Chapter 4 · دمها يُسكّت ذئبه

«لازم تجين معي.» أطبقت مدبرة المنزل يدها على معصمي بقوة قبل أن أنتهي حتى من لفّ الجرح.
«على وين؟»
«مكتب السيد ميرسر. الحين.»
لم تنتظر مني جواباً، بل سحبتني خلفها عبر الردهة وكأنني مجرد شحنة تجرّها. كفي لا تزال تنزف من خلال منشفة المطبخ، وخاتم القمر يدندن حول إصبعي، دافئاً على نحوٍ مريب.
كان باب المكتب مفتوحاً. وفي الداخل، كان كايل منحنياً فوق مكتبه، وراحتا يديه مبسوطتان على الخشب. كتفاه مشدودتان بتصلّب، وصوت أنفاسه لاهثٌ وعالٍ أكثر من اللازم.
قالت مدبرة المنزل: «طال عمرك، جبتها.»
لم يرفع كايل بصره: «اطلعي برا.»
فخرجت مسرعة.
وقفتُ عند عتبة الباب: «ناوي تفهّمني وش اللي صار تحت، ولا أقعد أخمّن؟»
«سكّري الباب.»
«لا.»
ارتفع رأسه فجأة، ولم تكن عيناه طبيعيتين على الإطلاق؛ بريقهما متوهجٌ بحدة، ولون الذهب يتسرّب إلى بياضهما: «سكّري الباب يا لينا.»
خطوتُ إلى الداخل وركلتُ الباب بكعبي ليُغلق: «شكلك يروّع.»
«تعالي هنا.»
«ماني بمتحركة لين تقولي وش السالفة.»
دفع نفسه عن المكتب وقطع مسافة الغرفة في ثلاث خطوات واسعة. وقبل أن أتمكن من التراجع، كان قد أطبق على معصم يدي المجروحة. قبضته كانت حذرة، حذرة بزيادة، وكأنه يمسك بشيء يوشك أن ينفجر.
«وش قاعد تسوي؟»
«اسكتي عشر ثوانٍ بس.»
ضغط بإبهامه على باطن كفي، فوق الجرح مباشرة. تلطخ الدم بين بشرتي وبشرته، فأخذت أنفاسه تهدأ، وخبا وهج الذهب في عينيه قليلاً.
انتزعتُ يدي من قبضته: «ودّك تفهّمني وش هالمهزلة بالضبط؟»
«دمّك.»
«إيه، لاحظت. صاير تشتهيه ولا وش السالفة؟»
أدار وجهه ومرر يده بين خصلات شعره: «يوقّف التحوّل.»
«يوقّف وشو؟»
«الذئب. لما يثور بسرعة، ما أقدر أسيطر عليه دايم وأردّه. ودمك يهدّيه.»
بحملقتُ فيه: «وعشان كذا ساحبني فوق؟ عشان تستخدمني كأني وصفة علاج؟»
«أنا ما سحبتك. السيدة لانغ هي اللي جابتك.»
«مجرد تلاعب بالكلام.»
التفتَ نحوي مجدداً، وقد تلاشى الذهب من عينيه تقريباً. بدا متعباً... وبشرياً: «خاتم القمر يربطنا ببعض. دمك ارتبط بدمي، ولما يصير التحوّل مضطرباً وخارجاً عن السيطرة، ما فيه شيء ينفع غيرك.»
«ينفع لوشو؟ عشان يمنعك تتحول لوحش بنص بيتك؟»
«إيه.»
وقعت كلمته جافة قاطعة؛ بلا عذر، وبلا مراوغة.
أحكمتُ لفّ المنشفة حول يدي: «وإذا ما كنت موجودة، وش بيصير؟ تفقد عقلك وتاكل الخدم؟»
«أنزل للقبو وأربط نفسي بالسلاسل في الجدار لين تعدّي النوبة.»
قالها بنبرة عادية تماماً، وكأنه يتحدث عن تناول حبة أسبرين.
«يا ساتر.»
«هذي ماهي بمشكلتك.»
«إلا خليتها مشكلتي يوم غصبت هالخاتم في إصبعي.»
