رجوع

عروس العقد الخاطئة للألفا

0%

Chapter 5 · استدعاء تحت ضياء القمر

عروس العقد الخاطئة للألفا Chapter 5

«عليكِ أن تسلميني تلك الورقة.»

جاء صوت كايل من عند الباب، خافضًا وحادًا كالنصل.

لم أرفع بصري عن دفتر وصفات أمي. كان استدعاء محاكمة الذئاب يقبع تحته، واسمي مطبوع عليه بحروف جامدة وباردة: «أيّ ورقة تقصد؟ عقد الزواج أم وثيقة إعدامي؟»

«الاثنتين معًا.»

«لا، أبدًا.»

قطع الغرفة في ثلاث خطوات واسعة. سمعت صرير ألواح الأرضية، وشممت رائحة خشب الأرز والدخان تلك التي تدل على أنه صار قريبًا، قريبًا أكثر مما ينبغي. ظلّت عيناي معلقتين بالصفحة، بخط يد أمي، وبالملاحظة الصغيرة التي خطتها على الهامش: *إذا سألوكِ، فأنتِ لا تدرين شيئًا*.

«لينا.» هبطت يده على المكتب، على بعد بوصات قليلة من يدي. «محكمة القطيع ستنعقد مساء الغد. وإذا وقعت أعينهم على هذا الاستدعاء...»

«وماذا عساهم يفعلون؟» قلبت الصفحة ببرود. «يقتلونني؟ هم أصلًا يريدون رأسي، وهذا مكتوب هنا بالخط الصريح.»

«سيستغلونه دليلًا قاطعًا على ضلوعكِ في الأمر.»

«ضلوعي في ماذا بالله؟» رفعت بصري إليه حينها، والتقت عيناي بعينيه؛ بريق ذهبي يلمع في الظلمة، ينذر بالخطر. «ما الذي اقترفته أمي حتى يُوضع اسمها على قائمة اغتيالات الذئاب؟»

اشتدّ فكّ كايل، ولم ينبس ببنت شفة.

«تمام، كما توقعت.» عدت ببصري إلى الدفتر. «تريد مني إذن أن أسلّمك الدليل الوحيد بيدي على أن هناك من أراد موتها في عالمكم هذا. ذكاء باهر والله.»

«أريدكِ حيّة.»

«بل تريد تاجك وسلطتك.» قلبت صفحة أخرى، رغم أنني لم أعد أرى الحروف. كان نبضي يتسارع بجنون حتى كاد يقفز من حنجرتي. «أنت بحاجة إلى عروس معك في المحاكمة وإلا خسرت قيادة القطيع. هذا ما قاله نواه لي بالحرف. وأنا لست سوى بديلة رخيصة خطفتها حين انسحبت فيرا وتخلت عنك.»

ساد الصمت؛ صمت ثقيل خانق.

ثم تحرك كايل فجأة. أطبقت كفه على يدي، فسمّرها فوق الصفحة. كانت يده دافئة، دافئة أكثر من اللازم. وأحسست بضربات نبضه تصطدم بمفاصل أصابعي، سريعة وقوية.

«انظري إليّ.»

لم أكن أريد ذلك؛ فالنظر في عينيه يزيد الأمور تعقيدًا، ويسلبني غضبي. لكني فعلتها على أي حال؛ أملت رأسي لأعلى، ولاقيت عينيه الموشاتين بوميض الذهب.

«أتحسبين أنني أخذتكِ لأنكِ رخيصة؟» انخفض صوته واكتسى بخشونة موجعة. «تظنين أنني لا أعلم كم يكلفكِ الجلوس في هذا البيت والتظاهر بأنكِ تنتمين إلى هذا المكان؟»

«أنا لا أنتمي إلى هنا.»

«صحيح، لستِ منا.» دنا مني أكثر حتى تنشقت عبق الأرز والدخان، وشيئًا آخر خفيًا يخصه وحده. «لكنكِ تضعين خاتمي في إصبعكِ، ووقّعتِ على عقد القمر. ومساء الغد، كل ذئب في نورثبريدج سيحاول أن يثبت أنكِ تشكلين تهديدًا، ليمزقوا هذا الزواج ويقضوا عليّ.»

