Chapter 1 · تقتحم عرس الذئاب
«مكانك مو هنا.» انغرست أظافر زوجة أبي في معصمي قبل أن أتجاوز مدخل الخدمة.
«اتركيني.»
«الزواج بيبدأ بعد 20 دقيقة.» بقيت ابتسامتها متجمدة في مكانها: «إن لمحتُ وجهك هناك، بعلّم الأمن إنك سارقة الفستان.»

نزعتُ ذراعي بقوة: «ما جيت عشان الزواج.»
«أجل وش جابك؟»
«تركيبة أمي. عطر الياسمين. أدري إنك أخذتيها.»
ضحكتْ. ضحكتْ بملء شدقيها: «ذاك الشيء القديم؟ يا بعد عمري، بعنا حقوقه من سنتين. وسدّدنا فيها قيمة فستان تقديم آيريس للمجتمع.»
غصّ حلقي: «ما كان لك أي حق—»
«لي كل الحق. أمك تركت كل شيء لأبوك، وأبوك ترك كل شيء لي.» اقتربتْ خطوة، وكانت رائحة عطرها فاقعة الحلاوة، منفرة: «تبين تسوين فضيحة؟ تفضلي، ورّينا. ترَى هالناس ياكلون اللي مثلك للتسلية.»
أمسك أحدهم بذراعي الأخرى. قبضة حديدية. حارس يرتدي الأسود، خاوٍ من أي تعبير.
قال: «الآنسة كراون تبيك فوق.»
«أنا ما أعرف أحد باسم كراون—»
«الحين.»
سحلني عبر ممر جانبي وصعد بي درج الخدمة. كان صوت كعب زوجة أبي يطقطق خلفنا. حاولتُ أن أثبت قدميّ في الأرض، فرفعني عن الأرض لثلاث درجات وتابع مشيه. فُتح الباب، فتعثرتُ وتشبثتُ بطاولة الزينة، ثم طقّ القفل.
سجّاد بلون السكّر. نافذة تطل على الحديقة: كراسٍ، وقوسٌ من ورد الليل، وأختي غير الشقيقة آيريس في فستان زفاف كأنه ضوء قمر مسكوب.
التفتتْ، وكان وجهها شاحباً: «وش تسوي ذي هنا؟»
استندت زوجة أبي إلى الباب: «تغيّرت الخطة. جماعة كايل ميرسر قالوا لي الحقيقة. الرجال ما يبي تحالفاً مع آل كراون، يبي بند رهينة. شخص نقدر نضحّي به.»
ارتجف صوت آيريس: «ماراح تحطّيني في هالعقد! وعدتيني—»
«وعدتك بنصيب طيب، وهذا مو نصيب طيب. عنده محاكمة بعد 3 شهور، وإذا خسر بيعدمونه عيال عمه. واللي متزوجها بتروح في رجلها معه. وحنا خلاص قبضنا 5 ملايين، وغير مستردة.» انزلقت عيناها نحوي: «بس عندنا بنت ثانية.»
ضربتُ طاولة الزينة بيدي: «لا.»
«تبين تركيبة أمك ترجع لك؟ الحقوق، والملاحظات، وكل شيء؟ انزلي تحت، وقولي كلمة القبول. 3 شهور بس. إذا عاش تطلقتي، وإذا مات—» هزت كتفيها: «أصلاً ما كنتِ مسوية شيء يسوى بحياتك.»
دفعتُ يدها بعيداً: «روحي في ستين داهية.»
«آيريس، امسكيها.»
تحركت آيريس. ما ظننتها تجرؤ، لكنها قيدت ذراعيّ خلف ظهري وهي ترتجف ولم تفلتني: «أنا آسفة... والله آسفة يا لينا، بس ما أقدر أسويها—»
خرجت إبرة حقنة من الحقيبة.
رميتُ بثقلي إلى الخلف، وحطمتُ كأس شمبانيا، ثم رفعتُ ساقه المشظاة في وجوههن: «ابعدوا عني!»
ابتسمت زوجة أبي: «طالعي من الشباك. نصهم ذئاب. إن طلعتِ من هنا بدون دبلة، علّمتهم إنك جيتي تسرقين من عائلة ميرسر.»
تجمّع الدم في راحتي.
طرق أحدهم الباب ثلاث طرقات: «يا آنسة كراون؟ حان الوقت.»
«آيريس، البسي فستان لينا. وأنتِ يا لينا بتلبسين فستان العرس. معكم 4 دقائق.» قلبت هاتفها نحوي: دفتر أمي، وخط يدها لا يزال على الصفحة: «بحرق كل ورقة فيه. أو تنزلين تحت، تقولين كلمتين، ويرجع لك كله.»
«لينا. اخلصي.»
أسقطتُ الزجاج من يدي.
ألبسوني كأنني دمية. كان الفستان ضيقاً عند الخصر، واسعاً عند الصدر، وذيله يجرّ على الأرض. ثبّتت الطرحة حتى كادت المشابك تخرش فروة رأسي.
«ابتسمي. ترَاك عروس.»
ما ابتسمت.
ورد أبيض، ورائحة جنائز: «إذا سألك، تقولين: أقبل.»
«سمّي.»
أنزلوني إلى الأسفل. كان الممر تصطف فيه لوحات لذئاب—ذئاب حقيقية—بعيون ذهبية وأنياب مكشرة. بدأت الموسيقى، ذلك المارش البطيء، وفُتحت الأبواب.
خطوتُ إلى الحديقة.
التفتت كل الرؤوس. 100 شخص، وربما أكثر. لم أتبين وجوههم، فالشمس كانت تغرب خلفهم لتحيلهم جميعاً إلى ظلال سوداء. شعرت بنظراتهم، وبشيء وحشي يكمن تحت روائح العطور، فاقشعر شعر ذراعيّ.
