رجوع

الملجأ يتشرّب رائحته

0%

Chapter 1 · انزع الشارة

الملجأ يتشرّب رائحته Chapter 1

كفّه تطبق على فكّي. جلد قفازه يلتف حول معصمي. نبضي يدق هادراً في حلقي. أنفاس وعبير وحرارة تلفحني. قال «دين»: «تحرّك»، ولم يكد الباب يفرغ من فحيح انغلاقه خلفنا حتى هوى ساعده على حلقي. ارتطم كتفاي بالفولاذ، وارتعش ضوء الملجأ بلون أبيض مزرقّ كئيب. جسده كله ملتصق بي، حذاؤه العسكري بين حذائيّ، ومشبك حزامه ينغرس بارداً في خاصرتي عبر طبقتين من الكيفلار.

«ابعد عني يا سعادة المفوض.» «ماني بباعد لين تقولي وش اللي خلى العمليات تعطي بلاغ عن "بيتا" يدير الفرز في خط شغب كله "ألفا".»

فمه على بعد شبر من أذني. رائحة خشب الأرز وزيت السلاح، وشيء آخر دافئ يسري تحتهما، حرارة تجعل ركبتي تشرفان على الانهيار لسبب لا يمكن أن أعترف به لنفسي.

«ريحتك فيها إنّ يا وارد.» «ريحتي مثل ريحة أي قفص فاراداي مقفل من 6 ساعات، مثلنا كلنا.» «لا والله.» مرر مفاصل أصابعه على حافة فكي ببطء، كأنه يتفقد جرحاً غائراً. مشبك ربطة عنقي — الشارة المزيفة التي علقتها لإحدى عشرة سنة: "إيليس وارد، بيتا، مشرف العمليات" — يلمع في الضوء الخافت بيننا. «رائحتك كأنك على وشك الانهيار في الشبق.»

دفعته بكل ما أوتيت. لم يتزحزح قيد أنملة، لكني استطعت أن أدس يداً بيننا وأسند كفي إلى صدره، ولثانية واحدة كدنا نختنق من لهاثنا المتسارع داخل صندوق لا يتجاوز عرضه 4 أقدام. وتلك هي الطامة الكبرى في ملاجئ فاراداي؛ لا إشارة تدخل ولا إشارة تخرج، وتتوقف لصقات التثبيط عن العمل في اللحظة التي تعطل فيها الشبكة النحاسية الشحنة النافذة عبر الجلد. اكتشفت ذلك قبل 9 دقائق، حين ماتت لصقتي وتحولت بشرتي من البرودة إلى جمر متقد في طرفة عين، قبل حتى أن أستوعب هول المصيبة.

الملجأ يتشرّب رائحته Chapter 1

قلت له: «فوقنا بثلاثة طوابق شغب يقلب الدنيا، وجاي تسولف لي عن الفيرمونات الحين؟» «أبي أعرف ليه القسم الرابع طالبين المشرف وارد بالاسم، بينما شارة المشرف وارد تقول كلام وغدده تفضح كلام ثاني.»

مد يده نحو ياقة قميصي، فأمسكت بمعصمه — قبضت عليه بقوة وغرست إبهامي في وتره، وللحظة خلتُ أنني أوقعته في قبضتي، وأنني أنا من يسيطر على الموقف ويدير المكان؛ فهذا عملي، وهذا الشيء الوحيد الذي برعت فيه طوال عمري: أن أتحكم بزمام الأمور من وراء مكتبي وسماعتي على رأسي. غير أنه لوى ذراعه داخل قبضتي بخفة وكأن الأمر لا يكلفه أدنى جهد، وأدارني في لمح البصر حتى التصق صدري بالجدار، وثبت يدي مفرودة بين لوحي كتفي.

همس عند أذني مباشرة: «حركة حلوة.» وانزلقت يده الطليقة على خاصرتي، فوق أضلاعي، واستقرت عند عظم الترقوة حيث تمزق قميصي في عراك بيت الدرج. «جرّب ثانية.» «دين.» «قول يا حضرة المحقق، إن كنت ترتجيني.» «ما أرتجيك ولا شي، أنا أعلمك إن لوحة العمليات فوق بتفقد السيطرة على 6 دوريات، وأنا الشخص الوحيد في هالمبنى اللي يعرف تبديل الترددات.»

جعلته كلماتي يرتخي قليلاً، مجرد رخاوة طفيفة كانت كافية لأهوي بمرفقي إلى عظم قصه وأفلت منه. تراجع كل منا يتربص بالآخر في المساحة الضيقة للملجأ، أنفاسنا متلاحقة كأننا قطعنا أميالاً ركضاً، وقميص كل منا ممزق من أثر المعركة في بيت الدرج التي ألقت بنا في هذا الصندوق الخانق. انحدرت عيناه إلى أسفل، إلى ترقوتي، إلى العرق المتصبب هناك الذي ما كان ينبغي له أن يفوح كالسكر، ولا أن يجعل بؤبؤي عينيه يتسعان بهذا الجنون.