احتبست أنفاسي في صدري. «يقضون عليك؟»

«معضلة الوحش في داخلي.» تحرك إبهامه فوق ظهر يدي بحركة بطيئة ومدروسة. «سيتحججون بأني فاقد للسيطرة ولا أصلح لقيادة السلالة. سيطالبون بإعدامي أو نفيي. والشيء الوحيد الذي يقف حائلًا بيني وبين نحري هو أنتِ.»

كان حريًا بي أن أسحب يدي، وأن أطلب منه الابتعاد، وأن يخرج ويكف عن لمسي وكأن له حقًا عليّ. غير أن نبضه كان يقرع بعنف على جلدي، ولمست التوتر الكامن في أصابعه، وتشبثه بي وكأنني سأتلاشى من بين يديه.

«أنت محتاج إليّ إذن،» قلتها. «هذا ما تقصده.»

«نعم.»

«وإذا سلّمتك ورقة الاستدعاء، وسمحت لك بإخفاء الدليل...»

«فسأعرف من قتل أمكِ.»

خفق قلبي بعنف. «أنت تكذب.»

«ما أكذب والله.» لم تحِد عيناه عن عينيّ لحظة. «ولا أملك حتى رفاهية الوقت لأكذب. المحاكمة بعد عشرين ساعة فحسب. وإذا دخلتِ إلى هناك حاملةً تلك الورقة، سيلوون الحقائق ضدكِ؛ سيقولون إنكِ تبتزينني وتستغلين قانون دَين الدم لتفرضي هذا الرباط، وسيدّعون أن أمكِ كانت جاسوسة أو سارقة، وأنكِ جئتِ لتكملي ما بدأته.»

«وهل كانت أمي كذلك؟»

«لا.»

«ولماذا وُضع اسمي إذن على قائمة التصفية؟»

اشتدت قبضة كايل على يدي. خلتُ لثانية أنه سيتراجع أو ينغلق على نفسه، ويُظهر ذلك الوجه البارد والمهيب الذي يواجه به رعيته بوصفه زعيم القطيع. لكنه لم يفعل؛ ظلّ مكانه، قريبًا مني إلى حدٍّ جعلني أرى لمعان الذهب في عينيه يتحرك ويتوهج.

«لأنكِ مسألة عالقة لا بد من حسمها،» قال بنبرة هادئة. «هناك من ظن أن أمكِ تعرف أكثر مما ينبغي، والآن يظنون أنكِ تملكين السر ذاته.»

هوى قلبي في صدري. «سرّ ماذا؟»

«لا أدري بعد.» عاد إبهامه يمسح مفاصل أصابعي برفق وتأنٍّ. «لكنني سأصل إلى الحقيقة، وأنتِ ستبقين حيّة إلى جواري حتى أنكشف كل شيء.»

كان يجدر بي أن أرفض، وأن أخطف ورقة الاستدعاء وأخرج من الباب فورًا، لأتصل بنواه كي يجد لي محاميًا يفقه في قوانين الذئاب وعقود الدم. غير أن نبض كايل كان لا يزال هادرًا تحت لمستي، وكان في نظراته رجاء خفي يكاد يلامس اليأس.

«وما الذي ستجنيه أنت من كل هذا؟» سألته. «غير الحفاظ على تاجك؟»

«أنتِ.» خرجت الكلمة خشنة ومبحوحة. «أكسب نجاتكِ، وأكسب دمكِ ليهدئ الوحش في أعماقي، وأكسب الدخول إلى تلك المحاكمة غدًا لأثبت أنني متزن وقادر على حماية القطيع.»

«وماذا بعد المحاكمة؟»

انثنى طرف فمه قليلًا، دون أن ترقى لابتسامة. «بعد المحاكمة، ستظلين زوجتي، ومرتبطة بي بموجب قانون القمر، وستبقين عالقة في هذا البيت معي.»

