رجوع

عروس العقد الخاطئة للألفا

0%

Chapter 3 · لينا تكتشف ثغرة العقد القبيحة

عروس العقد الخاطئة للألفا Chapter 3

«لازم تختفين.» أطبق كايل قبضة يده على معصمي قبل أن أتمكن من دسّ هاتفي في جيبي. «الحين.»

«اتركني!» لويتُ معصمي محاولةً التملص، لكن قبضته لم تتزحزح قيد أنملة. كان الخاتم في إصبعي ما يزال يشتعل بحرارة لافحة، بينما تلاشى الوشم القاني المشابه للدم عائدًا إلى لونه الفضي. «أنت اللي لبّستني هالمصيبة بيدك!»

«ما كنت أدري إن فيرا عدّلت نص القسم!» انخفض صوته إلى نبرة أقرب إلى هدير وحش كاسر. «إذا متِّ، أنا أموت وراك. وهذا يخلّيكِ أسهل صيد في نورثبريدج كلها.»

«عيل كان المفروض تقرأ عقدك قبل ما تورّطنا.»

جذبني بعنف نحو باب المكتب، فغرستُ كعبي في السجادة مقاومةً: «على وين ماخذني؟»

«مكان ما يقدرون يوصلون لك فيه قبل طلوع الفجر.»

«هم؟» انتزعتُ يدي من قبضته وتراجعت نحو النافذة خطوتين: «من هم ذولا؟»

توقف كايل، واشتد فكّه كأنه يطحن الزجاج بين أسنانه: «عيال عمي. وجماعة فيرا. وأي أحد عينه على منصب آل ميرسر وما عنده مانع يدوس على جثة عشان يوصل له.»

أطلقتُ ضحكة حادة خرجت مبتورة في غير محلها: «يعني الجميع.»

«إيه،» قالها دون أن ينكر، «الجميع.»

انفتح الباب فجأة بعنف. دلفت امرأة ترتدي بذلة بلون الفحم، يحيط بها رجلان بمعطفين داكنين من الصوف. كانت ملامح وجهها وتقاطيع عظامها تشبه فيرا، لكن بخطوط أقسى، وكأن أحدهم نحتها من رخام المحاكم البارد.

«كايل.» قالتها دون أن تلتفت نحوي: «المجلس يبي التأكيد.»

«مو وقته يا مارغو.»

«بل وقته، والحين بعد.» انزلقت نظرات مارغو نحوي أخيرًا؛ نظرة باردة متفحصة. «هذي هي البديلة؟»

فتحتُ فمي لأرد، لكن كايل سدّ الفراغ بيننا بجسده: «هذي زوجتي. وهذا كل اللي يلزمك تعرفينه.»

«زوجتك؟» ابتسمت مارغو ابتسامة لم تبلغ عينيها: «تلك المربوطة بنبضك؟ يا للمصادفة العجيبة.»

«اطلعي برا.»

«بطلع، بس بعد ما توقّع على التنازل.»

تصلب جسد كايل: «أي تنازل؟»

أخرجت مارغو جهازًا لوحيًا من تحت معطفها ومدّته نحوي: «إجراءات المجلس المعتادة؛ إذا ارتبطتِ بالوريث، تسقط حقوقك في المحاكمة، ومطالبات الملكية، وأي مساءلة قانونية ضد العشيرة. وقّعي هنا.»

لم أمد يدي لآخذ الجهاز: «وإذا ما وقّعت؟»

«يبطل الزواج، ويواجه كايل المحاكمة عند مطلع القمر،» مالت برأسها قليلاً وأردفت: «يعني يموت قبل ينتصف الليل، وتصيرين أنتِ حرة طليقة... ضربة وحدة ترضي الكل.»

استقرّت يد كايل على كتفي، وضغطت أصابعه بقوة تكاد تترك كدمة: «لينا، إيّاكِ.»

نظرتُ إلى الشاشة؛ كان التنازل يمتد عبر ثلاث صفحات كُدست بخط قانوني بالغ الصغر. التقطت عيناي بعض العبارات: "موافقة غير قابلة للرجوع"، "خضوع لولاية العشيرة القضائية"، "تحكيم ملزم".

قلتُ باقتضاب: «لا.»

طرفت مارغو بعينيها دهشةً: «عفواً؟»

«قلت لا.» دفعتُ الجهاز اللوحي عائدةً به إليها: «ماني موقّعة على أي شي الليلة.»

«معناته إنك جالسة تذبحينه بيدك.»

«يجوز،» صوّبت عينيّ في عينيها مباشرة: «أو يمكن ماني مستعدة أثق بعقد جاني بعد ثلاثين ثانية من عقد قبله بغى ينهي حياتي.»

