رجوع

رهينة الدون

0%

Chapter 1 · توقيع صك الضمان

كان الرجل الجالس قبالتي على الطاولة قد دوّن اسمي مرتين بالفعل.

ولم أكن قد وافقتُ على أيّ شيء البتّة.

جرّتان بقلمٍ ذهبيّ ثقيل على ورقٍ كريميّ سميك. وتحت وطأة رائحة الصدأ الكريهة وأحشاء السمك العفنة، كان اسمي يحدّق في وجهي مقلوباً رأساً على عقب:

رهينة الدون Chapter 1

*مارا كيسلر.*

حروفٌ كبيرة، حادة ومتقنة، كأنها بندٌ في فاتورة حساب.

قلتُ: «هذا اسمي». خرج صوتي أضعف مما أردت. «ليش اسمي مكتوب على هالورقة؟»

لم يجبني أحد.

ستة رجال يقفون في عتمة مصنع التعليب المهجور، لم يطالعني واحدٌ منهم، وذلك بحد ذاته أخبرني بكل شيء؛ فأنت لا تتكلّف تفادي نظرات شخصٍ يعلم أنه سيخرج من هنا على قدميه.

قبل ساعتين فقط، كنتُ جالسةً في مطبخي أرتشف شاياً بارداً، وأحدّق في المكالمة الفائتة الثانية من أخي. ثم دوت وقع أحذيةٍ ثقيلة على الدرج، وقبضةٌ هبطت على بابي بعنف، وقبل أن أطلق صرخةً واحدة، كان رجلان قد حشراني في المقعد الخلفي لسيارة دفع رباعي سوداء.

وها أنا ذي الآن، محاصرة خلف طاولة فولاذية مثبتة بالبراغي في الأرضية الخرسانية مباشرة.

أخيراً، رفع الرجل الممسك بالقلم رأسه.

كان شاباً، في أواخر العشرينيات أو ربما بلغ الثلاثين، وذلك تحديداً ما زاد الطين بلّة. يرتدي معطفاً من الصوف الأسود بلا ربطة عنق، وفكّاً حاداً يوشك أن يجرح. يتحرك بذلك الغرور الهادئ لرجلٍ لم يضطر للركض خوفاً يوماً واحداً في حياته.

قال بهدوء: «أخوكِ أخذ مني أربعة ملايين دولار. قبل 11 يوماً. وأخذ أيضاً سيارة امرأة، وجواز سفر نظيف، وثلاث سنوات من حسنى تعاملي معه».

«داني مستحيل—»

«داني سواها». أدار الورقة بإصبع واحد، فانزلقت فوق الفولاذ البارد لتستقر عند مفاصلي. «وقّعي مكان الإشارة. أنتِ عربوني لين يوقف أخوكِ بنفس مكانك».

حدّقتُ في السطر الفارغ، ثم في القلم الثقيل المستقر بجانبه، والذي كان لا يزال دافئاً من حرارة كفّه.

«وإذا قلت لا؟»

ارتفع طرف فمه للأعلى؛ لم تكن ابتسامة، بل تحذيراً.

قال: «إن ما وقّعتِ، رجالي بيلقون أخوكِ ويفرغون رصاصة في كل ركبة من ركبتيه. وبعدها برجع لكِ على أيّة حال. الفرق الوحيد إنك بتدخلين بيتي كدينٍ ما تسدّد، مو كضيفة».

قال ذلك بنبرةٍ باردة كأنه يطلب فنجان إسبريسو؛ جافاً وعادياً، وهذا الجزء تحديداً هو ما جمّد الدماء في عروقي.

كان المصباح الوحيد المتأرجح فوقنا يقسم وجهه بين ضوءٍ قاسٍ وظلٍّ حالك.

همستُ: «أنا حتى ما أعرف أنت مين».

«دومينيك كاستيلان». قالها دون أن يطرف له جفن. «تقدرين تناديني دومينيك، أو السيد كاستيلان. ما يفرق معي، المهم فمك ينطق يوم أكلّمك».

أطبقتُ أصابعي على حافة الطاولة الفولاذية، ولسعت البرودة أطراف أصابعي.

قلتُ محاولةً كسب الوقت: «أربعة ملايين دولار... داني ما يملك هالمبلغ. يالله يقدَر يدبّر إيجار بيته».

«كان يدبّر إيجاره من جيبي. ثلاث سنين وهو يفتش صناديقي في الميناء، وكنت أجزيل له العطاء عشان يظل نظيف وما يلف ويدور». نقر دومينيك بظفره المقلّم تحت اسمي مباشرة: «قبل 11 يوماً، بطّل يصير نظيف. صفّى حساباً خاصاً، وأحرق صندوق أمانات، واختفى بفلوسي».

