخزانة التي تعلوها.

قال: «ودّك تختبريني؟ في غرفة مقفلة، وما أحد بيمر علينا فيها قبل 20 دقيقة؟»

«أبيك تعترف بالحقيقة بس.»

«هذا تفتيش.»

«هذا أنت تتأكد إذا كنت أمر بدورة الشبق في نوبتك؛ لأنك لو شفت كذا، بتضطر ترفع تقرير للوالد، وأنت تفضّل الموت ولا تشرح لمحقّق الملك ليش المرفوضة من نوبة وريثه الليلية ريحتها مثل...»

شلّ معصميّ كليهما بحركة واحدة خاطفة ودَفَعهما فوق رأسي إلى سطح المعدن، بسرعة قطعت أنفاسي في شهقة مكتومة. كان جسده شعلة حرارة محتدمة تلتصق بي، قريباً إلى حدٍ جعلني أشعر بدقات قلبه حيث يتلاقى صدره بعظمة قصّي؛ نبضات متسارعة لا تليق برجل يُفترض ألا يهتز له جفن.

قال: «عيديها ثانية.»

«مرفوضة.» خرج صوتي مكسوراً ومبحوحاً فكرهتُ ضعفي. «هذا اللي سميتني إياه قدام نوبة الليل كلها قبل 4 ساعات.»

«ما قلت شريكة.»

«ما كان يحتاج تقولها؛ الغرفة كلها شمت الريحة أول ما تقفل القفص.»

اشتدت قبضته على معصميّ، ليس إيلاماً، بل بالقدر الذي جعلني أشعر بكل عظم في يده يطبع نفسه فوق عظامي. انحدر أنفه متتبعاً خط فكي نزولاً إلى عظمة الترقوة، وأحسست بالصوت الخارج من أعماقه أكثر مما سمعته؛ هديرٌ خافت وغير إرادي، ما كان ليرضى أن يسمعه منه بشر.

همس عند عنقي: «ريحتك عرق اختبارات وشحم سلاح،» نطقها كأنها إهانة، وكأنها في الوقت ذاته ليست أصدق عبارة قالها لي منذ سنتين. «وتحت هذا كله، تفوح منك ريحة إنك حلالي.. وأنا أمقت هالشي.»

«أجل فكني.»

«ما أقدر.»

اهتدت يده الطليقة إلى سحّاب سترتي التكتيكية، وجذبته لأسفل بحركة واحدة، فصرخت أسنانه المعدنية وهي تنفلق، ولطمت برودة الهواء صدري مع انفراج القماش. كان عليّ أن أقاوم؛ ثمة جزء غاضب وبعيد في داخلي يصرخ بي أن أسدد ركبتي بين ساقيه وأخرج من هذه الغرفة منتصبة القامة، موفورة الكرامة.

لكنني، عوضاً عن ذلك، تقوّستُ نحو كفّه حين انزلقت داخل السترة المفتوحة، مستقرةً على أضلاعي، كالجمر الملتهب على جلد جمّده صقيع هواء الخزائن.

«كين...»

قال وصوته قد غدا متهدجاً هو الآخر، خشناً يلفح أذني: «لا تنطقين اسمي كذا.. أرجوكِ.»

تحركت راحة يده، ببطء وتأنٍّ، تحت حافة قميصي الداخلي، وشعرت بكل خشونة في أصابعه تحتك ببطني العاري، وغرق المكان في سكون مطبق، لم يقطعه سوى لهاثنا المتسارع، كأن كلينا قد خاض غمار الاختبار مرتين متتاليتين.