تقدم أحد الرجلين خطوة إلى الأمام، لكن كايل كان أسبق منه؛ دفعني خلف ظهره واستقرّت يده على حزامه. لم أرَ سلاحًا في يده، إلا أن الرجل تجمد في مكانه كالصنم.

«مارغو،» خرج صوت كايل كحفيف خشن: «خذي رجالك واقلبي وجهك.»

تأملته طويلاً، ثم وضعت الجهاز تحت إبطها وابتسمت ببرود: «معكم إلين الفجر. بعدها يجتمع المجلس ونطرح الموضوع للتصويت.»

«أي تصويت؟»

«إمّا إبطال العقد والمضي في محاكمتك،» استدارت نحو الباب وهي تكمل: «أو نترك عروستك الآدمية هذي تجرك معها للقاع أول ما يلقاها أول قاتل مأجور.»

انصفق الباب وأطبق قفله بصوت خافت. لم يتحرك كايل من مكانه. كنت أشعر بوهج الحرارة المنبعث من ظهره، وأسمع أنفاسه التي غدت سريعة متقطعة.

«كايل.»

التفت نحوي بحركة مباغتة، ولم تكن عيناه على طبيعتهما؛ كانتا تلتمعان ببريق متقد، وبؤبؤاه ضاقا بشكل مريب: «لازم تطلعين من نورثبريدج كلها.»

«أبي تركيبة أمي أولاً.»

«المطلوب الحين إنك تظلين حية!»

«عيل ساعدني ألقاها!» خطوت نحوه مقتربة، حتى صرت على مسافة تتيح لي شم رائحة خشب الأرز والدخان العالقة بقميصه: «أنت وعدتني تساعدني أطيّح زوجة أبوي وبناتها. هذا كان الاتفاق بيننا.»

«الاتفاق كان قبل ما ينحط على ظهرك هدف يترصده الكل.»

«الهدف هذا محطوط على ظهري طول عمري.» سحبتُ هاتفي وفتحت الصورة التي التقطتها في البيت؛ صورة دفتر مذكرات أمي، والصفحة التي انتُزعت منها التركيبة بتمزيق واضح. «هم قتلوها عشان هالورقة... تحسبني بهرب قبل ما أثبت هالشي؟»

حدّق كايل في الشاشة، وتغيّر شيء ما في تعابير وجهه: «من وين جبتي هذي؟»

«من مرسمها، قبل ما يعرضون كل شي للبيع.»

«متى؟»

«قبل ثلاث سنين. أول ما قفّل الطب الشرعي القضية وقالوا حادث قضاء وقدر.»

امتدت يده فجأة وخطف الهاتف مني، ثم قرّب الصورة عند الحافة الممزقة، ومسح الشاشة لينتقل للصورة التالية. كان هناك خط أمي على الهامش، ونصف جملة مبتورة: *إذا درى المجلس عن—*

«إذا درى عن إيش؟» حاولت استعادة الهاتف، لكن كايل رفعه بعيدًا عن متناولي.

«أمك كانت تعرف المجلس؟»

«أمي كانت تعرف الكل! كانت تسوي عطور لنصف ذئاب هالمدينة.»

«لا،» رد الهاتف إليّ بحركة جافة: «أمك كانت تسوي شي ثاني... شي كانوا يبون يدفنونه للأبد.»

تسارعت نبضات قلبي فجأة: «وش درّاك؟»

«لأني شفت هالشي من قبل.» أخرج هاتفه الخاص وتصفح مجلدًا فيه، ثم أدار الشاشة نحوي. رأيت صورة لدفتر جلدي، بالحواف الممزقة ذاتها، ونوع الحبر نفسه: «أبوي كان يسجل كل شي؛ كل صفقة، كل جميل، كل تهديد حاول المجلس يدفنه. وقبل ما يموت بأسبوعين، انشقّت من دفتره خمس عشرة صفحة.»

«مين شقّها؟»

«ما أدري. لكن آخر سطر مكتوب قبل الصفحات المفقودة يذكر صانعة عطور من البشر، قدرت تبتكر طريقة لتركيب فيرومونات الذئاب معملياً.»

شعرت بالغرفة تميد بي، فأمسكت بحافة المكتب أستند عليها: «هذا مستحيل...»

«يصير ممكن، إذا كان عندك مستخلص جذور القمر، وما عندك مانع تكسرين ستة قوانين من تشريعات الفصائل،» أعاد كايل هاتفه إلى جيبه وهو يضيف: «أمك ما كانت مجرد عطّارة عادية... أمك كانت كيميائية داهية، وكانت تتاجر مع واحد من داخل العشيرة.»

«من هو؟»

«شخصٌ ذو نفوذٍ كبير بما يكفي ليجعل موتها يبدو حادثاً عادياً ونظيفاً». اشتدّ فكّه ثم أضاف: «وشخصٌ لا يريدكِ، بأي حال من الأحوال، أن تطّلعي على ذلك العقد».