«أجل رِح الحقه وجيبه».

«هذا اللي بسويه. وأنتِ بتساعديني».

«ما أدري وين راح!» خرجت الكلمات مني متسرعة ومفضوحة كصرخة ذعر، وكرهت نفسي لأني أظهرت له خوفي.

قال دومينيك بنبرة ملساء: «أدري إنك ما تدرين. مو الحين. بس تعرفين علاماته وحركاته، تعرفين خط يده، وتعرفين جحور الفئران اللي كان يندسّ فيها يوم كنتم صغار. وأبوكِ...» انحدرت نظرته ببطء، متتبعة عنقي وصولاً إلى حيث كان نبضي يثب تحت جلدي، «... مسك دفاتر حسابات عائلتي عشرين سنة. شفرات قيد مزدوج، وسلاسل أرقام ما يقدر يفكها أحد غيره. ووصلني علم إنك تعرفين هالشفرة».

انقبض صدري فجأة.

«مين قال لك هالكلام؟»

«ما يهمّ. المهم إن عندي دفتر حسابات ما أقدر أقرأه، وهارب ما أقدر أمسكه، وبنت جالسة قدامي هنا بالضبط بتحل لي المشكلتين». دفع القلم نحوي نصف بوصة أخرى. «90 يوماً. تفكّين اللي تركه أبوكِ، وتساعديني أجيب داني، وهالعقد بينحرق باللحظة اللي يوقف فيها قدامي».

«وإن عجزت أفكّه؟ إذا ما عرفت أقرأه؟»

«وقتها بتصيرين رهن وضمان لخسارة بأربعة ملايين دولار، وما لك أي طريقة لسدادها». ترك الصمت يمتد ثقيلاً حتى كدت أختنق: «لو كنت مكانك، خليت نفسي نافعة يا مارا».

ارتجفت أصابعي وأنا أرفع القلم.

تجمّدتُ عند السطر الأخير. رفعتُ رأسي أواجه عينيه الرماديتين بلون حجر الإردواز، رافضةً أن أنكس رأسي ككلبٍ ذليل.

قلتُ: «هذا مو قانوني. ما تقدر تحتجزني كذا».

وافقني ببرود: «صادقة، مو قانوني».

«أول ما أطلع من هالباب، بروح للشرطة».

مال دومينيك نحوي، واقترب حتى طغت رائحة خشب الأرز والمطر البارد المنبعثة من معطفه الصوفي على عفونة السمك؛ واقترب لدرجةٍ مكنتني من رؤية ذرات الذهب الداكن في قزحيتيه.

«ما أنتِ طالعة للشارع يا بعد عمري. ولا أنتِ راجعة لشقتك الصغيرة. لا الليلة، ولا طوال 90 يوماً».

«ما تقدر تسرق حياة إنسان بهالبساطة!»

«أقدر أطالب بحقي اللي لي». وأشار إلى السطر المنقّط: «وقّعي. الحين».

أجلتُ نظري في أرجاء المكان؛ خمسة رجال مسلّحين يراقبون المخارج، ووحشٌ جالس لا يفصله عن وجهي سوى بضع بوصات. لا أحد سيدخل من ذلك الباب لإنقاذي.

ضغطتُ برأس القلم على الورقة.

تعثّر الحبر. خططتُ اسمي الأول وأنا أصارع ارتعاش يدي، ثم كتبتُ اسم عائلتي مائلاً تحت توقيعه.

انتزع دومينيك القلم من بين أصابعي مباشرة، فلامست بشرتُه جلدي وبدت لاهبة تكوي مفاصلي المتجمدة. أعاد الغطاء إلى القلم بضغطة.

*طَقّة.*

دوّى صوتها كأنها باب زنزانة يُوصد في وجهي.

تمتم قائلاً: «شاطرة»، وهو يدسّ الورقة الموقّعة في الجيب الداخلي لمعطفه. ثم نهض فارعاً يعلو الطاولة، وأغلق أزرار سترته.

«لحظة—» دفعتُ كرسيّ للخلف. «أغراضي... شقتي... قطّتي—»

«انتهى الموضوع.» مدّ دومينيك يده إلى الأسفل وقبض على معصمي؛ كانت قبضته عريضة، ثقيلة، وعصيّة على الفكاك. «الأقفال تبدّلت، وعقد الإيجار انفسخ. وعلى ما نوصل السيارة يا مارا، باب بيتك ما عاد له وجود أصلاً.»

سحبني من الكرسي بجذبة خاطفة، جارّاً إياي حتى التصقتُ بصدره تماماً.

«امشي.»