رجوع

ثلاثية غرناطة

0%

Chapter 1 · تحت القماش المزيّت

ثلاثية غرناطة Chapter 1

خرج النعناع بعروقه كاملة، فنفضتُ عنه التراب على حافة السلّة قبل أن أُلقيه فيها. في دار جدّي كان الصباح يبدأ هكذا دوماً؛ ماءٌ يُرشّ على البلاط، ومصاريعُ النوافذ نصفُ مفتوحة، ورائحة البستان السفليّ تعلو من فوق الجدار كأنّ أحداً تعمّد إدخالها.

سأل حسن وهو واقفٌ عند عتبة الباب، ونعلاه في يده كي لا يطأ البلل: «أحصيتِ الكتب؟»

«واحدٌ وأربعون»، أجبته دون أن أرفع رأسي، «الممزّق تحت الرفّ الثاني، ملفوفٌ بكتّان. يقول الجدّ لا يلمسه أحد، لئلا تنفرط خياطته».

دخل ووضع نعليه جانباً ونطق باسمي؛ سليمة. بصوتٍ خافت، كما نلفظه دوماً داخل هذه الجدران ولا ننطقه أبداً في الساحة. ظلّ الاسم يتردّد في الغرفة بعدما سكت، فأدركتُ أنّ خبراً قد بلغه، وأنه يتدبّر كيف يلقيه إليّ.

قلتُ: «قُلها صريحة».

«بعدين»، قالها ثم استدار ليمضي، فكاد يصطدم بالرجل الصاعد على الدرج.

دخل سعدٌ ومعه صرّةٌ ملفوفة بقماشٍ مشمّع، وعلى إبهامه أثر حبر. كانت مالقة ما تزال حيّةً في طريقته حين يدخل مكاناً؛ يتفحّص الزوايا أولاً، ثم ينظر في وجوه الحاضرين. وضع الصرّة على الطاولة بيننا ولم يحلّ وثاقها.

قال: «من الدكان، ولا ينبغي أن تبقى هناك».

وضعتُ كفّي مبسوطةً على القماش، فتحسّستُ تحته شكل كعب كتاب. انحدر صوت عائشة من الغرفة العلوية تسأل إن كان الماء قد فار، وخلفها تمايل باب الفناء على مفصلاته.

كان كمّ سعد قريباً منّي حتى إنني تبيّنتُ خيوط نسجه.

الرجل الذي ولج الباب كان يحمل لوح كتابة تحت إبطه ودفتراً تحت الآخر، واضطرّ لِلَيّ كتفه ليمرّ بجوار شجرة الليمون. عرفتُه من رائحة حبره؛ فكاتب الحيّ هو من يحرّر عقود الإيجار والمهور، ويسجّل الخصومات على مجرى الساقية، وهو رجلٌ لا يصعد إلى بيتٍ قبل الساعة الثانية.

قال موجّهاً كلامه إلى البلاط، لأنّ جدّي لم يكن قد نزل بعد: «يا أبا جعفر».

قلتُ وأنا أزيح السلّة عن الدرجة: «هو آتٍ، استرح هناك حيث يحجب الجدار الشمس».

جلس، ووضع اللوح على ركبتيه، وأسند الدفتر فوق اللوح دون أن يفتحه. أمّا سعد فلم يتحرّك من جوار الطاولة، وظلّت صرّته قابعةً حيث وضعها، وكان الحبر على إبهامه قد جفّ فغدا مثل وريقةٍ سوداء صغيرة.

ثم نزل جدّي، فتبدّل هواء الفناء كلّه. نزل الدرج خطوةً خطوة، ويده على الدربزين، وعباءته ملقاةٌ على كتفيه رغم أنّ الصباح كان قد دفأ، ولم ينبس أحدٌ ببنت شفة حتى بلغ الدرجة الأخيرة ونظر إلى الدفتر الموضوع على اللوح.

قال: «السجلّ».

قال الكاتب: «كلّه، طال عمرك. يريدون هذه المرّة حصر البيوت بأكملها، لا كبير البيت وحده، بل كلّ اسمٍ يبيت تحت هذا السقف».

ردّد جدّي العبارة على مهل: «كلّ اسمٍ يبيت تحت هذا السقف»، ولم يكن قوله سؤالاً، كما أنه لم يجلس.

دنا حسن ووقف عند كتفي. ومن فوقنا كانت عائشة قد خرجت إلى الشرفة مشمّرةً عن ساعديها، ومريمة في أثرها؛ وضعت عائشة كفّيها على الدربزين بتلك الوقفة التي تقفها نساء هذه الدار حين يعتزمن سماع كلّ شيء دون أن يُوجَّه إليهنّ سؤال، وفعلت مريمة مثلها، لصغر سنّها عن إدراك ما تقلّده.

قال جدّي: «اكتب إذن، واضبط كتابتك من أول مرّة».

فتح الكاتب الدفتر، فطقطق كعبه بصوتٍ يجمع بين الانكسار والالتئام معاً. نزع غطاء محبرته وتناول قصبته، وراح جدّي يُملي عليه الأسماء بنفسه، متأنياً، بالترتيب الذي يريده هو؛ وهو لم يكن ترتيب الدار بل ترتيب العائلة على العهد القديم: دار أبي جعفر. عائشة، أرملة ابنه الأكبر، وحافظة المفاتيح والمكاييل، وكافلة الصبيّة التي لا أمّ لها. وحسن ابنه. ومريمة وعلي، ولداها اللذان ينامان حيث تنام. وسليمة، ابنة ابنه الذي لم يكن حاضراً ليذكر اسمه بنفسه.

