رجوع

الملجأ يتشرّب رائحته

0%

Chapter 3 · صحوة كيميائية

الملجأ يتشرّب رائحته Chapter 3

«عُلِم، اثبت في موقعك، الدعم واصلك خلال أربع دقائق». ضغطتُ على الخط الثاني قبل أن ينقطع الأول حتى، والدم يسيل دافئاً على جانب عنقي من أذني. «من العمليات إلى كافة الدوريات، لدينا بلاغات 10-52 متكررة في الشارع الخامس، أكرر، بلاغات متكررة...»

ضرب دين بيده منبسطةً على لوحة التحكم بمحاذاة كوعي: «قاعد تنزف على جهازي».

«جهازك أنت؟» لم ألتفت إليه، بينما أضاء الخط الثالث باللون الأحمر صارخاً. «غريبة، كنت أحسبه جهازي أنا لحد قبل ست دقائق».

«وارد». انخفضت نبرته إلى ذلك القرار العميق الذي اعتاد أن يُرعد فرائص المستجدين. لكنه لم يعد يؤثر فيّ؛ ليس بعد الآن، ولا سيما مع صراخ ثلاث دوائر شرطة تتداخل نداءاتها في أذني، ومفتاحه لا يزال ساخناً في قبضتي.

«امسحه قبل ما يعطّل المايك».

«أشتغل على كذا جبهة يا معالي المفوض». نقرتُ الخط الثالث، والتقطتُ نبرة الذعر في صوت شرطي دورية غِرّ، وأمرته أن يتنفس ويكرر موقعه. كانت يدي ترتجف؛ ليس من ضغط الاتصالات، بل بدأت الرعشة في معصمي وزحفت صاعدة، وهي الرعشة ذاتها التي كانت تعني في الماضي تفويت جرعة، غير أنني لم أفوّت شيئاً؛ فالقفص هو الذي سلبني إياها، خزانة الأدوية بأكملها حُبست موصدة في غرفة العزل الهوائي مع كل ما يعمل بالإشارة.

أطبق دين على معصمي وسط ارتعاشه، بقبضة لم تكن رقيقة أبداً. ضغط بإبهامه على موضع النبض كأنه يتفقد كذبة هناك لا على ياقة قميصي.

قلتُ: «فك يدك».

«حرارتك مرتفعة».

الملجأ يتشرّب رائحته Chapter 3

«قاعد أدير غرفة عمليات كاملة. فك. يدك».

لم يفعل. بل اتسعت فتحتا أنفه بحركة طفيفة للغاية، نفس الحركة التي بَدَرَت منه عند العازل الهوائي، وكأن شيئاً في الهواء قد تحوّل فجأة من مجرد أمر «مثير للاهتمام» إلى شيء «قاطع لا لبس فيه».

قال بصوت خافت، أخفت مما ينبغي لرجل بضخامته أن يبلغه: «هذي مهيب حرارة... هذي صحوة».

دفعته. لم تكن حركة ذكية؛ فمساحة متر واحد في غرفة مبنية كخزينة بنك لا تترك لك متسعاً لتلقي بمفوض شرطة من صنف «ألفا» يزن قرابة مئة كيلوغرام إلا نحو رفٍّ من أجهزة اللاسلكي المعطلة. وهذا بالضبط ما حدث؛ ارتطم عموده الفقري بالفولاذ بصوت طقطقة عنيفة، وتهاوت الكابلات فوق كتفيه كالمطر.

لكنه ارتدّ عن الجدار أسرع مما قدرت؛ واصطدم العظم بالعظم؛ ساعده في صدري، وساعدي في فكّه، ثم هوينا معاً إلى الأرض، وكانت الأرضية الخرسانية باردة وخشنة تحت لوحي كتفيّ، بينما هوى ثقله فوقي كأنه حكم قضائي نافذ.

قبض على معصميّ كليهما بيد واحدة وثبّتهما فوق رأسي، وحشر ركبته بين فخذيّ. ولثانية واحدة لم يتحرك منا أحد، بل اكتفينا بالتنفس بجهد وثقل، وأنفاسه اللاهبة تلفح عنقي حيث جفّ الدم هناك ولزج.

قال: «انطقها».

«قُم عني».

«اعترف بحقيقتك».

«أنا اللي مخلّي اتصالات مدينتك شغالة، وأنت قاعد تستقوي علي وتلعب دور إنسان الغاب على أرضيتي».

الملجأ يتشرّب رائحته Chapter 3

رفعتُ ركبتي ودسستها بقوة في خاصرته، ثم لويتُ جسدي، مستخدماً الشيء الوحيد الذي علمتني إياه أربع سنوات من النوبات الليلية وكل دورة دفاع عن النفس فرضتها الإدارة: نقطة الارتكاز لا الحجم. قلبته تحتي بعنف؛ ارتطمت جمجمته بالخرسانة وصرتُ أنا من يعتليه الآن، واضعاً ساعدي على قصبته الهوائية، ودمي يقطر من فكّي فوق ياقته.

