رجوع

رفيقة الألفا المتنمّر

0%

Chapter 3 · أنياب على الغدة

رفيقة الألفا المتنمّر Chapter 3

الفصل 3: أنياب على الغدة

«رجّعها لي.» خرج صوتي مشروخاً، مبحوحاً وخفيضاً، لا يشبه أبداً نبرتي المعتادة هناك في الميدان.

لكنّ كين لم يُعِدها. رفع الورقة المطوية فوق رأسي باليد التي لا تُثبّت معصمي على باب الخزانة، وأخذ يقرؤها بتمهل، كأنه كان يعرف ما تحويه حتى قبل أن تعثر أصابعه عليها ملصقةً تحت البطانة.

«اختبار قتال النخبة.» لم تطرف عيناه عن الورقة. «المرشح: ر. كالدر. النتيجة: 98.2.» صمتٌ طال أكثر مما ينبغي. «الرتبة: محجوبة بختم رسمي.»

«ما تسوى شي، أوراق قديمة.»

«أعلى من نتيجتي في التعيين.» رفع عينيه نحوي أخيراً، وبدا في ملامحه شيء لم أعهده فيه من قبل؛ لم يكن غروراً، ولا بروداً، بل جوعاً خالصاً. «جبت درجة أعلى مني ودفنتها؟ سنتين كاملة؟ خليتني أحط اسمك في فرق التنظيف سنتين؟»

«فك معصمي.»

«ليه خبيتها؟» خطا خطوة أقرب، والمسافة التي كانت شبه معدومة تلاشت تماماً. سحاب سترتي الممزق مفروجٌ حيث شقه قبل عشر دقائق، وهواء غرفة الخزانات البارد يلسع جلدي الذي اشتعل في كل موضع يقترب منه. «كان يمديك تكون على اللوحة العامة، اللوحة الحقيقية.. اللي اسمك مكتوب فيها صح.»

«لأن اللحظة اللي ينحط فيها اسمي على اللوحة، ما عاد بكون متخفي. والتخفي هو اللي مخليني حي.»

«والتخفي يحرمني أعرف وش أنت.» يده — تلك التي لا تحمل الورقة، المحكمة قبضتها على معصمي — اشتدت أكثر. لم يكن ضغطاً يكدم الجلد، لكنه كان كافياً لأشعر بكل مفصل من مفاصل أصابعه يضغط على عظمي. «وخلاص، ما عاد بجهل وش أنت.»

«مالك حق تقرر إن الموضوع انتهى، ولا لك رأي أصلاً. شطبت اسمي من اللوحة قبل ساعة قدام نوبة الليل كلها.»

«شطبته لأني ما كنت أدري إنك تقدر تخوض اختبار الملك من غير ما يطرف لك جفن.» بات فمه ملاصقاً لأذني تماماً، وأنفاسه لافحة، والرائحة التي فاحت في أرجاء الخزانة حين اقترب مني أول مرة الليلة... عادت أشد وأعتى، تملأ كل ذرة هواء بين الجدران المعدنية. رائحتي، ورائحته؛ امتزجتا وتشابكتا حتى ما عدت أميز نبض من منهما يدق في صدري. «والحين عرفت. والحين هذي—» رفع الورقة، وسحقها في قبضة يده، «—صارت حقي أنا.»

«مو حقتك، أنا اللي تعبت عليها واستحقيتها.»

«ما قلت إني استحقيتها، قلت إنها حقي. اسمك بيظل برا اللوحة إلا إذا قلت غير كذا. كلمة مني ومكتب الاختبارات يعرف إنك زوّرت نتيجة مختومة عشان تتهرب من التعيين—إلا لو كنت أنا اللي يوقّع على صحتها.» مرر إبهامه على باطن معصمي، فوق الجلد الرقيق حيث كان نبضي يتخبط بعنف. «تبي اللوحة يا كالدر؟ دربك يمر من عندي.»

«هذا ابتزاز.»

«هذي ورقة قوة.. تعلّم الفرق قبل لا تطيح بيد أحد ألعن مني.»