لم يجادلني، بل أرجع ظهره مستنداً إلى المكتب وراح يراقبني: «أنتِ فعّلتِ البند المخفي. وش شفتِ؟»
«سمعت صوت أمي. تحذير.»
«تحذير من وشو؟»
«قالت لي لا أثق في العقد. وأن فيه أحد غيّر فيه بعد ما وقّعته هي.»
سكن كايل تماماً: «أمك كان عندها خاتم قمر؟»
«ما أدري، يمكن. هي كانت تشتغل عند عائلتكم، صح ولا لا؟»
«مو بشكل مباشر. كانت تزوّد مناسبات القطيع بالعطور، طلبيات خاصة وراقية.»
«وعمرك ما شفتها؟»
«مرة، أو مرتين. كنت صغير وقتها.»
دنوتُ منه خطوة: «أجل وش اللي يخلّي صوتها يطلع في بند عقد مربوط بدمي أنا؟»
«ما أدري.»
«قاعد تكذب.»
اشتدّ فكه بصرامة: «ما أكذب.»
«أجل خمّن.»
«لينا.»
«خمّن يا كايل.»
زفر بضيق وحرقة: «لو كانت أمك وقّعت ميثاق قمر قبل ما تموت، وأحد عدّل عليه، فممكن هالرابط ينتقل لكِ أنتِ. روابط الدم ما تنكسر لمجرد إن الموقع الأصلي مات.»
«يعني أنا ورثت عقدها.»
«يمكن.»
«وما كان عندك أي علم؟»
«أبد.»
ضحكتُ بسخرية حادة: «لبّستني خاتم وقفلتَه عليّ وأنت ما تدري بوشو مربوط؟ قمة الذكاء والله.»
«كنت محتاج عروس، وأنتِ كنتِ موجودة، والخاتم قبلك. ما كان عندي وقت أسوي فحصاً كاملاً لسلالة الدم.»
«وليش ما كان عندك وقت؟»
«لأن المحاكمة بعد أسبوعين، وإذا ظهرت قدامهم بدون رفيقة مرتبطة برباط، مجلس القطيع بيجرّدني من حقي ويعدمني بتهمة عدم استقرار السلالة.»
خيّم على الغرفة صمتٌ مطبق، حتى بتُّ أسمع تكتكة ساعة الحائط.
كررتُ بذهول: «يعدمونك؟»
«إيه.»
«عشان وشو؟ لأن تحوّلك عنيف بزيادة؟»
«لأني أشكّل تهديداً. سلالة أبوي فيها طفرة، وكل ثالث جيل، الذئب يصير أقوى... أقوى من اللازم. وإذا ما قدرت أثبت إني متحكم فيه، بيصفّوني قبل ما أتحول لمشكلة.»
«والخاتم يثبت تحكمك؟»
«الرابط هو اللي يثبت. يثبّت التحوّل ويخليني مؤهلاً.»
ضغطتُ بإبهامي على الجرح في كفي، فاللسعة الحارقة تُبقيني متيقظة: «يعني استغلّيتني.»
«إيه.»
«وإذا طلعت من هنا الحين ومشيت؟»
«ما تقدرين. الرباط مقفول لمدة 30 يوماً. وبعدها، لكِ الحق تطلبين فسخه.»
«30 يوماً.»
«إيه.»
«وإذا متّ أنت قبل هالوقت؟»
«ينكسر الرباط، وترجعين لبيتك.»
تأملتُ ملامح وجهه؛ لم يكن يمزح، ولا يحاول إخافتي، بل كان يبسط الأمور أمامي بكل تجرد.
«ليش قاعد تقول لي هالكلام؟»
نهض عن المكتب واتجه نحو النافذة: «لأنك بتعرفين على كل حال. وأفضّل تسمعينها مني بدال ما تسمعينها من فيرا في عشاء القطيع الجاي.»
«فيرا... خطيبتك السابقة.»
«ماهي بسابقة بهالمعنى. كنا مخطوبين، وهي اللي فسخت الخطوبة.»
«ليش؟»
«عرفت بسالفة الطفرة. وما بغت تخاطر برباط مع شخص يمكن يفقد عقله ويذبحها.»
