Chapter 2 · جرد الموجودات

لم يُفلت معصمي إلا بعد أن انطبقت البوابات الحديدية بقوة خلف سيارة التاون كار.
وحتى حينها، أبعد أصابعه واحداً تلو الآخر؛ ببطء، وبتأنٍ محسوب، وكأنه يعيرني جلدي إعارةً لا أكثر.
قال دومينيك: «سيندر بوينت».
لم ينظر إليّ وهو ينطقها، ولم يكن بحاجة إلى ذلك؛ إذ كانت الجدران الكلسية ترتفع 30 قدماً مباشرة من قلب الظلمة الوعرة، شاحبة كعظم مشروخ في مواجهة الأشجار. طريق واحد للدخول، وطريق واحد للخروج. كنت قد رصدت ذلك قبل 5 أميال عبر الزجاج المظلل، تماماً كما ترصد مخرج الطوارئ قبل أن تلامس عجلات الطائرة المدرج.
المشكلة أنه لم يكن هناك أي مخرج.
قلت له بصوت خرج رخيماً وثابتاً: «ما أظنك ناوي تقيدني بمدفأة؟». وإن كانت يداي ترتجفان، فقد حشرتهما في جيبي معطفي قبل أن يلمحهما.
ترجل دومينيك، ودار حول مقدمة السيارة، ثم فتح بابي. كانت أنسام الليل تعبق برائحة الملح ومياه البحر السوداء المتجمدة.
قال: «لا والله». ثم انحنى نحوي، قريباً حتى لامس معطفه الصوفي وجنتي، عابقاً برائحة خشب الأرز والتبغ البارد ونفحات الثراء الفاحش: «بعطيك سرير، وثلاث وجبات في اليوم، و90 يوماً حتى تجيبين أثر أخوك. وصدقيني يا بعد عمري... مع الأسبوع الثاني، بتترجيني عشان المدفأة».
لم يمد لي يده، بل اكتفى بالانتظار حتى وقفت على قدمي، وقامته المهيبة تسد الممر المعبد والأنوار، بل والسماء بأكملها.
وقف رجلان عند البابين الأماميين المزدوجين. ضخما الجثة، ببزات مفصلة بعناية عجزت عن إخفاء الانتفاخ تحت إبطيهما الأيسرين. أومآ برأسيهما لدومينيك، وتجاوزت نظراتهما وجودي وكأني لم أكن، كأني مجرد شحنة بضائع جافة تُسلَّم بعد انقضاء ساعات الجرد.
في الداخل، صفعني المكان ببريق رخامه المصقول ورائحة شمع الليمون اللاذعة. أسقف مقببة عالية، ودرج منحنٍ يتلاشى في الظلال بالأعلى، وثريا أثرية تتدلى منها حبات الكريستال التي نُظّف كل منشور فيها بعناية فائقة.
سجلت تفاصيل كل شبر دون أن ألتفت برأسي: 4 أبواب تتفرع من الردهة، وقفلان على المدخل الرئيسي، ولا توجد نوافذ في الطابق الأرضي يمكن الوصول إليها دون إطلاق أجهزة الاستشعار المحيطية المثبتة على الجدار.
لمح دومينيك عينيّ وهما تختلسان النظر نحو لوحة المفاتيح الرقمية بجوار القفل.
ارتفعت زاوية فمه في شبه ابتسامة؛ لم تكن ابتسامة، بل كان تحدياً صريحاً.
همس خلف أذني، على بعد بوصتين لا أكثر، وأنفاسه دافئة تلامس رقبتي: «رمز اللوحة يتغير كل 12 ساعة، و4 حراس مسلحين يمشطون حافة الجرف. والمحيط الأطلسي برا حرارته 40 درجة والتيار الساحب يجر شرق على طول. ودك تفصخين وتسبحين؟ تفضلي، الباب يفوت جمل... بس بخلي قارب الزودياك يصيدك قبل لا تزرق شفايفك».
قلت له بحدة وأنا أخطو للأمام لأبتعد عن وهجه: «شكلك مسويها قبل كذا».
«أسوي اللي يجيب نتيجة».
نزلت امرأة من الدرج، يتردد صدى نقرات حذائها حاداً على الرخام. شعر داكن مصفف للخلف بقصة مستقيمة، وفك حاد كالشفرة، وتبدو في نحو الـ 28 من عمرها. رمقتني بنظرة تفحصية من رأسي إلى أخمص قدمي، تماماً كما ينظر طبيب بيطري إلى حيوان شارد انتُشل من عاصفة رعدية؛ يتردد في لمسه حتى يتأكد أولاً أنه غير مسعور.
قال دومينيك وهو يزرر سترته: «جيا، بنت عمي. بتاخذك فوق».
سألته جيا: «الغرفة؟».
«الغرفة».
هكذا بصيغة المفرد، وكأن ثمة قفصاً واحداً فقط مُعداً لهذه الطبقة بالذات من الرهائن.
قالت لي جيا: «مشّينا عجل». واستدارت على عقبيها دون أن تنتظر لترى إن كنت أتبعها: «الدور الثاني».
صعدت خلفها لأن رجلين كانا خلف ظهري، ولانعدام أي خيار آخر أمامي. عددت 12 درجة حتى البسطة الأولى، و8 درجات أخرى نحو الشرفة العلوية المطلة على الردهة. كانت هناك 6 أبواب تصطف في الرواق العلوي؛ خشب بلوط ثقيل، ومزاليج نحاسية متينة.
وكانت جميع تلك المزاليج مثبتة من الخارج دون استثناء.
