Chapter 2 · خاتم القمر للعروس الخطأ

«لا يمكن أن تتوقع مني بحق أن—»
«أتوقع منكِ أن تثبتي في مكانكِ.» لم يرفع كايل ميرسر صوته، ولم يكن بحاجة إلى ذلك أصلاً. أطبقت يده على معصمي قبل أن أتمكن من انتزاع خاتم القمر، وسرى معدنه في جلدي ببرودة لاذعة كأنما نبتت له جذور.
صرنا بمفردنا الآن. خلت قاعة الاحتفال في اللحظة التي جرّني فيها عبر الباب الجانبي؛ فلا شهود ولا كاميرات، لم يبقَ إلا أنا وهو وذلك الخاتم الذي استعصى عليّ نزعه مهما حاولت لَيّه بقوة.
قلتُ له: «اتركني.»
لكنه لم يفعل.
رفعتُ بصري إليه، فإذا به أطول مما بدا لي حين كنتُ أقف قبالته عند المذبح؛ أطول قامةً وأعرض منكبين، وكانت عيناه غريبتين لا تشبهان عيون البشر؛ لم تكونا بنيتين، بل حوتهما تلك المسحة التي تهامس بشأنها الحضور في الزفاف؛ ومضة من الذهب على الأطراف تنبئ بأن الذئب في داخله بات قاب قوسين أو أدنى من السطح.
قال: «أنتِ من وقّع العقد.»
«ما وقّعتُ على شيء!»
«وقّعت أختكِ غير الشقيقة نيابةً عنكِ، بتوكيلٍ رسمي، وعائلتكِ تنازلت عن وصايتكِ قبل 3 ساعات.» أفلت معصمي لكنه ظل قريباً، قريباً أكثر مما ينبغي. كنتُ أشعر بالحرارة اللافحة تنبعث من جسده، حتى اقشعرّ لها بدني، أو لعلّ ذلك لم يكن إلا من فرط غيظي. أردف قائلاً: «العقد ملزم، وأنتِ الآن عروسي.»
«إذاً اِفسخه.»
«ما أقدر.»
«بل ما ودّك.»
«قلت لكِ ما أقدر.» تراجع إلى الوراء خطوةً أخيراً، ومرّر يده في شعره الداكن المائل للسواد؛ كان مصففاً بعناية لأجل الحفل، لكنه تشعّث الآن إثر تخلل أصابعه فيه. «هل تدركين ما سيحدث إن مثلتُ أمام محاكمة القطيع بلا عروس؟»
«ليست مشكلتي.»
«بل بتصير مشكلتكِ.» التفتَ، فرأيتُ مشدّ منكبيه تحت سترته المفصّلة بإتقان؛ كان متحفزاً وممسكاً بزمام نفسه بصعوبة، كأنه يكبح أمراً خطيراً. «المجلس يعدم الورثة غير المستقرين. وبلا عروس لن تكون هناك ركيزة تثبّتني، وبلا ركيزة، سيعتبرونني خطراً وعبئاً تجب تصفيته.»
حدّقتُ فيه: «يعني ورّطتني معك عشانك خايف من الموت؟»
«ورّطتكِ لأنهم كانوا يبيعونكِ في السوق أصلاً.» خرج صوته بارداً خالياً من النبرة. «زوجة أبيكِ وقّعت العقد هذا الصباح، ولو لم آخذكِ أنا، لكانت عائلة فيرا قد أخذتكِ... وهم ليسوا بحاجة إلى بقائكِ حيّة.»
جمّدتني كلماته في مكاني.
فيرا كراون؛ الوريثة الذئبة الشقراء التي كان يُفترض أن يوضع هذا الخاتم في إصبعها. لقد رأيتُ ملامح وجهها حين مزّق كايل عقدها بدلاً من ذلك، وبدت لي وقتها كأنها تريد أن تنهش حنجرتي بأنيابها.
سألتُه: «لِمَ أنا؟ لِمَ لم تكن هي؟»
لم يجبني كايل على الفور، بل تحرّك صوب النافذة، فالتمس به ضوء القمر بزاوية مريبة؛ ولثانيةٍ واحدة، خُيّل إليّ أنني ألمح شيئاً آخر يتفلّت من تحت جلده، ظلاً وهيئة لا تنتمي لعالمنا.