ذكر اسم أبي فدوّنه الكاتب، ودخل في الدفتر مع سائر أسمائنا رغم أنه متوفى منذ أحد عشر عاماً؛ فما كان جدّي ليرضى أن تُحصي الساحة أهل هذا البيت فتجد فيه نقصاً.

قال الكاتب وهو يرفع بصره: «سليمة... سنة الميلاد؟»

أخبره جدّي، ولم أصوّب قوله. كان يخطئ بعامين، وظلّ يخطئ بالعامين نفسيهما في كلّ تسجيل، وكنتُ منذ زمنٍ بعيد قد وطّنتُ نفسي على أنّ له الحقّ في أن يخطئ.

ثم سأله عن بنود المعاهدة، فتابع الكاتب يخطّ بقلمه دون أن يتوقف، وهو الذي يقدر على الكتابة والحديث في آنٍ واحد، وتلك خصلةٌ لا يؤتاها إلا الكتّاب.

قال: «يتلونها في السقاطين، منذ يوم الخميس. يقف رجلٌ على دكّةٍ فيقرأ، والناس يردّدون خلفه آخر كلّ سطرٍ كأنهم في كتّاب». غمس قصبته في الدواة وأردف: «ما قُضي فقد قُضي، وما بقي دون حسمٍ يتنازع عليه رجالٌ لا يملكون شيئاً ولن يخسروا شيئاً».

سأله جدّي: «والكتب؟»

توقّفت القصبة.

قال الكاتب بحذر: «لم يأتِ ذكرها في البنود».

«عن هذا سألتك»، قالها جدّي بصوتٍ استوى وصار جامداً كالطاولة، «البنود للمدينة، والمدينة للساحة، وأنا أسأل عمّا يحلّ بالكتب».

قال الكاتب: «ما أنا إلا رجلٌ يحمل لوحاً، أكتب ما يُملى عليّ وأقبض أجري طحيناً، فلا تسألني عمّا لم يُكتب».

ثم خجل من ذلك، على ما أظن، إذ نكس رأسه وخطّ سطرين بسرعة فائقة، ثم قال: «لكن ثمة رجال يجمعون. هذا صحيح لا ريب فيه. ليس من أجل البنود، بل لأنفسهم». ثم جفف الحبر: «سل في الساحة، أو لا تسأل في الساحة. الجواب واحد، وأحدهما فقط أقل كلفة عليك».

لم يضحك أحد.

وضع سعد إصبعين على صرّته وأدارها قليلاً، بحيث غدا طرفها المعقود في مواجهة جدي، وقال: «أُغلق الدكان يوم الثلاثاء. والرجل الذي استأجر الحجرة الخلفية رحل في جنح الليل وأخذ معه ما وسعته العربة. وترك هذه، وترك المفتاح في الباب، وأنا لم أذهب إلى مالقة منذ ست سنين ولا أنوي الذهاب الآن».

فقال جدي: «ما هذا؟».

«كتاب». حلّ سعد إحدى العقد ثم توقف: «ليس لي، ولا هو له أيضاً، قياساً على خط اليد. وأفضّل ألا يبقى على رفّ تعلوه نافذة».

نظر جدي إليه ملياً، ثم قال: «لا يبقى في الدكان، ولا يبقى في هذا الفناء بعد مضي هذه الساعة. يا حسن».

فقال حسن: «عندي».

أطبق الكاتب السجل وأداره على اللوح ودفع الحبر إلى الحافة بإبهامه، فوقّع جدي. وقّع بتمهل ولم يرفع القصبة بين الحرف الأول والآخر، وحين فرغ اعتدل وقرأ الصفحة كلها في سره وفمه فاغر قليلاً، كما يقرأ المرء أمراً أُكره على توقيعه وعزم على أن يحفظه حرفاً بحرف.

قال الكاتب حين طال انتظاره: «يا أبا جعفر، الطحين».

«يا عائشة».

كانت تنزل الدرج بالفعل، وبيدها المكيال جاهزاً دون حاجة إلى أن يُعاد عليها القول مرتين، وناولته إياه عند الباب بكلتا يديها دون أن تسأله عن شيء، وتلك كانت طريقتها لتبين له منزلتَه في نفسها. خرج الرجل، وتأرجح الباب دون أن يُحكم إغلاقه.

وقف جدي في وسط فناء داره والقلم ما يزال في يده. كتابان كانا هنا هذا الصباح؛ خرج أحدهما إلى الشارع في جراب، والآخر في طريقه إلى ما تحت البلاط.

قال دون أن يوجّه كلامه لأحد: «واحد منهما فقط يمكن إظهاره»، ثم عاد صاعداً الدرج.

أخذ حسن المصباح والصرّة كليهما، ونزل الدرج المؤدي إلى ما تحت البيت. وبقيتُ أنا عند أعلاه واضعاً يدي على الدربزين، أرقب الضوء وهو يبتعد غائراً تحت الأرض ثم يرجع صاعداً من جديد، وحين خرج كان وحده خالي الوفاض، ووجهه خالٍ من أي تعبير البتة.

عدتُ لآخذ سلتي. كان النعناع قد ذبل في الهجير، ولم أكن أبالي.

قلتُ، دون أن أوجّه قولي لأحد: «واحد وأربعون»، وكان ذلك الرقم الوحيد في ذلك الفناء، في ذلك الصباح، الذي كنتُ أستطيع أن أقسم عليه.