Chapter 3 · استدعاء إلى الصدر
كانت البطاقة عند بوابة بيت يوبا قبلي.
لم تكن اتصالاً، ولا دعوة. كانت مستطيلاً من ورق مقوّى ثقيل بلون عاجي، سُلّمت باليد في ساعة لا يزال فيها البوّاب متردداً إن كان الليل قد انقضى أم لا، ولا تحمل سوى رقم طابق، ووقت، واسم آل الفهد. بلا شعار، وبلا ختم شمعي. بطاقة كهذه لا ترجو الحضور رجاءً.
كان بندر ينتظر عند البوابة في السابعة تماماً، وبرودة السيارة تصدّ حرارة الصباح الباكر. فتح لي الباب دون أن يلتفت ليرى إن كنتُ قد نمت، وتلك كانت طريقته الخاصة في اللباقة الهادئة.
قلتُ وأنا أركب: «يعطيك العافية».
«الله يعافيك يا سيدتي».
يبدو كافد في السابعة صباحاً ككتلة من الزجاج وزخم صامت. تتدلى الحبال على الواجهات الشاهقة، ورجال معلّقون في مواجهة وهج الشمس، ونوافير الباحة تتدفق لساحة خالية. الطابق الحادي والأربعون هو المقر التجاري للعائلة، وحين انفتح المصعد، كان السجاد وارفاً بما يكفي ليخفت وقع كعب متردد فيجعله أشبه باعتذار. مشيتُ على امتداده كله دون أن أقدّم أي اعتذار.
تتأرجح قاعة مجلس آل الفهد بين المجلس وقاعة الاجتماعات؛ مساحة فسيحة تمتد فيها طاولة طويلة من خشب البلوط المبيّض بمحاذاة واجهات زجاجية ممتدة، وفي رأسها يقبع الكرسي ذو الظهر العالي: الصدر. ظلّ شاغراً منذ اليوم الذي حُمل فيه آخر من جلس عليه من جناحه الخاص.
كان عمي سلطان يجلس في المقعد المجاور، حيث ترأس الاجتماعات طوال 12 شهراً، متعمداً صرف بصره بدقة عن رأس الطاولة الخالي.
وجلس نواف الفهد في الطرف الأقصى مع الأستاذ حمدان وملف مفهرس بأشرطة حريرية ثلاثية. وحين دخلتُ، مرّت نظرة نواف على ملفي، ثم على ذقني، مقدّراً أيهما يشكّل التهديد الأحدّ.
كان سعد ينتظر عند المنضدة الجانبية ومعه الدلة الفضية، والفناجيل متراصة يتصاعد منها البخار، دون أن تُسكب قطرة واحدة. فالبروتوكول صارم: لا يمسّ الخزفُ صينيةً حتى يُشغل الصدر. وكل ما يلي تلك المراسم ليس سوى قيود إدارية بحتة.
وصل طارق آخراً.
لم يعجل في خطوه، ولم يلتفت للحاضرين. بل اتجه مباشرة إلى رأس طاولة البلوط الطويلة وجلس على كرسي الصدر بهدوء حاسم يشبه رجل يستردّ ما نُحّي عنه مؤقتاً فحسب. وفي أرجاء القاعة، تحشرجت الأنفاس ثم سكنت كاستقرار الحصى.
تقدم سعد خطوة؛ فالصبة الأولى من حق الصدر. تناول طارق الفنجان بكلتا يديه، وشرب دون عجلة، ثم وضعه. حُسم الأمر وثبت الحق حتى قبل أن ينتهي لسان القفل الثقيل لباب الدخول من إحكام إغلاقه.
قال طارق بنبرة هادئة: «يا أستاذ، الأوراق أمامك».
وقف حمدان. كان رجلاً متمرساً في صنعته؛ تحدث بسلاسة عن النسب، والفروع الجانبية، والأعراف التي صانتها الأناة، ملمّحاً إلى أن الوريث الغائب لا يعود من وراء البحار ليفرض سيطرته على رأس مجلس راسخ.
