رجوع

رهينة الدون

0%

Chapter 4 · قيد مختلف

رهينة الدون Chapter 4

وقف دومينيك كاستيلان خلف كرسيّ مباشرة، قريباً إلى حدّ أن حرارة صدره نفذت من قميصي.

لم يكن يلمسني.

ولم يكن مضطراً لذلك؛ فالإحساس كان كأنني أقف أمام تنور مفتوح.

أبقيتُ ريشة القلم مضغوطة على السطر 14. لم يطرف لي جفن، ولم ألتفت.

قال: «ثمان وثلاثون دقيقة على عمود واحد.»

«قاعد تحسب علي بالدقيقة؟»

«أنتِ اللي قلتي لي إنك تعدّين كل شيء.»

«وهذا هو السبب الوحيد اللي مانعك ترميني في البحيرة.»

تجاوزت عقارب ساعة الحائط السادسة. لم تكن في القبو نافذة لأتأكد منها، فقط أنين جهاز سحب الرطوبة في الزاوية، والوهج الأخضر لمصباح المكتب، ودفتر حسابات أبي المفتوح فوق الطاولة الفولاذية الباردة. كانت أطراف أوراقه رطبة ليّنة كالقماش من أثر إبهامات رجال رحلوا عن الدنيا.

صفحة تُفكّ شفرتها، فيُكسر لأجلها قانون.

هذا كان الاتفاق الذي همس به بصوت أجشّ في خصلات شعري قبل ساعات، حين كان ماء البحيرة لا يزال يجف عن جلدي. حبسني هنا منذ الرابعة فجراً مع قهوة باردة كالحجر، ووجع نابض بين ضلوعي رفضتُ أن أمنحه لذة البوح به.

أمرني قائلاً: «اشرحي لي خطوة بخطوة.»

«لا.»

«مارا.»

«تبغى محاضرة؟ رح استأجر لك بروفيسور.» نقرتُ بريشة القلم على الورق: «تبغى الصفحة؟ اسكت وانتظر.»

كشط كرسيّ على الأرضية الخرسانية بصرير حادّ. سحب دومينيك الكرسي الحديدي الاحتياطي حول الطاولة وارتمى فوقه، لتفصل بين ركبتيه وركبتيّ بوصة واحدة.

كان قد شمّر كمّي قميصه الأبيض حتى المرفقين. قطعت ندبة قديمة ساعده الأيسر، باهتة ومتعرجة فوق بشرته السمراء. كانت تفوح منه رائحة صابون خشب الأرز وزيت أسلحة نظيف. كرهتُ أن رئتيّ التقطتا الرائحتين قبل أن أستطيع منعهما.

قال، وانخفض صوته طبقة كاملة: «مشّيها معي. لي ثلاث سنين أطالع في هذا الدفتر الملعون، ما أشوف إلا أرقام، وفلوس مغسولة.»

«لأنك طماع؛ كل الناس تقرأ الدولارات.» أدرتُ الدفتر الثقيل 90 درجة لتواجهه الأعمدة: «أبوي ما همّه قرش من هالدولارات. شوف السنتات.»

انحنى دومينيك نحوي. لامس كتفُه كتفي، ولم يتراجع أيٌّ منا.

«41.18. 16.09. 9.05.» مرّرتُ الريشة المعدنية أسفل الكسور العشرية: «ما فيه أحد يدفع لمورّد حديد 16.09. لكن الـ 16 تعني P، والـ 9 تعني I، والـ 5 تعني E.»

خيّم الصمت على الغرفة، حتى جهاز سحب الرطوبة كأنه أهدأ من وتيرته.

قال دومينيك: «Pier... رصيف.»

«رصيف.» لم أنظر إلى فمه؛ كان النظر إلى فمه مجازفة. «وبعدها 14، 9، 14، 5. ثم 9.»

«الرصيف تسعة.»