دفعته في صدره، لكنه لم يتزحزح قيد أنملة، بل ألقى بكامل ثقله إلى الأمام حتى انطبق عمودي الفقري تماماً على الباب المعدني البارد، واصطكت علّاقات الملابس في الداخل بصوت حاد ومفاجئ كسر الصمت. دَسّ ركبته بين ركبتي؛ لم تكن حركة عفوية، بل فعلها بقصد تام، ولعنتُ في سري كيف يستجيب جسدي قبل أن يتاح لعقلي حق الاعتراض—ذلك الوجع الغادر والمباغت الذي انساب في أسفلي، متجمعاً تماماً حيث يشاء له أن يكون.

قال بصوت لا يحمل نبرة سؤال: «قاعد ترجف.»

«منقهر بس.»

«مو بس معصب.» أمال وجهه إلى الأسفل، متجاوزاً فكي، ومرر أنفه على طول عنقي بتمهل وتأنٍ متعمد، كأنه يقرؤني بالطريقة ذاتها التي قرأ بها ورقة النتائج قبل قليل. «ريحتك تفضح إنك تبيني أكمّل اللي بديته عند هالباب قبل عشر دقائق.»

«أبيك تفك معصمي.»

«عيدها وخلّك صادق.»

ولم أعدها.

أفلتت يده الحرة الورقة المجعدة، فسمعت ارتطامها بأرضية الخرسانة؛ صوتاً خافتاً سخيفاً لشيء دمر حياتي للتو. واستقرت كلتا يديه على وركيّ بدلاً من ذلك، فجذبني بعيداً عن الباب بضع بوصات، ثم رطمني به مجدداً بقوة أكبر، كأنه في حاجة لسماع ذلك الارتطام. أنّ صف الخزانات المعدنية، وفي مكان ما على امتداد الممر، اهتزت فتحة تهوية مرتخية وطنت براغيها.

«كين.» لم يكن تحذيراً؛ لم أعد أعرف ما كنه هذا الصوت أصلاً.

«اسكت.» تحشرج صوته كأنه نصف زمجرة، ولم يتبقَ أي أثر لهدوء وريث الألفا الذي دخل به قبل قليل. اشتدت قبضته على معصمي بقسوة، مثبتاً إياه تماماً على الباب البارد بمحاذاة رأسي. «لا تتحرك.»

«ماني بمتحرك.»

ولم أكن لأتحرك. لم أكن لأقدر حتى لو أردت؛ فجسده كله جدار مصمت، ونبضات قلبه تدق بعنف على عظم ترقوتي، وحرارته تنفذ عبر ما تبقى من سترتي الممزقة. بات فمه مفتوحاً على عنقي، ساخناً، وشعرت بكشطة شيء أحدّ مما ينبغي للأسنان أن تكون؛ نابين بارزين يضغطان بخط ثقيل على الجلد فوق غدتي، تماماً حيث تفوح الرائحة بأعلى درجاتها، وحيث تصرخ كل غريزة في جسدي—لم تعد ملكي بعد الآن—لتأمرني بأن أرجع رأسي إلى الخلف وأستسلم له.

همس على جلدي بصوت خافت كأنه ذبذبات لا كلمات: «لو أوسمك الحين، ما أحد يقدر يلمس ورقة الاختبار هذي. ولا أحد بيلمسك أنت. بتكون ملكي قبل لا يوصلون جماعة سايلاس بكرة.»

«هذا مو سؤال.»

«لا.» غرس أسنانه بقوة أكبر، لم يشق الجلد، بل كان ضغطاً يفي بوعيد قادم. تشبثت أصابعي بقميصه رغماً عني، وقبضت على قماشه كأنني أريد دفعه بعيداً وأجذبه نحوي في الوقت ذاته. «هذا عد تنازلي.»

في مكان ما خلف صف الخزانات، طقطق مكبر الصوت في الممر طقطقة واحدة؛ كان ميكروفون نداء الأسماء لا يزال مفتوحاً على خط النوبة الليلية، متصلاً مباشرة بمكتب المناوبة حيث يمكن لأي شخص أن يقف في هذه اللحظة واضعاً يده على قرص التحكم بالصوت.

فمه على عنقي، لكنه لم يعَضّ.

كاد يفعل.

لكنه لم يقطع البوصة الأخيرة.