أنصت طارق وأصابعه مستقرة باسترخاء على الخشب الفاتح. وحين فرغ حمدان، تحدث طارق دون أن يرفع وتيرة صوته.
قال ببرود: «هذا المقعد لا يُورث بالالتماسات، بل يُصبّ له. وقد رأيتم جميعاً الصبّة الأولى. إن كان هذا المجلس يرغب في تعديل سوابقه، فلكم أن ترفعوا تعديلاً، وسأنظر فيه بحسب أسبقية وروده». ثم صمت برهة محسوبة بالثانية، وأردف: «على حد علمي، جدول الأعمال مكتظ اليوم. وليس من الحكمة أن تفقد العائلة دورها في الطابور من أجل قطعة أثاث».
اشتد فك نواف، وفُتح الملف بفرقعة حادة.
أعلن نواف: «القرار الرابع عشر. حق الشفعة المتعلق بأتيلييه آل السيد، الممنوح لهذا المجلس بموجب ضمان السيولة الذي أنقذ المؤسسة خلال ربعها العجاف. وقد قرر المجلس تفعيل هذا الخيار صباح اليوم».
التفتت القاعة نحوي في صمت مطبق.
كنتُ قد استعددتُ لهذا منذ وصول البطاقة العاجية قبل الفجر. فتحتُ ملفي قبل أن يتم نواف قراءة بنده. دفعتُ الوثيقة الموقعة عبر خشب البلوط المصقول، وكانت أصابعي ثابتة بانضباط معمارية لا تملك ترف ارتعاش الخطوط.
قلتُ ونبرتي في غاية الهدوء: «القرار الرابع عشر يتطلب توقيعين نافذين؛ توقيع المجلس، وتوقيع الأصيل. وخانة الأصيل لا تزال بيضاء خالية. الصفحة الرابعة بلا اعتماد، تماماً كما كانت ليلة صياغتها، ولم يطلب أي ممثل على هذه الطاولة توقيعي عليها قط».
رد نواف معترضاً: «لم تكوني الأصيل المعتمد حينها؛ كان والدك هو من يدير المؤسسة».
«أنا من يديرها الآن». كان الرفض جافاً لا هوادة فيه. «أي خيار غير منفَّذ لا يمكن تفعيله بقرار أحادي. يمكنكم إعادة صياغته، ويمكنكم رفعه إلى مكتبي، وسأنظر فيه كتابةً في حينه».
قاطعنا حمدان، متمتماً بازدراء عن إرث تُرِك لابنة تفتقر إلى الخبرة.
لم يصرخ طارق، بل اكتفى بتدوير فنجانه الفارغ ربع دورة فوق الخشب، فرَنّ الخزف بصوت مسموع خرق سكون الغرفة.
قال طارق: «هي الأصيل الوحيد لأتيلييه آل السيد. وتجلس إلى هذه الطاولة بحق الملكية. لديها سجل تجاري سارٍ، وترخيص، والحق الحصري في الصفحة الرابعة. وإن كررتَ هذه النبرة الاستعلائية في هذه القاعة مجدداً يا حمدان، فسآمر بتلاوة قيود المحكمة وإدراجها في الضبط حتى تجد خطاباً يليق بمخاطبة شريك».
خيّم صمت مطبق على الطابق بأكمله، واكتفى الزجاج بطنين خافت في وجه رياح الصباح.
وتابع طارق: «علاوة على ذلك، فالقرار الرابع عشر ليس مؤجلاً ولا قابلاً للاستدراك؛ بل هو باطل، وليس فقط لغياب توقيعها».
من ملفّه الداخلي يُخرج صكّاً واحداً نافذاً، ويدفعه برفق نحو بؤرة الضوء. عرفتُ الورقة ذات العلامة المائية على الفور؛ فحواشي تعليقاتي بخط يدي تعلّم البند الرابع، حيث توقفتُ عن القراءة قبل ثلاث ليالٍ قبل أن أذيّلها باسمي.