«والله إنها ذكية.»
التفتَ إليّ بنظرة عابرة: «وأنتِ للحين هنا.»
«ناشبة هنا بحكم العقد.»
«تقدرين تهربين. ترى كثير حاولوا يكسرون رباط القمر قبلك.»
«وبعدين؟ وش صار لهم؟»
«أغلبهم ماتوا. الرباط ما يحب أحد يقطعه قبل وقته.»
مشيتُ نحو المكتب وجلستُ على حافته. قدماي مهدودتان، ويدي تؤلمني: «ما شاء الله عليك، أخبارك كلها تشرح الصدر.»
«أنتِ اللي سألتِ.»
«إيه... صادق، أنا اللي سألت.»
استدار نحوي بكامل جسده، وعقد ذراعيه على صدره: «وش تبين يا لينا؟»
«أبي أسترجع تركيبة أمي. وأبي أعرف من اللي قتلها. وأبي أفهم وش هالورقة اللي وقّعتها وانتهى بها المطاف خاتمًا في إصبعي!»
«أجل، نشتغل سوا.»
«وليش بتساعدني؟»
«لأنه لو كان فيه أحد تلاعب بعقد أمك، فهو تلاعب بعقدي أنا بعد. ولازم أعرف من اللي قاعد يعبث بقوانين القطيع قبل لا أدخل ذيك المحاكمة.»
وقفتُ على قدميّ: «زين. بس ماني كيس دم أليف عندك. تحتاجني عشان تهدّي ذئبك؟ تطلب مني أول.»
«تم.»
«ويكون لي صلاحية كاملة للاطلاع على أي سجلات تخص أمي.»
«تم.»
«وتقول لي الحقيقة كاملة. ما أبي فراغات وتجاوزات على كيفك بعد اليوم.»
تردد لحظة، ثم أومأ برأسه: «تم.»
مددتُ يدي إليه، وكان أثر الجرح ما يزال ظاهرًا عبر المنشفة: «صافحني عليها أجل.»
نظر إلى كفّي، ثم رفع عينيه إلى وجهي: «ما تثقين بالاتفاق الشفهي؟»
«مو من ذئب.»
كاد يبتسم. كاد فعلًا. ثم أخذ يدي بحذر متفاديًا موضع الجرح، وضغط عليها مصافحًا لمرة واحدة. كانت راحة يده دافئة وخشنة. وحين أطلق يدي، سرت في خاتم القمر برودةٌ مفاجئة التمعت على جلدي.
قال: «فيه غرفة سجلات في الجناح الشرقي. بالدور الثالث. والمفتاح مع السيدة لانغ.»
«ببدأ من هناك.»
«لينا.»
توقفتُ عند الباب: «وش عندك؟»
«لا تروحين لحالك. بعض الملفات محمية بتعاويذ، وإذا ما كان عندك إذن، بتحترق.»
«تحترق؟»
«سحر ذئاب. العقود القديمة ما ترضى تلمسها سلالة دم ما هي لها.»
أدرتُ مقبض الباب: «أجل بتجي معي.»
«بكرة. بعد اجتماع المجلس.»
«زين.»
فتحتُ الباب وخرجتُ إلى الردهة. كانت يدي تنبض بالألم، وبرودة الخاتم ما تزال تسري فيها. وفي منتصف طريقي إلى غرفتي، تذكرتُ الظرف الذي تركته لي أمي؛ ذلك الذي حشرتُه في حقيبتي على عجل قبل العرس.
أخرجتُه من مكانه، ومزقتُ طرفه لأفتحه.
في الداخل، كانت هناك ورقة واحدة مطوية، بخط يد أمي. تركيبةٌ دوّنتها باختصاراتها المعتادة، بالكاد استطعتُ فكّ رموزها. لكن في أسفل الصفحة، وبطباعة واضحة أنيقة، كان هناك شيءٌ آخر.
أمر استدعاء.
محكمة محاكمة الذئاب. مجلس قطيع نورثبريدج. وكان الموعد محددًا قبل 15 سنة.
والاسم المدون على الاستدعاء لم يكن اسم أمي.
بل كان اسمي أنا.