رجوع

الملجأ يتشرّب رائحته

0%

Chapter 2 · ورقة ضغط في غرفة العزل

الملجأ يتشرّب رائحته Chapter 2

«فك يدك عن فكّي.»

لم يحرّكها دين. ظل إبهامه مستقراً تحت أذني مباشرة، يضغط في الموضع الذي كانت لتكون فيه الغدّة لو كنتُ حقاً كما تدّعي شارتي. فَحّ باب عازل الهواء خلفه فحيحاً أخيراً، ثم استقر في مكانه بطرقة مكتومة تعني أنه لن يُفتح قبل 6 ساعات. فولاذ فاراداي، وبروتوكول شغب، ونظام التجاوز اليدوي معطّل تماماً. لم يبقَ سوانا، ودويّ طنين غرفة التحكم على الجانب الآخر من ذاك الجدار.

قال: «عِدها ثانية.. بيتا.»

«بيتا.» لم يطرف لي جفن. «مثل ما هو مكتوب في كل استمارة سحبتها من ملفي يا كابتن.»

«الاستمارات تكذب.» صار أنفه على بُعد بوصة واحدة من عنقي الآن، وأمقت أنني قادر على الإحساس بأنفاسه؛ خشب الأرز، وزيت البنادق، وشيء غائر تحتهما لا يخص سواه، ليس عطراً لما بعد الحلاقة، ولا صابوناً. «أمّا الأنوف فلا تكذب.»

دفعته في صدره بكلتا يديّ، فلم يتزحزح قيد أنملة. ستة أقدام وبوصتان من العضلات، وشارةٌ زجّت برجال خلف القضبان لأسباب أتفه بكثير مما أخفيه، وها هو يحاصرني في مساحة لا تتعدى 18 بوصة من الفولاذ، ولصقات التثبيط الميتة تتقشر عن عنق كلٍّ منا لأن العازل أبطل مفعولها في اللحظة التي أُغلق فيها.

قلت له: «ودّك تسولف في الكيمياء، ولا تبيني أرجع للوحة؟ ترى تشارلي-12 عندهم 6 دوريات وسط حشد يرمي قزاز، وما فيه أحد يدير قناتهم غيري.»

جعله ذلك يتراجع إلى الوراء؛ نصف بوصة فقط، كافية لأتنفس هواءً لا يحمل ريحه.

سألني مختبراً: «عقب ما ماتت لصقتك، عادك تذكر نداءاتك اللاسلكية؟»

«أذكرها ميت، وسكران، وأنا أنزف. جرّبني.»

الملجأ يتشرّب رائحته Chapter 2

«أجل شغّلها.» تنحّى جانباً أخيراً، وأشار بيده إلى اللوحة المثبتة في جدار عازل الهواء؛ لوحة تابعة فرعية، نصف حجم المنصة الحقيقية، لكنها تفي بالغرض لفتح قناة إذا كنت تعرف أي المفاتيح يخدعك. «أثبت لي.»

انسللتُ من جانبه؛ على مقربة منه، أقرب مما ينبغي، لأن التراجع أولاً يعني أنه فاز بهذه المواجهة أياً كانت، وهويتُ فوق الكرسي. اهتدت أصابعي إلى المفاتيح دون أن أنظر؛ ذاكرة عضلية قديمة بنتها 10 سنوات من نوبات آخر الليل. ضغطتُ مفتاح تشارلي-12، وخرج صوتي ثابتاً رغم أن صدري كله كان يعتصر باضطراب بشع.

«تشارلي-12، عمليات المقاطعة، عطني وضعك.»

تشويش. ثم جاء صوت متهدج يشارف الصراخ وسط دويّ زجاج يتحطم خلفه. حوّلته إلى الدعم قبل أن يكمل جملته الثانية. كان نقلاً نظيفاً وسريعاً؛ إنه الشيء الوحيد في هذا المبنى الذي أتقنه حقاً.

لكن الثمن كان فادحاً. فكل قناة أفتحها الآن تبدو وكأن أحداً يدير مقبضاً خلف طبلتي أذني. يبدأ طنين خافت ثم يأخذ في التصاعد. ألزمتُ ملامحي الجمود التام، فدين رورك يقف على بُعد 3 أقدام، يراقبني كأنه جهاز كشف كذب يحمل شارة.

قال: «تراك تنزف.»

لمستُ أذني. عادت أصابعي مصبوغة بالدم؛ قطرات قليلة، لكنها كافية.

قلتُ في اللاقطة بدلاً من الرد عليه: «عُلِم»، وقطعت القناة قبل أن ترتجف يداي ارجافاً يفضحني.

اجتاز دين عازل الهواء في خطوتين، وأمسك بمعصمي قبل أن أتمكن من سحبه. لم يكن رفيقاً؛ تحسس إبهامه نبضي وضغط عليه كأنه يفحص مشتبهاً به، لا رجلاً كاد يغشى عليه وهو يدير الاتصالات.