كان الممشى شموعاً في كؤوس زجاجية، والورد على القوس بلون الدم الداكن. وفي المقدمة، يقف رجل ببدلة سوداء وظهره لي.
كايل ميرسر.
ما التفت.
دعستُ على حافة الفستان فكدت أسقط، ثم تداركت نفسي ووقفتُ بجانبه.
أدار رأسه نحوي. كنت قد رأيته في مجلات الفضائح، لكن الصور ما كانت توفيه حقه. فارع الطول، شعر داكن، وعينان سوداوان. ندبة تقطع أحد حاجبيه. ساكن أكثر من اللازم، كأنه يكبح شيئاً هائجاً بداخله.
«أنتِ مو فيرا كراون.»
«لا.»
«من أنتِ؟»
«لينا فيل.»
«وليه لابسة فستانها؟»
«لأنهم باعوني. أخذت عربونك، وكانت بترسل لك آيريس. بس رجالك قالوا إن العقد فيه خطورة، فقامت وأرسلتني أنا. تبي تفركشها فركشها، تراني ماني براجعة لذاك البيت.»
همسات تعالت في الجمع. في الصف الثالث، وقفت شقراء ترتدي الفضي وتنظر لي كأنني بصقتُ على حذائها؛ كانت فيرا كراون.
وقف رجل مسن يرتدي الرمادي: «هذي مو من القطيع! ما تقدر تتزوج بشرية.»
«العقد يسمح. البند 7.»
«هذا البند كان مخصصاً للعائلات الحليفة—»
«استرح يا ماركوس.»
ثقل الهواء فجأة، وارتعشت ألسنة الشموع، فجلس الرجل فوراً.
قال كايل للمأذون: «عدّ للموجب والقبول.»
«هل تقبل يا كايل ميرسر—»
«أقبل.»
«وهل تقبلين—»
قلتُ مقاطعة: «لحظة. أبيها مكتوبة. شغل أمي... إن سويتها، آخذه كامل.»
كادت شفته تفترّ عن ابتسامة: «تفاصلين؟ وهنا؟»
«إي نعم.»
مدّ هاتفه لأحد الجالسين في الصف الأول: «ملحق إضافي. تراكيب العطور المسجلة باسم مارا فيل، تنتقل كامل حقوقها إلى لينا فيل فور الإتمام. قبل ما نخلّص.»
صوت نقر على المفاتيح، ثم قال المأذون: «هل تقبلين يا لينا فيل بهذا الرجل—»
سألتُه: «ليه أنا بالذات؟»
«لأنك غاضبة، وأنا أبي شخص ما ينكسر.»
صرخ أحدهم فجأة.
سارت فيرا في الممشى بفستانها الفضي: «ما يصير! التحالف—»
«أبوك حاول يرشي اثنين من أعضاء المجلس، وهذي خيانة. ما عاد فيه أي تحالف.»
«وتحسب إن آدمية عادية بتنقذك؟ باكر لا حان وقت الاختبار، بيمزقونك إرباً، وما راح تدري المسكينة حتى ليه.»
«على الأقل، ما هي اللي بتطعنّي في ظهري.»
رمقتني بنظرة حادة وقالت: «يا لينا.. ما تدرين في وش ورّطتِ نفسك. ثلاثة أشهر، هذا كل اللي عندك. ويوم تفشلين، بكون في انتظارك.»
غادرت، وساد الحديقة صمت مطبق.
قال كايل بجمود: «كمّل.»
«هل تقبلين، يا لينا فيل—»
كان في عينيه بريق استماتة غريب.
«أقبل.»
دسّ في إصبعي خاتماً فضياً يتوسطه حجرٌ داكن. كان واسعاً يرتجف في مكاني ويدور. وما إن لامست بشرتُه يدي، حتى سرت في صدري خفقة مباغتة، كأنما جذبة شدّت روحي.. شيءٌ في داخلي يتعرّف على شيءٍ فيه. واتسعت حدقتا عينيه في اللحظة ذاتها.
«هذا بيمشّي الحال.. مؤقتاً.»
لم يُفلت أصابعي. فاحت منه رائحة حطب محترق، بل رائحة أشد ضراوة وعنفواناً. وتابع: «ثلاثة شهور. إن نجيتِ وصمدتِ، بعطيكِ كل اللي تتمنينه. وإن هربتِ، بجيبك وين ما كنتِ.»
«لا تهددني.»
«ماهو تهديد.»
ملفٌ أوراق. موقّع، ومشهود عليه. كل ما كدّت أمي وصنعته طوال عمرها.
«شكراً لك.»
«لا تشكريني توّ الناس.»
استدار ومشى نحو البيت، وانفرج له الجمع مفسحين الطريق في مهابة. وبقيتُ مكاني، محشورة في فستاني الضيق الخانق، أحمل ملفاً لم أكن أرغب فيه قط.
لمس كتفي نواه بايك — رجل ذو شعر بني وبدلة متناسقة وعينين يقطر منهما اللطف. جفلتُ من لمسته، فقال بصوت منخفض: «أنا محامي كايل.. نوعاً ما. ابدئي بقراءة هذا العقد، كله دون أن تفوتي حرفاً. تراكِ وقعتِ بيدك على أمر بيصير بشع، وأسرع مما تتخيلين.»
ومضى مبتعداً قبل أن أنطق بحرف.
نظرتُ إلى الخاتم وهو يدور حول إصبعي برخاوة.
كان كايل يقف عند عتبة الباب، وبقايا الضوء تخبو في عينيه.
«حيّاكِ الله في العائلة، يا سيدة ميرسر.»