دفعت جيا الباب الرابع وقالت: «الحمام داخل الغرفة، والمناشف النظيفة في المغسلة. العشاء الساعة 8 تحت. منتي ملزومة تاكلين، لكن لا تحسبين بنجيب لك خدمة غرف إذا قعدتِ تدلعين وتسوين مناحة».
خطوت إلى الداخل. سرير عريض ذو أربعة أعمدة، ومقعد عميق عند النافذة، وألواح زجاجية شاهقة تطل مباشرة على أميال من المحيط الحالك السواد.
اتجهت مباشرة نحو النافذة وألقيت بكل ثقلي على إطارها. لم يتحرك سوى نصف بوصة قبل أن يرتطم بقوة بحاجز فولاذي.
هتفت جيا من عتبة الباب، وهي تسند كتفها إلى الإطار: «زجاج أمني مقوّى، ومثبت بالمسامير في صلب البناء. لا تضيعين أظافرك وتخربينها على الفاضي؛ أنا نفسي جربت أضربه بكعب شوزي قبل 5 سنين».
حدقت بها: «جربتِ؟».
بهتت عيناها وقالت بجمود: «آل كاستيلان ما ينشرون غسيلهم قدام الرهائن. بدلي ملابسك، أو اقعدي كذا، بكيفك».
تراجعت خطوة إلى الوراء، وصفقت الباب، ثم انزلق المزلاج في مكانه بصوت ارتطام معدني رزين وحاسم.
وقفت في منتصف السجادة الفارسية وأجبرت رئتي على التنفس بعمق. 1. 2. 3. 4. الذعر ترفٌ لا يملكه إلا من ينتظر شخصاً يأتيه بالنجدة، ولا أحد آتٍ لإنقاذي. لقد هرب أخي ومعه 5 ملايين من أموال دومينيك كاستيلان القذرة، وكنت أنا وثيقة الضمان.
بدأت العمل فوراً.
الخزانة أولاً؛ علاقات ملابس عارية، وكومة من شراشف القطن المصري على الرف العلوي. ثم الحمام؛ لا أنابيب مكشوفة، ولا شفرات حلاقة، والمرآة ملتصقة بإحكام على الجدار الجاف بغراء صناعي متين. لا شيء سائباً يمكن تحريكه.
توجهت إلى خزانة الأدراج الخشبية الثقيلة المصنوعة من الماهوجني. 3 أدراج مبطنة بورق رفوف مصفرّ؛ كلها فارغة.
مررت أصابعي تحت الحافة السفلية، ثم مددت يدي خلفها، وضغطت براحتي على اللوح الخلفي. كان أبي يصنع الخزائن في كراج بجنوب بوسطن قبل أن تغرقه ديونه وتدفنه حياً، وكانت قاعدته الأولى: *إذا كان عند الرجال سر ما يقدر يحرقه، يدقه بالمسمار ورا الدرج الأخير*.
علق إبهامي عند حافة شق.
لم يكن مسمراً، بل اقتُلع قسراً، ثم أُعيد لصقه باعوجاج.
حشرت ظفر إبهامي تحت الحافة، وقبضت على الخشب المعاكس، ثم نترته بقوة. تداعى الخشب الجاف بطقطقة حادة جعلتني أتجمد مكاني، مترقبةً وقع أي أقدام.
سكون تام.
خلف لوح الخشب، كان يرقد صندوق أحذية متهالك، حوافه مهترئة ولانت من فرط الرطوبة. في داخله، وُجدت فواتير وقود مصفّرة، وثلاث صور بولارويد لرصيف بحري لم أره في حياتي، وورقة ممزقة من تقويم مكتبي قديم.
حدّقتُ في خط اليد على صفحة التقويم.
حلقات الحروف ضيقة ومتزاحمة. الميلان العكسي في كل حرف (y). وتلك الشرطة الأفقية الصغيرة التي تقطع كل رقم 7 على الطراز الأوروبي.
تحجّر النَّفَس في حلقي.
إنه أبي.
مات منذ 12 عاماً. قُتل في حادث انقلاب مروّع اشتعلت فيه النيران على الطريق 1 حين كنت في الرابعة عشرة من عمري. لم يملك في حياته بيتاً كهذا، ولم يعمل قط لحساب رجال من طينة آل كاستيلان. كان مجرد مقاول مستقل يرزح تحت الديون لكل شخص في المقاطعة.
أو لعلها الكذبة التي ظللت أبتلعها طوال حياتي.
ملّستُ القصاصة على بنطالي الجينز. كان هناك تاريخ وحيد أُحيط بدائرة من حبر أحمر جاف، كُتب بضغط شديد كاد يثقب الورقة.
وتحته، خُطت أربع كلمات بيده المستعجلة:
*أخبرها قبل يوم الجمعة.*
قبل 6 أيام من الحادث.
صرّ مزلاج الباب الخارجي.
دسستُ الصندوق بسرعة خلف لوح التسريحة، وخطفت الورقة، ثم استدرت ويداي خلف ظهري تماماً مع انفراج باب السنديان الثقيل.
وقف دومينيك على العتبة، ربطة عنقه مرتخية، والزر العلوي لقميصه الأسود مفكوك. جالت نظرته الداكنة على السجادة المبعثرة، ثم تسمّرت على وقفتي المتجمدة، وهبطت في التو نحو يديّ المخبّأتين.
تجمّد الهواء بيننا تماماً.
قال: «العشا على الطاولة». لم يتحرك، ثم انحدر صوته إلى نبرة خفيضة وقاتلة: «والحين.. ورّيني يدينك، حطّيها قدام عيني».