قال: «اعترف.» «بوشو أعترف؟» «إنك مو بيتا.» «أنا نفس اللي في ملفي بالضبط.» «ملفك كذبة، وجسدك توه فضح المستور.»

الملجأ يتشرّب رائحته Chapter 1

اقترب خطوة أخرى — دنا أكثر، حتى غدت الحرارة المنبعثة منه الدفء الوحيد في ملجأ صُمم ليكون أشبه بثلاجة موتى. «إحدى عشرة سنة تدير تلك اللوحة. إحدى عشرة سنة وأنت واقف جنب ألفا يعلونك رتبة، تصدر أوامر، وما يوم أظهرت طبيعتك. تحسب ما أحد انتبه إنك ما دخلت في دورة شبق وحدة وقت حظر البدر؟» «أنا اللي لاحظت إنك ما التفتّ لي أبد إلا يوم خربت اللصقة.»

ارتفعت يده بتمهل، وهذه المرة لم أمنعه. انساب إبهامه بمحاذاة فكي ورفع ذقني، وكرهتُ — كرهتُ من أعماقي — كيف خدرت فقرات ظهري كلها لتلك اللمسة. قال: «أحتاج تلك الشارة.» «أنت محتاج لوحة العمليات أكثر. محتاج شخص يقدر يوجه 6 دوائر عبر قناة لاسلكية وحدة بدون أبراج ولا شبكة جوال، وهذا الشخص هو أنا يا دين، مو البيتا المسجل في ملفي؛ هذا أنا بخبرة إحدى عشرة سنة، الشخص الوحيد اللي ما يرتبك لو استغاثت المدينة كلها في لحظة وحدة.» «أجل خلك على اللوحة.» امتدت يده الأخرى إلى مشبك ربطة عنقي. وبحركة خاطفة انتزعه، ليسقط مرتطماً بالخرسانة بين حذاءينا، ووجه الشارة يستقر منكفئاً على الأرض: "إيليس وارد، بيتا". «لكن اترك عنك الكذب.»

«هالشارة هي الشي الوحيد اللي حاميني من كل ضابط ألفا في المراكز لو فكر يقرر إني محتاج عقدة بدال سماعة العمليات.» «أنا ماني مثل بقية الضباط الألفا.» «أنت أردى منهم؛ أنت اللي بتستغلها.»

اصطكت أسنانه واشتد فكه. ولثانية واحدة — ثانية يتيمة — لاح على وجهه تعبير لا يمت للظفر بصلة، ولا يشبه تلك الابتسامة المتعجرفة التي تعلو محياه في كل إيجاز قيادي حضرته. بدا وكأنه يغلي غيظاً من نفسه. قال: «عمرِي ما فضحت أحد في حياتي.» «واقف هنا، يدك على نحري وقاعد تدوس شارتي بجزمتك على الأرض وتقول هالكلام؟» «أنا واقف هنا لأن هالقفص بيفتح بعد 4 دقائق، وكل ألفا في فرقة الاقتحام بيمر من جنبك ويشم اللي أشمه الحين، وساعتها ما راح تطلع من ذاك الممر حي بشخصية البيتا إيليس وارد.»

الملجأ يتشرّب رائحته Chapter 1

ارتجف المصباح فوق رأسينا. ومن مكان ما خلف الفولاذ، انطلق بوق الإنذار متصاعداً — دورة الإغلاق المحكم، وصمام الهواء يبدأ العد التنازلي شئنا أم أبينا. قلت: «أجل طلعني قبل لا يقفل»، وتحركت بالفعل نحو الباب.

لم يمسك بي، بل مال بجسده جانباً وأسند كتفاً إلى إطار الباب، وسد المنفذ بضخامة بنيته فحسب، وبحقيقة أنني عاجز عن إجبار نفسي على اختراق تلك الرائحة مرة أخرى.

أطبق الإغلاق الآلي. ارتطم المعدن بالمعدن برنين حاسم لا رجعة فيه، رنين ترتعد له أضراسك. 6 أقدام من الفولاذ تفصل بيننا وبين الشغب في الخارج، ولا مخرج حتى تكتمل دورة النظام من جديد.

استقرت يد «دين» عند ياقته المفتوحة، حيث نحره مكشوف تماماً، حيث موضع غدته لو أنه سمح لأحد بالاقتراب منه إلى هذا الحد. همس وهو يدنو مني: «البيتا ما تطلع منهم هالريحة.»

أطبق الإغلاق عند العد 1، وظل الفولاذ رطباً؛ ولم يغادرا الغرفة. أطبق عليّ، فمه على فمي، ولم أقوَ على الحراك.