Chapter 1 · كلفة المأوى
كانت رائحة العود والورق العتيق تملأ المجلس التنفيذي، والدلّة لم تكفّ عن السكب منذ أن جلست.
ملأ لي رجل طارق الفهد فنجاني إلى ما دون النصف، باليمين أولاً، فتناولته؛ لأن ردّه كان سيُكلّف أبي ما هو أعظم من مجرّد فنجان قهوة. كان المجلس في «كافد» أشدّ برودةً من الأبراج التي ينتصب بينها؛ جدرانٌ من الحجر الجيري، وطاولةٌ طويلةٌ يتيمة، واسم أبي مخطوطٌ بالفعل على الورقة المفرودة أمامي بحبر رجلٍ آخر.
كنتُ قد قضيتُ 11 دقيقة في الغرفة قبل أن يدخل الشيخ طارق. دخل على مهل؛ ثوبٌ أبيض بنياقة مشدودة، وبشتٌ بقصب زري أسود وذهبي مردودٌ على كتفٍ واحدة، وساعة «باتيك» برِقّة قطعة نقدية في معصمه. لم يجلس عند صدر المجلس، بل قبالتي تماماً، وتلك بحد ذاتها إهانة مقصودة، ثم راح يتفرّس فيّ كأنه يقرأني.
كان قد بادرني بالسلام أولاً قبل أن يأخذ مقعده، وسمعت الغرفة تحيّته. مرّرتُ الأمر؛ فالتحية لا تُكلّفه شيئاً، وتشتري لي ساعةً من التحرّر من سطوته.
«يا أستاذ»، ناداه نائبه من عند الباب، فرفع طارق إصبعين، وأغلق الرجل الباب خلفه.
كان البند في الصفحة الثالثة، وكنت قد قرأته مرتين من قبل.
«البند الأول»: مكتب «آل السيّد»، والمخططات، والاسم المرفوع فوق المدخل؛ كل ذلك سيبقى قائماً، منقولاً إليه، محميّاً، عصيّاً على تصويت المجلس. وفي المقابل، فإن كل ما يحمل توقيعي سيؤول إلى السجلّ المحفوظ في حوزته. وأمام العلن، سأكون مسؤولةً أمامه.
وضعتُ الفنجان. «هذه ليست شراكة».
قال: «بل ملاذ. ولكِ أن تسمّيه باسمه متى ما صرتِ في داخله».
بدأت مسبحته تتنقّل بين أصابعه، حبّةً تلو أخرى، بتمهّل رجلٍ يحصي ما يملكه بالفعل. سحب قلماً من داخل كمّ بشته ووضعه مستوياً على الطاولة، دون أن يلمسه ثانيةً.
«أحتاج ردّكِ قبل أن تبرد القهوة، يا سيّدتي».
نظرتُ إلى يده المستقرّة على الطاولة، وإلى القلم الذي ينتظر تحتها.
ثم قلبتُ الصفحة بطرف إصبعي، بالطريقة ذاتها التي أقلب بها مخططاً قرّرتُ مسبقاً رفضه.
«حدّد معنى "أمام العلن"».
«أي غرفة فيها شاهد. وأي بابٍ يُفتح إلى الخارج».
«إذاً دوّنها في البند، لا على لسانك. فلن أوقّع على مجرّد وصف».
تحرّك شيءٌ عند زاوية فكّه لم يكن ابتسامةً تماماً، وبالتأكيد لم يحمل ذرّة دفء: «ستُكتب في الهامش، بخط يدكِ، وسأختم على الهامش».
«والأرشيف؟»
«لا يُمسّ. المجلس يصوّت على الميزانيات، لا على المخططات».
أعدتُ قراءة البند الثاني، ثم البند الثالث، وتلك الفقرة الرمادية الدقيقة تحتهما التي لا يقرؤها أحدٌ قط؛ تلك التي تقرّر مصير ملكية الشيء حين يعجز صاحبه عن الردّ.
قلتُ: «وموظفوني؛ تسعة أشخاص. اثنان منهم في المكتب منذ ما قبل أن يُسمح لي بقيادة السيارة».
«يبقون».
«خطياً».
«في الهامش».
أعدتُ الصفحة إلى مكانها ومرّرتُ إبهامي على الثنية، وأجبرتُ نفسي على نطق ما يليه ببطء؛ لأن السؤال السريع سؤالٌ قد خسرته سلفاً.
«إذا دخل اسمي في سجلك، فمن يُخرجه؟»
«لا أحد، منفرداً». وضع المسبحة على الطاولة: «لا أنتِ، ولا أنا. وهذا هو جوهر الأمر برمّته».
«يا لَه من أمرٍ يبعث على الاطمئنان! قفصٌ بمفتاحين وبابٍ واحد».
وافقني قائلاً: «قفصٌ لا يقدر المجلس على فتحه».
جاء القهوجي ليأخذ الفنجان الفارغ، فقلت له: «يعطيك العافية»، فانحنى ومضى، بينما راقبني طارق وأنا أشكر رجلاً يسكب قهوته ولم يعلّق، وهو ما كرهته أكثر ممّا لو علّق.
عاد نائبه بوعاءٍ نحاسيّ صغير على حاملٍ من الشبه ووضعه عند طرف الطاولة. اشتعل الفتيل، وبدأ الشمع يفقد تماسكه ويسيل.
قال النائب مخاطباً الفضاء لا موجّهاً حديثه إليّ: «ملف آل السيّد جاهز، أوراق الابنة».
قال طارق بهدوء رجلٍ يغلق درجاً: «اسمها يعلو باب المكتب؛ خاطبها به».
لم تتغيّر ملامح وجه النائب: «أوراق ليان آل السيّد، يا أستاذ».
لم أرفع بصري عن الورقة؛ فقد نعتني رجالٌ أفضل منه بما هو أسوأ، والاسم الذي يُدافع عنه المرء أمامك يظلّ اسماً مصوناً، أياً كان ما كلّفه النطق به.
أمسكتُ بالقلم أولاً، وتنازلتُ عن إرث أبي لصالح سجلٍّ في حوزة رجلٍ آخر بخط يدٍ لم أكد أعرفه لنفسي، ثم دفعتُ الورقة عبر الحجر الجيري وسحبتُ يديّ إلى حجري.
قرأ ما كتبتُه. قرأه بالطريقة ذاتها التي أقرأ بها المخططات؛ الزوايا أولاً، ثم مواضع التقاطعات والتفاصيل. ثم نزع الخاتم من خنصره، وأداره مرّةً تحت ضوء المصباح، فبدا فصّه الأسود أملس وبارداً، وغرسه في الشمع.
انطبع الشمع بالنقش وثبت عليه. رفع الخاتم فبقي الأثر غائراً ودقيقاً، ووضع الختم بجانب توقيعي كما لو كان يضع فنجاناً.
قال: «خلاص».
لم يمدّ يده لمصافحتي، بل صبّ لي قوع الدلّة في فنجاني بنفسه، بيمينه أولاً، وملأه إلى ما دون النصف، ثم وضعه أمامي وتركه هناك.
خارج جدران الحجر الجيري، ظلّت أضواء «كافد» متّقدةً لأولئك الذين ما زال لديهم خيار.