رجوع

رهينة الدون

0%

Chapter 3 · المد والقبضة

رهينة الدون Chapter 3

لم تكن تفصلني عن الحافة سوى خطوة واحدة حين باغتتني تلك الذراع القوية وانتشلتني إلى الخلف.

طوّقت ضلوعي كأنها قيد من حديد. تلاشى الرصيف الخشبي من تحت قدميّ، وراح حذائي الرياضي يركل الفراغ، بينما المياه السوداء تمور تحتي مباشرة، ورذاذها البارد يلسع ساقيّ العاريتين. صرختُ بملء صوتي، صرخة هلع صرفة، وسددتُ بمرفقي ضربة قاسية إلى الخلف.

اصطدمتُ بكتلة عضلية صلبة. أطلق همهمة مكتومة، لكن قبضته لم تتزحزح قيد أنملة.

كشط صوت دومينيك أذني تماماً: "خلّصتِ؟"

"فكّني!"

"مو في هالمويه."

سحبني إلى الوراء بعيداً عن الرصيف كأنني ريشة لا وزن لها. قاومتُ بكل ما أوتيت؛ بأظافري، وبكعبيّ، وبكل ما وصلت إليه قدمي من ركلات. لكن كل ذلك لم يُجدِ نفعاً. ارتطم عمودي الفقري بالجدار الحجري لمرأب القوارب، وتقدّم حتى حاصرني تماماً؛ ثبّت ذراعه فوق رأسي، وضغط بجذعه على جذعي حتى لم تبقَ بيننا فسحة للهواء.

14 دقيقة. هذا كل ما دامته محاولتي للهرب. وكنتُ قد عددتُ كل ثانية منها.

علّمني داني كيف أفتح الأقفال وأنا في سن 16، باستخدام دبوس شعر وبجرأة لسان لا تبالي. كان القفل النحاسي على باب غرفة النوم في سيندر بوينت يبدو منيعاً، لكنه استسلم بالسهولة نفسها. درج معتم، ثم باب مخزن المؤن الذي لم يخطر ببال أحد تزويده بجهاز إنذار، بعده ساحة عشبية واسعة كأنها ملعب كرة قدم، ثم درجات الحجر الجيري المنحوتة التي تنحدر بمحاذاة الجرف، وصولاً إلى الزورق الصغير الراسي هناك مربوطاً بالدعامات الخشبية، وكأن أحداً كان يريدني أن آخذه وأهرب.

ربما كان الأمر كذلك فعلاً. لكنني لم أكن أملك ترف التفكير في ذلك الآن.

كانت رياح البحيرة تخترق كنزة الصوف الرخيصة التي أعارتني إياها جيا كأنها شفرات حادة. كانت أسناني تصطك، لكن دومينيك كاستيلان كان كتلة من الحرارة اللاهبة، وذلك بالذات ما أثار غيظي أكثر من أي شيء آخر. كان بلا معطف، بقميص أبيض مفتوح عند الرقبة. وصدره يضغط على صدري بقوة جعلت نبضات قلبه تدق مباشرة عبر طبقتي القماش.

ثقيلة، وسريعة أكثر مما ينبغي بكثير.

قال وأنفاسه تداعب خدي: "الحرارة 48. ما يمديكِ تصمدين أكثر من 11 دقيقة قبل لا يوقف قلبك. وبهالكنزة؟ أقل بعد."

"أهون من غرفة مقفولة."

"الغرفة مقفولة لأن ما فيه غير طريق واحد يطلّع من هالمكان، وفيه ثلاث عصابات تدفع كاش عشان تمسكك على طرف الطريق."

"عذر ممتاز." ارتعش صوتي، ومقته في تلك اللحظة لأنه سمعه. "تقول هالكلام لكل بنت تحبسها عندك؟"

كزّ على فكّه. كان رذاذ الماء عالقاً بأهدابه الداكنة، ولم يطرف له جفن.

"بس أنتِ."

دفعته في صدره بكلتا يديّ، فكان كمن يدفع صخر الجرف. لم يتزحزح؛ تلقّى الدفعة مرتين، وفي المرة الثانية انحبس نَفَسُه تحت كفيّ مباشرة. لمرة واحدة، وبحدة، كأنني باغتّه على حين غِرّة.

تجمّدت مكاني.

قلت: "كنت تراقبني من أولها."

"فيه كاميرا عند بيت الدرج. وطلعت من الباب الخلفي قبل لا تقطعين العشب حتى."

"يعني خليتني أنحاش بمزاجك."

"كنت أبي أشوف وين وجهتك." انحدرت نظرته نحو شفتيّ، واستقرت هناك برهة أطول مما ينبغي، ثم صعدت ببطء إلى عينيّ: "رحتِ للمويه سيدة. ولا التفتِّ وراكِ ولا مرة."

"تبيني أشكرك يعني؟"

"ما كان مدح."