ابتسم في وجهي؛ ابتسم فعلاً كاشفاً عن أسنانه دون أدنى ذرة خوف، وكأن تثبيتي له مجرد معلومة جديدة وليست هزيمة.

قال دين بصوت متهدج يمازجه المرح: «حيّ الله هالشوف، هذا هو... ملك اللاسلكي».

«اسكت».

«ريحتك مثل عود كبريت مشتعل يا وارد. تدري بهالشي؟» ارتفعت يده، وتركتها ترتفع—ولا أعلم لِمَ تركتها—حتى أحاطت بأسفل عنقي، ومرّر إبهامه بين قطرات العرق عند منبت شعري. «خشب الأرز، وتحته شي مهوب بيتا أبد... ولا عاد صار بيتا من لحظة ما نزل ذاك الإغلاق».

«ما يهم وش ريحتي». خرج صوتي خشناً أكثر مما أردت. «المهم الحين: يد من اللي خانقة الثاني؟»

«يدك أنت». لم يقاوم قبضتي، وكان ذلك أسوأ ما في الأمر؛ فقد استلقى هناك تحت ساعدي وكأن الأمر لا يكلفه شيئاً، وكأنه قادر على قلب الموقف برمته متى ما قرر أن اللعبة انتهت. وأردف: «لكن هذا ما يعني إنك فزت».

أضاء الخط الرابع، ثم الخامس. وانطلق صوت امرأة عبر مكبر الصوت تصرخ بكلمات عن إطلاق نار في شارع «هالدن»، وانتفض جسدي كله يريد النهوض والعودة إلى لوحة التحكم لأداء واجبي، لكنني عجزت؛ لأن يده الأخرى استقرت على خاصرتي، والحرارة المنبعثة من كفه كانت تفعل شيئاً بتلك الحمّى المتصاعدة تحت جلدي، شيئاً لا علاقة له بالأدرينالين، بل يرتبط كلياً بتجاذب كيميائي لم يطلبه أيّ منا.

«وارد». غدا صوته خشناً هو الآخر، وبدأت نبرة الأمر الصارمة تتشقق عند أطرافها. «رد على الاتصالات».

الملجأ يتشرّب رائحته Chapter 3

«أنت اللي تحتي».

«وأنت قاعد تنزف على ياقتي، وباقي لك ثلاثين ثانية قبل ما تسوي شي ما ينرد ولا يتصلح... يا ترد على الاتصالات، يا أقلبك على هالأرض ونكمّل اللي بيننا كائنًا ما كان».

لم أتحرك؛ ليس بعد. قطرت نقطة دم من ذقني واستقرت على عنقه، واتسع بؤبؤا عينيه وهو يراقبها تهوي، وكأنه يود لو يلعقها لمجرد إثبات قدرته على ذلك.

قلتُ بصوت خافت ملاصق لأذنه: «قبل دقيقتين كنت تهدد تفضح أمري... وتحسبني بقوم الحين وأرجع لشغلي كأنك ما قلت شي؟»

فقال: «أحسب إن ما عندك خيار... مثلي تماماً».

بدأ الخط السادس يعوي بالرنين، ولم يمد أحدنا يده إليه.

قلتُ مجدداً: «قُم عني»، ولم تكن هذه المرة أمراً، بل لم تكد ترقى حتى لرجاء؛ كان جسدي بأكمله متسمراً فوق جسده، ويده تشد قبضتها في شعري، كِلانا متجمد في مكانه والدم بيننا، ولوحة الاتصالات بأكملها تعوي طلباً لنجدة لا نمنحها لها.

قال دين: «ورّني شطارتك»، والأرضية لا تزال باردة تحت ظهره، ولم يكن أيٌّ منا بمستعد لرفع يده عن عنق الآخر.

صمد الإغلاق عند العدّة 1؛ وظل الفولاذ رطباً؛ ولم يغادرا الغرفة. صمد الإغلاق عند العدّة 2؛ وظل الفولاذ رطباً؛ ولم يغادرا الغرفة. صمد الإغلاق عند العدّة 3؛ وظل الفولاذ رطباً؛ ولم يغادرا الغرفة. صمد الإغلاق عند العدّة 4؛ وظل الفولاذ رطباً؛ ولم يغادرا الغرفة. صمد الإغلاق عند العدّة 5؛ وظل الفولاذ رطباً؛ ولم يغادرا الغرفة. صمد الإغلاق عند العدّة 6؛ وظل الفولاذ رطباً؛ ولم يغادرا الغرفة. صمد الإغلاق عند العدّة 7؛ وظل الفولاذ رطباً؛ ولم يغادرا الغرفة.