«حلوة، صح؟ أول شفرة دفنها الشايب في حياته كانت الرصيف اللي اشتريت فيه حقك في رقبتي.»

لم يبتسم بسخرية، بل انتفضت عضلة فكّه بقوة لمرة واحدة، ثم سكن تماماً—سكوناً مميتاً يشبه سكون ضارٍ يتسمّع خطى دخيل بين الشجيرات.

ثم وقعت عيناي على التاريخ المدوّن في الهامش. قبل 12 عاماً، في مثل هذا اليوم بالتمام.

تذكرتُ ذلك الأسبوع؛ كان الأسبوع الذي ووريت فيه أمي الثرى داخل تابوت صنوبر رخيص.

لم أنطق بحرف. مرّرتُ كفي فوق الهامش، وجعلتُ ملامحي تتصلب كالصخر.

سأل دومينيك بصرامة: «وش بعد؟»

«هذي الصفحة الأولى.»

«ما خلص القيد كله.»

«الاتفاق كان صفحة مقابل كسر قانون واحد. ما اتفقت معك أقرأ لك قصة قبل النوم.»

ثبّت عينيه الرماديتين في عينيّ بلا طرفة، بقسوة لا ترحم. كنتُ قد كذبتُ في وجوه مأمورين فيدراليين ومرابين، لكن جلوسي تحت نظرات دومينيك كان يسلخني حتى العظم.

قال: «قاعدة تخبّين عني.»

«أنا ماسكة قلم.»

«مارا.»

«تبغى كل اللي في راسي؟ ادفع ثمنه.» تحشرج صوتي عند المقطع الأخير، حاداً ومنفراً: «ماني آلة بيع ذاتي يا دومينيك، تحط فيها هللة ويطلع لك اعتراف.»

مرّ ظلّ معتم في عينيه، واختفى قبل أن أتبينه. قال: «زين، القانون أولاً.»

ومدّ يده.

فجفلت. لم تكن حركة تتجاوز نصف بوصة، لكنه انتبه لأدق تفاصيلها، وظلت يده معلّقة في الهواء بيننا.

تمتم قائلاً: «الحبر الأسود واصل لمعصمك... تسمحين؟»

كان هذا تحديداً ما يُوجع صدري؛ أنه يستأذن دائماً. لو أنه ثبّتني وانتزعني بالقوة كالوحش الذي يُفترض أن يكونه، لكنتُ كرهتُه كراهية خالصة.

قلت: «لا.»

ظلّ مكانه، ينتظر.

«خلاص، ما تفرق. تراه مجرد حبر.»

طوّقت أصابعه معصمي؛ دافئة، جافة، وخشِنة الملمس على جلدي. أدار ذراعي تحت الوهج الأخضر للمصباح، فبدت لطخة حبر سوداء كثيفة تمتد من أصل إبهامي حتى منتصف ساعدي.

أخرج بيده الطليقة منديلاً كتانياً من جيبه، كان مكويّاً بعناية.

لم يستعمله على الفور.

ضغط بإبهامه في التجويف الغائر لداخل معصمي، وسحبه إلى أسفل بمسحة بطيئة وقاسية. تلطّخ الحبر، واحترق جلدي تحت لمسته. وتحت باطن إبهامه، كان نبضي يرتجف كطائر عالق في فخ.

أحسّ به، وشاهده وهو يثب.

همس: «قلبك يدق بسرعة.»

«معصبة.»

«طيب.»

«والله معصبة.»

«أدري.» مسح بالكتان الجاف ساعدي بتأنٍ مقصود، وعقد أصابعه تلامس الجلد الرقيق فوق معصمي: «ازعلي قد ما تبين، بس لا تكذبين باللي في هذا الدفتر.»

«ما أكذب.»

«قاعدة تنقّين الكلام.» ارتفعت عيناه لتسمّراني في الكرسي: «وفي هذا البيت، هالأمرين واحد.»