«هذا يبدو مثل السجن.»

«بل هو أمان وحماية.» أفلت يدي وتراجع خطوة إلى الوراء، فحلّت برودة مفاجئة في الموضع الذي كانت تستقر فيه راحة يده. «تبدأ المحاكمة عند منتصف الليل. ستجلسين في مقعد قرينة الزعيم، وسيكون وسم القمر ظاهرًا على عنقكِ للعيان، ولن تنطقي بكلمة واحدة إلا إذا وجّه المجلس إليكِ سؤالًا مباشرًا.»

«وماذا لو استفسروا عن أمر الاستدعاء؟»

«لن يفعلوا، طالما أنه قد اختفى وأصبح في حكم العدم.»

نظرت إلى الأسفل نحو الورقة، وإلى اسمي المكتوب بتلك الحروف الطباعية الجافة: *لينا كريستين فيل. تحقيق في دَين الدم. تصفية مجدولة رهن تصويت المحكمة*.

«من الذي أمر بهذا؟» سألتُ بصوت خافت.

لم يجب كايل على الفور، وحين رفعت بصري إليه، كانت ملامح وجهه غامضة ومغلقة تمامًا، عصية على أي قراءة.

قال أخيراً: «والله ما أدري، التوقيع مشطوب، لكن ما فيه في نورثبريدج كلها إلا خمسة ذئاب عندهم صلاحية إصدار استدعاء إعدام».

«وأنت واحد منهم».

«إي، نعم».

ضاق حلقي: «هل أنت...؟»

«لا». قاطعني قبل أن أتم كلامي: «ما أمرت بشيء، ولا دريت عن الورقة هذي أصلاً إلا يوم رميتيها في وجهي قبل عشرين دقيقة».

كنت أتمنى لو أصدقه. يعلم الله كم وددت تصديقه، لكن الثقة بضاعة غالية وأنا خاوية الوفاض.

قلت له: «أعطني مهلة لبكرة، خلني آخذ نسخة، خلني...»

فقال كايل بحزم صارم: «ما فيه نسخ. لا تصوير ولا وثائق. لو درى المجلس إن عندك أوراق، راح يصادرونها بأمر قضائي، ويفلون حياة أمك نبشاً وتفتيشاً يدورون أي خيط مؤامرة. بيستجوبون زوجة أبوك وأهلها، وجيرانكم القدامى، وكل شخص قد باع لها في يوم قارورة زيت خزامى».

تذكرت ملامح كلير المتبجحة، وابتسامة ريتشارد الباردة، وكيف دفعوا بي إلى هذا الزواج كأنني شحنة بضائع.

همست بهدوء: «والله بتجوز لهم السالفة».

«أدري». ومدّ كايل يده نحوها: «عشان كذا عطيني الورقة، خليني أدفنها، وبكرة بالليل ندخل المحكمة مع بعض ونقنعهم إن هذا الرابط حقيقي».

تأملت كفه، أصابع قوية تعلو مفاصلها ندوب، وظل مخالب يكاد يشفّ من تحت جلده.

سألته: «وإن ما قدرت؟ وإن خبصت وقلت كلام غلط؟»

«ما راح تغلطين».

«وما يدريك؟»

«أنا أعرفك زين». التقت عيناه بعيني، بلون الذهب الداكن الذي يتوقد جمراً: «أعرف إنك دخلتي عرس ما أنتِ معزومة عليه، وسرقتي بطاقة زوجة أبوك. وأعرف إنك قريتي عقد القمر اللي فيه خمسين صفحة بأقل من ساعة، وطلعتي منه الثغرة الوحيدة اللي تعطيك صفة قانونية. أدري إنك ذكية وتقدرين تكذبين، وعنيدة لين تفوزين».

سرى في صدري شيء حار متوتر كأنه حبل يلتوي. أوهمت نفسي بأنه غضب، لكنه كان شعوراً مختلفاً تماماً.

قلت: «ترى أسلوب المدح ما يمشي علي».

