Chapter 4 · خمس ثوانٍ

«ما أنت بيتا.» خرجت ضحكة دين رطبة بالدم العالق بين أسنانه، وركبتي لا تزال تغوص في عظم صدره، وعظامنا تطحن بعضها فوق البلاط.
«انكتم.» لم أتزحزح عنه. لم أستطع أصلاً. كانت يداي ترتجفان برعشة متواصلة تمنعني من الوثوق بهما في أي موضع آخر من جسده.
«خشب أرز.» نطقها بتمهل، وهو يلوك الكلمة في فمه كأنه يتطعمها. «تحت ريحة الدم.. وتحت العرق. ريحتك مثل أوميغا مضت عليه ثلاث ساعات في دورة الشبق يا وارد. الشارة تقول بيتا، بس الشارة كذبة جالس تروّجها على القسم كله.»
«هالشارة هي اللي ممشية هاللوحة.» غرزت مفاصل أصابعي في ياقة قميصه، وشعرت بنبضه يقفز بقوة تحت إبهامي. «إن فضحتني، خسرتُ لوحة التحكم، وتخسر أنت كل ترددات هالمدينة في الثواني العشر الجاية. هذي المقايضة.. يلا، سوّها.»
خلفنا، كانت لوحة الاتصالات تضج ولا تسكت؛ ثلاثة مراكز شرطة تتداخل أصواتها معاً، وعامل الإرسال على بعد مقعدين يصرخ طالباً دعماً لا يأتي بالسرعة المطلوبة. كان عازل «فاراداي» قد عطل كل هاتف في المبنى منذ ساعة؛ لا اتصالات واردة ولا صادرة. لا شيء سوى الخط الأرضي المباشر وصوتي، وأنا أحدد من يُنقَذ أولاً.
ظلت عينا دين شاخصتين في وجهي، ثابتتين رغم شفته المشقوقة: «تسد آذان قسم كامل عشان تكتم لك سر واحد؟»
«وراح تشوف.»
«مصدّقك.» كانت تلك الكلمة الغلط بعينها؛ إذ أرخت شيئاً في صدري لنصف ثانية، ونصف ثانية كانت كل ما يحتاجه.
ارتطمت كفه مبسوطة على البلاط، والتوت وركاه تحتي، فمالت الغرفة كلها معه على جنب. اصطدم كوعي بقائم لوحة التحكم، عظم يرتطم بعظم، ثم تكفلت الجاذبية بباقي ما بدأه؛ اندفع ثقله مجتاحاً جسدي، وقالباً المعركة بأكملها، حتى انخبط عمودي الفقري بالأرض وانقطع نَفَسي كأنما تلقيت لكمة غائرة.

هوى ساعده عبر عظام ترقوتي، وحشر ركبته بين ركبتي فلم يتبق لي ما أرتكز عليه للمقاومة. ثقل كامل، وإحكام تام، ثبّتني منبسطاً على البلاط كأن الغرفة نفسها قد حسمت أمرها واختارت في أي صف تقف.
«قم عني.» نبرة مقتضبة، خالية من أي ارتعاش رغم الطنين الذي يملأ رأسي.
«لا.» بالبرود ذاته. لم تكن قسوة، بل مجرد نفاد صبر من الجدال.
دنا وجهه حتى صفع أنفاسي بأنفاسه؛ نلهث كأننا ركضنا ستة طوابق، الصدر بالصدر، ولا يفصل بيننا سوى قطن مبلل وحرارة لافحة. كانت المهدئات قد خمد مفعولها فيه أيضاً؛ شممت رائحتها تحت طعم النحاس والعرق؛ شيء محترق وداكن، كجلد تُرك تحت شمس تموز الحارقة حتى جفّ. ألفا. لم يعد الأمر إشاعة، ولا ظناً يمكنني صرفه عنه.
أصبح البلاط تحتنا زلقاً؛ عرق، وبعض الدم، الله وحده يعلم دم من. والحرارة تواصل صعودها، ومنافذ التهوية معطلة ككل شيء أخرسه العازل. قميصي لصق بظهري، وكلما تحركتُ، غرز ركبته بقسوة أكبر بين فخذي، ومع كل حركة، كانت رائحة الجلد المحترق تلسع حلقي وتحرق أي خطة لا تزال في رأسي للخلاص.
«اعترف،» قالها عند فكي. «قل وش أنت.»
«قل وش أنت أولاً يا سعادة المفوض. تسريب من هذا اللي قابع في مسوداتك ومكتوب عليه اسمي؟»
«إيليس.» بنبرة أخفض هذه المرة، تكاد تكون هادئة، وهو ما كان أسوأ من الزمجرة. «ما أسألك عشان أئذيك.»