"جرّب هذي أجل." رفعتُ ركبتي بقوة إلى الأعلى، فلوى وركه وتلقّى الضربة على فخذه الخارجية، وتلك الحركة بالذات حشرت فخذه تماماً بين ساقيّ. ضرب بكفه الحجر بجوار خدي، فازداد كل شيء احتداماً وضيقاً، وكل بقعة من جسدي لم تكن تشتعل برداً صارت مسحوقة ومشدودة إليه.

صار يتنفس من بين أسنانه الآن، وكنتُ أفعل مثله. خصلات شعري المبتلة كانت تلطم خده بفعل الريح.

قال بصوت هبط إلى نبرة أكثر عمقاً: "مارا... اثبتي."

"وإلا وش بتسوي؟"

"وإلا بيجيكِ شد عضلي، وبضطر أمد يدي عليك مرة ثانية."

سرَت قشعريرة خام ومربكة أسفل بطني. أقنعتُ نفسي بأنها مجرد ذعر، وكنتُ أكذب على نفسي بهذه الطريقة طوال الثواني العشر الماضية.

من خلفي، أحدثت الورقة طقطقة خافتة في جيب بنطالي الجينز؛ ورقة التقويم الممزقة من صندوق الأحذية. انحدرت عينا دومينيك إلى الأسفل على الفور. انقبض حلقي، وضغطتُ بجسدي بقوة أكبر على الحجر الرطب في محاولة لإخفاء الثنية بي.

عاد بنظره إلى وجهي. لم يسأل، ولم يمدّ يده إليها.

وكان ذلك أسوأ بكثير.

قال: "قاعدة تنزفين."

ألقيتُ نظرة إلى الأسفل. كان كف يدي اليمنى مشقوقاً بفعل حاجز الرصيف، وشظية خشبية غليظة مغروزة في باطن الإبهام كأنها راية سوداء مسننة. لم أكن قد شعرت بها حتى نبّهني إليها.

"ما فيني شيء."

"هاتيها."

مدّ يده، رافعاً راحته للأعلى على بُعد بوصات من يدي. لم ينتزعها، بل اكتفى بالانتظار.

قلتُ بنبرة لاذعة: "أنت أصلاً حاط يدينك عليّ ومكتفني! سحبتني من على الحافة كأني شنطة سفر."

انخفض صوته وازداد خشونة: "ذاك كان عشان تظلين حية. أما الحين... فأنا أطلب."

صرخ كل صوت عاقل في رأسي آمراً إياي بأن أبتعد، وأن ألزم الصمت وأتراجع إلى الخلف. لكنني لم أقوَ على الحراك، وكانت القشعريرة تنفض عظامي نفضاً.

وضعتُ كفي في كفه.

أطبقت أصابعه الخشنة الحارة حول معصمي، وأدار كفي باتجاه أضواء الفناء العنبرية المنبعثة من أعلى الجرف. لمس إبهامه الجلد الممزق، فانتفضتُ بألم. تجمّد تماماً، وتمتم بشيء خافت تحت أنفاسه، ثم قبض على الشظية بإصبعين ونزعها بضربة واحدة خاطفة.

عضضتُ على شفتي بقوة حتى تذوقت طعم النحاس، ولم أنبس ببنت شفة.

تمتم قائلاً: "خلّصنا."

لكنه لم يفلت معصمي.

ارتفعت يده الطليقة عن الحجر وتسللت بين خصلات شعري الرطبة عند مؤخرة عنقي، دافئة وثابتة، وراحت راحته تطوّق قاعدة جمجمتي كأنه يعرف تماماً الموضع الذي سأنكسر عنده. انحنى نحوي حتى لامس فمه شحمة أذني، وجاءت كلماته هامسة تكاد الريح تبتلعها:

"غرفة الحسابات. مع الفجر."

انعقد صدري: "وشو؟"

"تفكّين شفرة صفحة وحدة من دفتر حسابات أبوكِ، وأنا أكسر لكِ قاعدة وحدة. أي قاعدة تبينها." لفحت أنفاسه الحارة جلد عنقي البارد، فسرَت رجفة كهربائية تسللت في عمودي الفقري. "صفحة وحدة، مقابل قاعدة وحدة. عن كل يوم شغل."

"وإذا قلت لك تروح في ستين داهية؟"

«إذن فالبحيرة أمامكِ تماماً». مرّر إبهامه بحركة بطيئة متعمّدة فوق مؤخرة عنقي، في ذلك الموضع الحسّاس. «لن أنتشلكِ من فوق هذا الرصيف مرّتين».

نظرتُ من وراء كتفه إلى الماء الأسود وهو يلطم الخشب، بارداً وممتداً بلا قرار، وإلى الزورق الصغير وهو يتهادى مقيّداً بحبله كفخٍّ يتربّص بلحظة الإطباق.

كان لا يزال قابضاً على معصمي، وصدره يثقل على صدري، ونبضه يطرق في أضلاعي كالمطرقة. والأدهى من ذلك كلّه—الأمر الذي أموت قبل أن أقرّ به—أن عقلي كان يختار بالفعل أوّل قاعدة سأكسرها.