قال في نهاية المطاف: «لأن سلالة فيرا تعجز عما تفعله سلالتكِ.»
«وما معنى هذا الكلام بالله عليك؟»
التفتَ نحوي، واشتعل البريق الذهبي في عينيه توقداً: «معناه أن دمكِ هو ما يمنعني من اقتلاع رأس أحدهم عند الخسوف القادم.»
ضحكتُ، ولم أستطع منع نفسي: «والله إنك مجنون.»
«ربما.» طوى المسافة بيننا في خطوتين، وفي رمشة عين استقرّت كفّه على الجدار بجانب رأسي، حتى إني لم ألحظ حركته من فرط سرعتها. «لكنكِ ما زلتِ تلبسين خاتمي، ولن يخرج من إصبعكِ حتى يستوفي العقد أجله... أو يموت أحدنا.»
تسارعت نبضات قلبي، فقد عاد واقترب مني كثيراً؛ صرتُ أرى تفاصيل فكه الحاد، وأثر الندبة الخفيفة فوق حاجبه الأيسر، وبؤبؤي عينيه اللذين ضاقا تماماً كعيني قطّ.
قلتُ: «ارجع وراك.»
ولم يتحرك.
«قلت لك تراجع!»
«أجبريني لو تقدرين.»
فرفعتُ ركبتي وسددتها بقوة صوب خاصرته.
لكنه تلقّفها؛ أطبقت يده حول فخذي قبل أن ألمسه، ونفذت حرارة كفه كالجمر عبر القماش الرقيق لفستان الزفاف المستعار. وقفنا هكذا للحظة متجمّدين، يده تقبض على ساقي وأنفاسي تتلاحق في صدري.
قلتُ: «أنت أسرع مما تبدو.»
«وأنتِ أغبى مما توقعت.» لكنه أفلتني وتراجع خطوة، ثم فتح قبضة يده وضمها بجانبه كأنها تبحث عما تمسك به. «تبين الفكّة من هالموضوع؟ زين، فيه بند واحد في العقد يخلّيكِ تطلعين منها.»
اعتدلتُ في وقفتي: «قل لي.»
«أثبتي أنني غير أهلٍ للقيادة؛ قدّمي دليلاً للمجلس على أنني أشكل خطراً على القطيع، وسيبطلون الزواج ويعدمونني بدلاً من ذلك.»
انعقدت أمعائي من هول الفكرة: «هذا ماهو مخرج، هذا قتل عمد!»
«هذا هو الاتفاق المتاح.» أمال رأسه وهو يتفرّس في وجهي: «أو تظلين زوجتي وتلعبين الدور؛ فتحصل عائلة زوجة أبيكِ على المقابل المالي، وأحافظ أنا على رأسي، وتعيشين أنتِ في بيتٍ دافئ بحق وطعامٍ لم ينتهِ تاريخه بعد.»
«ما أبي فلوسك.»
«أجل وش تبين؟»
تطلعتُ فيه ملياً، تفحصته بتمعّن؛ حياكة بدلته المتقنة، وخاتم الذهب في يده اليسرى المطابق للذي يلسع إصبعي، وتلكما العينين اللتين لم تكونا كأعين البشر.
ثم لمع طيف أمي في بالي...
تذكرتُ تركيبة العطر التي أمضت 15 عاماً وهي تضبط تفاصيلها حتى أتقنتها؛ تلك التركيبة التي سرقتها زوجة أبي وباعتها بعد الدفن بثلاثة أيام، وكان الأصل أن تكون من نصيبي.
قلتُ له: «أبيك تساعدني أسترجع حقي.»
تجمّد كايل مكانه: «وشو؟»
«تركيبة عطر أمي، تلك التي اشتراها قسم العطور في قطيعكم للتو من عائلة زوجة أبي.»
لم تتغير ملامحه، لكن لمع في عينيه شيءٌ جديد؛ بريق حساباتٍ دقيقة واهتمامٍ بالغ.
قال: «تبيني أسرق من حلال شركتي يعني؟»
قلتُ بثبات: «أبيك تجيب لي اللي هو حقي من الأساس. أنت محتاجني حيّة عشان تحافظ على منصبك وتاجك، وأنا محتاجتك تساعدني أسترد اللي انسرق مني. هذا هو الاتفاق.»