كان ينبغي أن أنتزع ذراعي. كان معصمي مستقراً في راحة يده، مستسلماً كأنه ملك له، فتجمدتُ مكاني. أربع بوصات فقط فصلت بين فمينا. تقطّعت أنفاسه، متلبسة الإيقاع المتوتر واللاهث ذاته لأنفاسي.

ثم سكن إبهامه.

أبعد المنديل الكتاني. كان الحبر قد زال في معظمه عن جلدي، وانتقل كلطخة رمادية باهتة استقرت على كعب يده.

وكان هو من أفلت أولاً.

كان وقع ذلك أشدّ لسعاً من صريح التهديد.

قال وهو يدفع كرسيه إلى الخلف، فصدر صرير معدنٍ يحتكّ بالحجر: «شرطكِ أنتِ.. اطلبيه.» كان بحاجة إلى تلك المسافة الفاصلة بيننا بالقدر نفسه الذي كنتُ أحتاجه.

لم أكن بحاجة للتفكير؛ فالجواب كان يغصّ في حلقي منذ أن انتشلني من ذلك الماء المتجمّد.

قلت: «هواء.. وسماء حقيقية، لا مجرد أنبوب في قبو.»

تشنّجت ملامح دومينيك وقال: «مارا، الأمر ليس بـ—»

«شرطٌ واحد. وأنت عطيتني كلمتك.»

مرّر كفّه الخشنة فوق فكّه. ولنصف ثانية، لاح عليه الإرهاق جليّاً؛ تلك النظرة الخاوية لرجل لم يذق طعم نوم ليلةٍ كاملة منذ أشهر. لكن القناع سرعان ما عاد ليستقرّ على وجهه، بارداً وقاسياً لا يلين، ثم فكّ حلقة مفاتيح نحاسية ثقيلة من حزامه.

قال مقتضباً: «تحرّكي.»

سلكنا الدرج الخلفي الضيق؛ كنتُ أتقدّمه بخطوتين، وحرارته تتبعني كفوّهة مسدس مصوّبة بين لوحي كتفي. قطعنا المكتبة المظلمة، متجاوزين صفوفاً من الكتب ذات التجليد الجلدي المهترئ، متّجهين مباشرةً نحو باب الشرفة الشرقية.

أدخل المفتاح في القفل، فصدرت عن النحاس الثقيل طقطقة حاسمة.

اندفع هواء البحيرة البارد إلى رئتيّ؛ برائحة الصنوبر المبتل، وحجر الأردواز، وهبوب الريح الطليقة. خطوتُ إلى الأمام في تلهّف جائع، أتوق لأن تلامس السماء وجهي.

لكن دومينيك كان أسرع.

بخطوة واحدة، سدّت كتفاه العريضتان إطار الباب، وحجبتا ضوء الصباح الرمادي الشاحب قبل أن يلامسني.

قال: «حدّك هنا.»

«وعدتني بهواء.»

«وها أنتِ تتنفسينه.» ابتلعني ظله بالكامل؛ لم يمسسني بطرف إصبع، لكنه استولى على كل شبر من الفضاء المفتوح. «تمشين في المدى اللي ترصده عيوني، وتتحركين وخطواتي وراكِ خطوة بخطوة.. هذا هو الاتفاق.»

«هذه ما هي بحرية.. هذا مجرد حبل أطول للرسن.»

«أجل اخطي خطوتكِ، يا مارا.»

شددتُ على فكّي، ورفعتُ ذقني، ثم خطوتُ خارجاً فوق البلاط الحجري الرطب.

وجارى خطوتي، خطوةً بخطوة.

وفي الأعلى، فوق ساتر الشرفة المطلة على الفناء، تحرّك قنّاصٌ يرتدي عتاداً تكتيكياً أسود. استدارت فوهة بندقيته بسلاسة مبتعدةً عن خط الأشجار.

واستقرّت مباشرةً فوق صدري.