نظرتُ إلى الخاتم في إصبعي؛ كان يستقر ثقيلاً وبارداً، ونُقشت على فضّته رموزٌ عجزتُ عن قراءتها. فقلتُ: «وش قصدك؟»

«وثيقة التنازل التي أحضرتها مارغو لم تكن إجراءً نظامياً من المجلس». تقدّم نحو النافذة وأزاح الستارة قيد أنملة، وتابع: «كانت أمر تصفية. توقّعين على التنازل عن حقوقكِ فتختفين من الوجود؛ بلا محاكمة، ولا تحقيق، ولا أحد يسأل لماذا هلكت عروس الوريث في حادث مأساوي».

«لكنك أوقفتني».

«منعتكِ حتى لا تسهّلي الأمر عليهم». ترك الستارة لتنسدل، ثم أردف: «والآن، لازم نصعّبها عليهم».

توجّهتُ نحو المكتب وفتحتُ الدرج. كانت بالداخل حزمة من الأوراق يعلوها عقد الزواج. قلّبتُ الصفحات حتى وقعت عيني على البند الذي أشارت إليه مارغو: تحكيمٌ ملزم. ولاية القطيع القضائية. موافقة لا رجعة فيها.

ثم، مدفوناً في البند الفرعي الثالث، استوقفني سطرٌ كُتب بخطٍّ أصغر: *في حال الإخلال الجوهري أو التدليس الموجب للتعاقد، يُعدّ العقد باطلاً ويُعاد جميع الأطراف إلى ما كانوا عليه سابقاً.*

قرأتُه ثانية، ثم علت وجهي ابتسامة.

لمح كايل تعبير وجهي فقال: «وش عندك؟»

«تدليس موجب للتعاقد». نقرتُ بأصبعي على السطر وتابعت: «هذه هي الثغرة».

«لينا».

«أجبروني على هذا الزواج... لم يخبروني بيمين الدم، ولا بأني سأكون هدفاً مستباحاً، ولا بأن مقتل أمي مرتبط بالأمر كله». رفعتُ عينيّ إليه وقلت: «هذا تدليسٌ وغش صريح».

«ما تقدرين تثبتين هذا».

«أقدر إذا لقيت باقي العقد». انتزعتُ الخاتم من إصبعي، لكنه قاوم وتشبّث بجلدي وكأنه التحم بعظمي. شددته بقوة أكبر، فخدش المعدن راحتي وشقّها، وسرعان ما تفجّر الدم منها.

اندفع كايل نحوي، لكنني كنتُ قد ضغطتُ بالفعل كفي النازفة فوق الخاتم.

توهّجت الفضة ببياضٍ ناريّ لافح، وزحفت الرموز صاعدة نحو معصمي كحبرٍ حيّ، تحرق وتتمدد. امتلأت الغرفة برائحة الأوزون ورائحة الحديد العتيق، وناهت إلى مسمعي أصواتٌ متداخلة تأتي من بعيد، ترتل بلغةٍ أجهلها.

وفجأة، اخترق ذلك كله صوتٌ واحد؛ كان جليّاً وبارداً، ومألوفاً لدرجة لا تُصدق.

*«إياكِ أن تثقي بوريث القمر».*

صوت أمي.

نبض الخاتم نبضة واحدة ثم خمد الضوء. ترنّحتُ إلى الخلف متشبثةً بمعصمي، وكانت الرموز قد غابت، غير أن الجرح ظل ينزف دماً داكناً على مهل.

تداركني كايل ممسكاً بي قبل أن أرتطم بالأرض، وهتف: «وش اللي سويتيه هذا بحق السماء؟»

عجزتُ عن النطق؛ كنتُ أحدّق في كفي، وفي الدم الراكد بين خطوطها، وفي الكلمات التي خُدشت على لحمي بحروف حمراء دقيقة:

*البند 7: يحق للعروس المطالبة بالمحاكمة بموجب شريعة القطيع إذا كذب الوريث بشأن مقتل والدتها.*

وقع بصر كايل على العبارة فشحب وجهه كلياً.

قلتُ بنبرة لم تهتز: «قل لي... كنت تدري؟»

لم يفلتني، ولم يتراجع، بل حدّق فيّ بعينيه البراقتين بحدّة، وقال: «نعم».

انصفق الباب منفتحاً بعنف. وقفت مارغو في الردهة وفي يدها جهازٌ لوحي، وخلفها رتلٌ من الذئاب بزيّ المجلس الرمادي.

وقالت بصوت حاسم: «لينا فيل... لقد احتكمتِ للتو إلى محاكمة الدم. سينعقد القطيع عند الفجر».