«بيّن والله!» كان معصمي ينبض ألماً تحت قبضته، لكنني لم أنطق بذلك أيضاً.
أصابت الكلمة مرماها. اختلج فكه لمرة واحدة، وتراخى إطباقه على ترقوتي، قيد بوصة أو أقل، فشعرت بذلك، وكدت أنتفض من تحته في اللحظة نفسها. حررتُ إحدى يدي، ودسستها تحت أضلاعه محاولاً رد ثقله إلى جانبي كما فعلت قبل ثلاثين ثانية. ولثانية واحدة، نجح الأمر؛ لثانية واحدة كنا معاً نستند على أيدينا، صدراً لصدر، لا أحد ينتصر، مجرد صراع دفع وجذب خالص، عضلة تقابل عضلة ولم يُحسم شيء.
ثم وجد الزاوية المناسبة. أطبقت يده على معصمي، وثبّتها بقوة فوق رأسي، ثم ألقى بثقل جسده كله دفعة واحدة على حوضي بحركة محكمة؛ تثبيت حقيقي هذه المرة لا أنصاف حلول فيه، والجاذبية تطيع أمره بدقة. التصق ظهري بالأرض، وانحشرت ركبته بين ساقي مباعدة بينهما بالقوة. لم يتبق لي سوى عشرين بالمئة تقريباً من جسدي أستطيع تحريكها.
«إيليس.» كانت المرة الأولى التي ينطق فيها اسمي مجرداً دون رتبة تلحق به. «وقف مقاومة لثانية وحدة بس.»
«عشان تسهل فضيحتي؟»
«عشان أعرف إذا كنت على وشك أسوي شي ما يتصلح عقب.»
انزلقت يده نحو حلقي بدلاً من أن يجيب، وطوقته، وضغط بإبهامه تحت فكي ليرد رأسي إلى الوراء كمن يقيس عمق جرح. انحدر فمه نحو حبل العضل في عنقي؛ لم تكن قبلة، بل أدنى من ذلك، وأسنانه تستقر فوق جلد مشدود وحار، فوق الغدة مباشرة. تصلب جسدي كله تحته كأنني نسيت كيف يتنفس المرء.
«دين.» تشقق صوتي في منتصفه.
«استسلم،» قالها عند عنقي، بصوت خافت ابتلعه ضجيج اللوحة قبل أن يبلغ أحداً. «استسلم، وإلا أنهيت الموضوع هنا، على هالبلاط، قدام الله وخلقه وغرفة العمليات، وشف لك صرفة تشرح هالعلامة للجنة التحقيق بكرة الصبح.»

«ما تسويها.»
«خمس ثوانٍ يا وارد.» لم يرفع ثقله، بل زاد وطأته، وركاه ملتصقتان بوركي، وكلانا يتصبب عرقاً ودماً وشيئاً تحتهما لا يجرؤ أحدنا على النطق به. «استسلم، وإلا أخذتها غصب. القرار بيدك، مو بيدي.»
اخترق اللوحة من خلفه صوت جديد؛ إحدى الدوريات تستجدي تردداً لم أكن في مكاني لأفتحه لهم. لم ألتفت، ولم يكن بوسعي أن أشيح بنظري عن فمه المطبق على عنقي حتى لو انهار السقف علينا جميعاً.
ضغط بأسنانه بقوة أكبر. وصمد الجلد. بالكاد.
عادت يدي الطليقة إلى أضلاعه، غرزت أصابعي فيها محاولاً من جديد أن أصنع لنفسي موطئ قوة للمقاومة. لم يكن للأمر فائدة؛ فقد قرأ حركتي تلك مسبقاً. أحكم فخذيه فوق فخذي وشلّ حركتي تماماً، وازداد ثقل وزنه الضاغط بركبته، فيما راحت أضواء لوحة التحكم تومض باللون الأحمر فوقنا، معلنةً أن إحدى الوحدات قد جرى توجيهها أخيراً، وأن روحاً في مكان ما تُنقذ دون أن ألمس مفتاحاً واحداً. لأول مرة، تُدير اللوحة نفسها بنفسها. ولأول مرة، أعجز عن أن أمنحها أدنى انتباه.
«فرصتك الأخيرة.» غلُظ صوته وخشُن، وكأن مواصلة الحديث تكلّفه مشقةً تفوق إنهاءه للأمر. «قل "لا" وأوقف هالحين. وإن سكتّ—»
لم يُكمل جملته.
ولم يكن مضطراً إلى ذلك؛ فقد أحسست باللحظة عينها التي بدأت فيها أنيابه تشق جلدي، حادةً ومدروسة، وجسده كله ما يزال جاثماً فوق جسدي بثقله الكامل، وأنا لم أنطق بعد بأيٍّ من الكلمتين.