«أتيلييه آل السيد خاضع لعهدٍ خاص ملزم لمكتبي،» قال طارق. «مُسجّل، ومختوم، مع تحويل المقابل المالي وتقييد الصك. لا يمكن للمجلس تفعيل خيارٍ على أصلٍ خرج بالفعل من السوق. لم تُهزم في التصويت يا نواف، بل جئتَ بعد إغلاق الدفاتر.»
«هذا الصك لم يُعرض على لجنتنا،» اعترض حمدان.
«لا يحتاج إلى إذنكم،» أجاب طارق بسلاسة. «أنا لا أطلب مصادقتكم، بل أبلغكم بأن الأصل لم يعد في الموضع الذي تمدّون أيديكم إليه. وبوسعكم مراجعة ختم السجل لدى الوزارة عند التاسعة، بل وأشجعكم على ذلك. فالبند الأول قاطعٌ إلى حدٍّ لافت.»
ثم أتى بالحركة التي ترسم الحدّ الفاصل أمام كل من في المجلس.
رفع إصبعين. تقدّم سعد بالدلة، لكن طارق لم يأخذ الصبّة الجديدة لنفسه. تناول الفنجان الساخن، ونقله نقرةً واحدة على الصحن، ثم وجّه مسار سعد بنظرةٍ واحدة؛ متجاوزاً نواف، ومتجاوزاً حمدان، ومتجاوزاً ثلاثةً من كبار أبناء العمومة كانت أيديهم قد ارتفعت بالفعل إلى المنتصف، حتى استقرّت الصينية النحاسية بمحاذاة كمّي.
لم ينطق أحدٌ من الكبار. لم يبقَ شيءٌ يُعترض عليه؛ فتقديم فنجانٍ ثانٍ في صدر مجلسٍ عام هو إسباغٌ علنيّ لغطاء الحماية، سُجّل أمام كل شاهدٍ على الطاولة. ودون أن يُهدر نَفَسٌ آخر في شأن الأتيلييه، انتقل النقاش إلى حقوق ارتفاق شبكات التصريف البلدية، وكأن اسم الشركة لم يُذكر قط.
شربتُ. كان طعم الهيل حادّاً، ساخناً، وحاسماً.
وحين اختُتمت الجلسة الرسمية، استفسر عمي سلطان عما إذا كان ثمة أمرٌ آخر للنظر، فاستقبله الصمت المتوقع، ولاحظ أن الصدر قد حُسم أمره، فأنهى اليوم بالسؤال المعتاد عن أهل بيت طارق. ونهض المجلس وسط همهمات المغادرة المهذبة.
وصلتُ إلى ممر المصاعد قبل أن يقترب مني أحدٌ بتهانٍ متكلّفة.
كان البابان يوشكان على الانغلاق حين اعترضت يدٌ المستشعر. انفرجا، ودلف طارق إلى مقصورة المصعد المكسوة بالمرايا. أُغلقت الأبواب البرونزية بإحكام عازلةً الطابق، وبدأ الهبوط.
«ما كان يلزمكِ إبراز الصفحة الرابعة،» قالها وهو يراقب تناقص مؤشر الطوابق.
«أعرف.»
«ومع ذلك أبرزتِها.»
«كان اسمي، وكان عليّ أن أدافع عنه.»
تهاوت الأرقام متجاوزة الـ 30، ثم الـ 20، فالـ 15.
«خلاص،» قالها بهدوء بينما ومض الرقم 12 بلونٍ ذهبي. «ثبتِّ في مكانك، وهذا يكفي.»
عند طابق الميزانين انفتحت الأبواب كاشفةً عن البهو الرخامي. لم يمسك بذراعي ولم يرافقني عبر العتبة؛ بل ظل في المقصورة، ويداه مستقرتان إلى جانبيه، محافظاً على المسافة الرسمية التي تقتضيها الأنظار. وخلف الواجهة الزجاجية الدوّارة، كان بندر ينتظر بجانب الرصيف، بينما برج المدينة يعكس وهج الحرارة البيضاء المنبعثة من الأسفلت.
خلفنا، وعلى علو 41 طابقاً، حُسم أمر الصدر، والعهد قائمٌ ومسجّل، واسم يوبا باقٍ مصوناً لم يُمسّ فوق الحجر.