«تمام، وأنا ماني قاعد أمدحك، أنا أبيك تظلين حية وبس». اقترب مني خطوة أخرى، فشعرت بحرارة جسده وثقل حضوره: «عطيني الاستدعاء يا لينا، واثقي فيني اثنتا عشرة ساعة. لو كذبت عليك، أو ما لقيت أجوبة، تقدرين تروحين بدربك وما راح أردك».

«بتخسر المحاكمة».

«صحيح».

«وراح يذبحونك».

تحرك طرف شفته: «غالباً».

حدقت فيه مطولاً؛ في حدة فكّه الصارم، والظل الخفيف تحت عينيه الذي يشي بأنه لم يذق طعم النوم، وفي كتفيه المشدودتين كأنه يكبح أمراً ما بداخله.

قلت: «أنت مجنون».

فقال وهو يمد يده من جديد: «أنا مستميت، تكفين».

ما كان لتلك الكلمة أن تفعل بي شيئاً، لكنها فعلت. صدّعت في صدري موضعاً كنت أوصدت دونه الأبواب منذ ماتت أمي.

التقطت الاستدعاء، ونظرت إلى اسمي للمرة الأخيرة، ثم وضعته في كفه.

أطبقت أصابع كايل على الورقة. لم يبتسم، ولم يقل شكراً، بل رمقني بنظرة طويلة ثقيلة، ثم استدار ومشى نحو المدفأة في زاوية غرفة المكتب. جثم على ركبتيه، وأشعل عود ثقاب، ثم قرّب اللهب من طرف الورقة.

راقبتها وهي تحترق، ورأيت اسمي ينثني ويسوّد ثم يتلاشى هباءً.

قال كايل وظهره لا يزال إليّ: «بكرة منتصف الليل، والسيارة بتمشي الساعة إحدى عشرة ونصف. البسي لبس رسمي، واحرصي يكون وسم الرابط باين».

«أي وسم؟»

وقف والتفت نحوي، وعيناه لا تزالان بلون الذهب المتوقد.

قال: «وسم القرينة، اللي راح تاخذينه الليلة».

هوى قلبي في جوفي: «إيش؟»

«شريعة القمر. لازم يكون الرابط واضح للعيان قبل المحاكمة. وسم بالكي، فضة ورماد، وبيوجعك».

«ما جبت طاري أي وسم من قبل!»

«أنا أقول لك ألحين». اتجه نحو الباب، ثم وقف ويده على الإطار: «كوني في الجناح الغربي الساعة عشر، كبير القطيع بيتمم الطقس، وما بياخذ أكثر من نصف ساعة».

«ولو رفضت؟»

التفت إليّ كايل، وكان ضوء النار يداعب حدّ لحيته ويسلّط الضوء على هالات التعب تحت عينيه.

قال: «ساعتها ندخل حنا الاثنين المحاكمة بدون وسم، وبيعرفون إن الرابط مزور. بيبطلون العقد، ويعدموني بتهمة الاحتيال، وبيطلعون أمر استدعاء جديد للإعدام باسمك أنتِ».

جفّ حلقي: «هذا ماهو بخيار أصلاً».

ردّ بصوت خافت: «صادقة، ماهو بخيار».

خرج إلى الردهة، فسمعت وقع خطواته يبتعد، ثم سمعت صوت باب يُغلق في أعماق المنزل.

جلست هناك في غرفة المكتب، أحدق في الرماد المتخلف في المدفأة، في ذلك الغبار الرمادي الشاحب الذي كان اسمي قبل قليل.

اهتز هاتفي، فأخرجته وتفقدت شاشته.

نواه: *«جبت جدول المحكمة، لازم تشوفين هذا بأسرع وقت».*

فتحت المرفق، وكان نسخة ضوئية رديئة الجودة لكنها مقروءة؛ قائمة بالأسماء، أعضاء مجلس القطيع، وشهود محكمة التحكيم.

وفي الأسفل، بخط صغير: *«حالات الإعدام المجدولة في انتظار التصويت».*

ثلاثة أسماء.

وكان اسمي أولها.