قال: «البيتا ما ينزفون من آذانهم وهم يديرون جهاز اللاسلكي، ولا تفوح منهم ريحة كبريت مشتعل إذا عطّل عازل فاراداي لصقاتهم. وش أنت بالضبط يا وارد؟»

الملجأ يتشرّب رائحته Chapter 2

«مالك شغل.»

«كل شيء في هذا المخبأ من شأني في الست ساعات الجاية.»

«أجل اقبض عليّ لأن سمعي حاد.»

اشتدت قبضته. لم تكن مؤلمة، بل صارمة حاسمة، كأنه قد قرر سلفاً أنني لن أذهب إلى أي مكان وأن رأيي في ذلك مجرد إجراء شكلي. لويتُ معصمي بالطريقة التي علمونا إياها في حصة الدفاع عن النفس الوحيدة التي تكفلت الإدارة بتمويلها، ودسستُ وركي في خاصرته، ولثانية واحدة مجيدة جعلته يفقد توازنه؛ استدار ظهره جزئياً نحو الجدار، واستقرت كفي منبسطة فوق عظمة قفصه الصدري كأنني قادر فعلاً على حبس رجل بضخامته هناك.

قلت له: «عطني المفتاح الرئيسي. ما أنت الوحيد اللي يقدر يتجاوز النظام.»

ضحك ضحكة قصيرة لا أثر فيها للمرح، وكانت ذلك التحذير الوحيد الذي نلته قبل أن يعكس الهجوم. ارتطم ظهري بالجدار بقوة طردت الهواء من صدري. ثبّت معصمي فوق رأسي على الفولاذ، وسند كفه الأخرى منبسطة إلى جوار جمجمتي، فصار جسده كله جداراً أمام جدار، وفخذه محشورة بين فخذيّ لأني حاولت رفع ركبتي فقرأ حركتي قبل أن تكتمل في ذهني.

قال بصوت خافت عند أذني مباشرة، قريباً لدرجة أن أنفاسه داعبت الشعر عند صدغي: «كان يمديني أحط هالمفتاح في درج بالقيادة.. وبداله، طحت فيك أنت.»

«يا زين حظك عاد.»

«قاعد ترتجف.»

الملجأ يتشرّب رائحته Chapter 2

«محترق دمي بس.»

قالها ثانية بنبرة أخفض: «ترتجف»، كأنها حقيقة يدوّنها في سجلاته لا تهكماً، ولم يُفلت يدي رغم أنني كففت عن المقاومة. مرّر إبهامه مرة واحدة فوق مفاصل أصابعي؛ مرة واحدة فقط، كأنه لا يعي ما يفعل.

«ماني براجيك عشان مفتاح يا رورك.»

«ولا طلبت منك تترجاني.» كان وجهه على بُعد 4 بوصات من وجهي؛ قريباً بما يكفي لأرى أنه لم يذق النوم، قريباً بما يكفي لأشم رائحة الاحتراق تحت الأرز، والتي تعني أن لصقته تموت هي الأخرى، قريباً لدرجة أن ميلان أيٍّ منا في الاتجاه الخاطئ كفيل بأن يخرج هذا المشهد من كونه استجواباً ليتحول إلى أمر لا يحمل أي منا رقم شارة له. كان نبضي يدق بعنف جعلني واثقاً من أنه يشعر به تحت إبهامه.

وفجأة، صرخت اللوحة. أضاءت 3 خطوط دفعة واحدة على اللوحة التابعة؛ أحمر، فأحمر، فأحمر، من ذلك الطنين الثلاثي الذي ينبئ بأن العمليات تشرف على الغرق. التفت رأس دين نحوها بغتة. ارتخت قبضته على معصمي نصف ثانية قبل أن يُفلته بالكامل، وانغلق شيء في ملامحه ليعود كابتن من جديد، لا ذلك الشخص الذي كانه قبل نَفَس واحد.

قال: «تحرّك.»

كنتُ قد تحركت بالفعل، وارتميتُ على الكرسي، ويداي تتنقلان بسرعة فوق مفاتيح يحرق لمسها أذني. 3 وحدات تصرخ فوق بعضها؛ ولا وقت للحذر في اختيار القناة التي أفتحها. انطبقت يد دين فوق يدي على المنصة؛ لم يكن يوقفني، بل كان هناك وحسب، دافئاً وثابتاً بينما ترتجف يدي كلها، وحين سحب يده، كان هناك شيء صغير وبارد قد انغرس في باطن كفي: المفتاح الرئيسي.

قال: «أدِر كل هالبلاغات.. وخلك على اللوحة.»

قبضتُ أصابعي على المفتاح، وقلبي لا يزال يخفق كالمطرقة، وأذني تنزف خطاً أحمر رفيعاً ينساب على فكي: «وإذا نحشت لذاك الباب أول ما يفك العازل؟»

انحنى نحوي، قريباً من جديد، قريباً لدرجة كاد فمه يلامس أذني وهو يقول: «اركض.. وتشوف إن ما أذعت اسمك على كل مركز في هالمدينة قبل لا توصل لبيت الدرج.»