حدّق بي طويلاً دون أن ينبس ببنت شفة، ثم انسابت على محياه ابتسامة بطيئة؛ لم تكن ابتسامة وادعة، بل من ذلك النوع الذي يجعلك تتلفت فوراً بحثاً عن مخارج النجاة.
قال: «طلع عندك أنياب... ما توقعتها منكِ.»
قلتُ: «اتفقنا ولا لا؟»
اقترب مني خطوة أخرى. هذه المرة لم أتراجع، بل ثبتّ في مكاني، حتى حين ارتفعت يده ولمست أصابعه طرف فكي. كانت لمسته دافئة.. دافئة أكثر من اللازم، واستقر إبهامه تحت ذقني مباشرة ليرفع وجهي نحوه.
قال بنبرة هادئة: «بيننا اتفاق.. لكن إن فكّرتِ تهربين، والله لأجيبك لو وين ما كنتِ. وإن حاولتِ تفضحيني قبل ما أكون جاهز، بأضمن إن عائلة زوجة أبوكِ يحطّون يدهم على كل دليل يحتاجونه عشان يرمونكِ بالسجن بتهمة الاحتيال.»
ارتطم قلبي بأضلاعي بعنف، وقلت: «تهدّد على الفاضي.. ما عندك شيء.»
«جرّبيني وشوفي.»
أزحتُ يده عني بحزم: «طيب، بس أبيه مكتوب.»
«ما راح نترك أي أثر ورقي.»
«أجل عطني شيء يثبت إنك بتوفي بكلمتك.»
اتسعت ابتسامة كايل، ومدّ يده داخل سترته ليخرج هاتفاً أسود نحيفاً. ثلاث نقرات سريعة، ثم أدار الشاشة نحوي.
كان ملحقاً لعقد؛ اسمي، واسمه، وبندٌ واحد ينص على: *مقابل استمرار التعاون، يتكفّل ك. ميرسر باستعادة تركيبة عطر فيل 47 لصالح ل. فيل خلال ستين يوماً من تاريخ التوقيع.*
قال لي: «وقّعي.»
أخذتُ الهاتف وقرأتُ البند مرتين، ثم وضعتُ إبهامي على الماسح الحيوي أسفل الشاشة.
ومضت الشاشة بضوء أخضر.
وفي اللحظة ذاتها، اشتعل الخاتم في إصبعي بحرارة لافحة.
شهقتُ وسحبتُ يدي فجأة؛ لقد تحوّل لون المعدن من الفضي إلى أحمر قاني، وبدأت حروفٌ تزحف على سطحه بلغة لم أعهدها من قبل.. قديمة، ملتوية، ومريبة.
أمسك كايل بمعصمي وجذب يدي نحو الضوء.
توهجت الكلمات ببريق أشد.
ثم تحركت، وتبدلت، لتتحول إلى الإنجليزية:
*إذا ماتت العروس، يخسر الوريث تاجه.. ورقبته.*
شحب وجه كايل تماماً.
همستُ بذهول: «وش هذا بحق السماء؟»
قال وصوته يبدو بعيداً وخاوياً: «شرط دم.. فيه أحد دسّه في العقد الأصلي. لو تموتين قبل المحاكمة، يحق للمجلس يعدمني في لحظتها.»
«ومن اللي ممكن—»
«فيرا.» أفلت معصمي وتراجع خطوة إلى الوراء. ولأول مرة منذ أن سحبني من أمام ذلك المذبح، رأيتُ في عينيه خوفاً حقيقياً: «أكيد رشت أمين العقود.. تبي موتي، والحين تأكدت إنكِ أنتِ الزناد اللي بيطلق الرصاصة.»
حدقتُ في الخاتم، وفي تلك الحروف الحمراء التي ما زالت تكوي بشرتي.
قلتُ ببطء: «يعني لو أحد قتلني.. أنت بتموت بعد.»
رفع كايل بصره، والتقت عينانا.
ثم قال: «وهذا معناه إني صرت الحصن الوحيد اللي واقف بينكِ وبين كل شخص يتمنى زوالي.»