رجوع

ثلاثية غرناطة

0%

Chapter 2 · شروط عند الباب

ثلاثية غرناطة Chapter 2

بدأت ضربات المطرقة قبل أن تعلو الشمس فوق المصبغة.

أرسلت أمي مريمة إلى السطح بخبز الرقاق، فالسطح مأمنٌ يبعد الصغار عن الأقدام ويبقى تحت العين، وأرسلتني في إثرها لأني هادئة لا أتحرك. جلسنا خلف المشربية في زاوية الغرفة العلوية، خشبها باردٌ يلامس جبهتي، والزقاق ينبسط تحتنا كشيءٍ مسكوب.

لم ينادِ أحدٌ أهل الشارع للخروج، لكن الشارع امتلأ على آخره رغم ذلك.

وقف ثلاثة رجال عند البوابة حيث يلتقي زقاقنا بالساحة: جنديان، وبينهما كاتبٌ يحمل حقيبة جلدية ومطرقة. لم يتحرك الجنديان قيد أنملة، أما الكاتب فظل يُدخل يده في الحقيبة ويخرجها، كأنما خشي أن تكون الورقة التي بداخلها قد تبدلت مذ نظر إليها آخر مرة.

وقف المنادي على الدرجة الثالثة من درجات النافورة وراح يقرأ.

كانت القشتالية تتدفق من لسانه سريعة رتيبة، كماءٍ ينحدر من شاهق. لم أكن أفقه الكلمات، لكني وعيتُ وقعها وهيئتها؛ ذلك المدّ الطويل في ختام كل سطر، وتلك السكتة اليسيرة التي يقفها قبل الكلمة التي تختمه. أدار كل رجل في الساحة رأسه نحو ذلك الصوت، وخرجت النساء إلى أسطحهن، وكانت زوجة الصباغ تبكي في كم ثوبها دون أدنى صوت.

شدت مريمة معصمي: «وش يقول؟»

قلت: «ولا شيء.. شروط.»

«أي شروط؟»

لم أكن أعلم أي شروط. من ورائي، كانت درجات السلم ترزح تحت وطأة خطوات جدي، درجة فدرجة، كما اعتادت أن تحمله، حتى وقف خلفنا واضعاً يده على الإطار، والزقاق بأكمله ممتد تحت ناظريه.

قال: «يقرؤون الشروط.»

وكان حسن قد صعد في إثره، ولا يزال الطحين عالقاً بأكمامه من الليلة الماضية، وسأل: «أي شروط؟»

قال جدي: «كلها.»

وتحتنا، وصل المنادي إلى خاتمة أمرٍ ما، فأصدرت الساحة صوتاً لم أعهد قط أن يصدر عن ساحة. لم تكن صرخة، بل تنهيدة خرجت من صدورهم دفعة واحدة، كما يخرج الهواء من حجرة حين يُفتح باب في ناحية أخرى من البيت.

ارتقى الكاتب الدرجة، ورفع الورقة ليظهر الختم، ثم دق المسمار بضربتين؛ واحدة لغرسه وأخرى لتثبيته، فارتفع الصوت عن الحجارة ليخترق المشربية ويصكّ أسناني.

واستقرت الورقة على البوابة في مستوى عين الناظر، تتهادى في خفة.

تقدم صبي ليمسها، فلكزه جندي وأعاده إلى الجمع دون أن يلتفت إليه.

تسلل صوت أمي من فجوة السلم، واهناً كما يغدو حين تحمل الرضيع على خاصرتها: «مريمة، انزلي من عندك.»

لم تتحرك مريمة؛ وضعت كفي على ظهرها وظلت مكانها.

قال جدي: «يا حسن، انزل وشف ذاك المسمار.. في خشب ولا جص؟»

«وبعدين؟»

«تعال وعلمني، خشب ولا جص.»

نزل حسن، ابتلعه بيت الدرج ثم قذفه إلى الزقاق. رمقته وهو يعبر نحو البوابة ويداه متدليتان إلى جانبيه في تؤدة، كفتى ذاهب ليعاين مسماراً فحسب. راقبه الجنديان دون حراك، وكان جمودهما أثقل على النفس مما لو تحركا.

وقف أمام الورقة وقتاً يكفي لقراءتها، وذلك ما لم أكن أحسب حسابه. تحركت شفتاه مرة، ثم اثنتين، ثم عاد أدراجه؛ لم يرفع بصره نحو المشربية، وصعد الدرج في تثاقل.

قال: «خشب.. المسمار في خشب الباب، مو في الجص اللي جنبه.»

وقف جدي هنيهة ويده على الإطار.

قال: «أجل باقي مكانه. ما يدقون الشيء في الباب إلا عشان يقراه اللي داخل.. يبون الناس تقراه.»

قال حسن: «كتبوا شروط الاستسلام كلها.. تسليم المدينة وشروطها، في الساحة، قدام الكل، قبل ما يتم الأمر.»

«إي نعم.»

«يعني الأمر منتهي.»

قال جدي: «كُتب، وهذا مو نفسه، لكنه الدرب إليه.» ثم التفت برأسه وقال: «يا سليمة، وش سوى صوت المنادي بآخر السطر الرابع؟»

فكرت برهة وقلت: «وقف.. قبل الكلمة الأخيرة. وقف وبعدين نطق الكلمة الأخيرة لحالها.»

قال جدي: «صحيح.. هذا رجل يقرا كلام ما كتبه ولا يقدر يغيره. احفظي هالسكتة زين، السكتة هي مكمن الخوف.»

وقد حفظتُ تلك السكتة.

ملّت مريمة المشربية ونزلت لتأكل الخبز. بقيتُ مكاني أراقب الساحة وهي تفرغ كما تمتلئ، آحاداً وبضعاً، وزوجة الصباغ تدلف إلى بيتها وتوصد بابها، ورجلين يقفان عند أسفل البوابة يتجادلان إن كان المسمار قد غُرِز في الختم نفسه أم إلى جانبه، حتى انضم إليهما رجل ثالث فانقطع جدالهما.

نادتني أمي مرة أخرى، فأجبتها هذه المرة.

في فناء الدار، كان جدي عند البئر وحبله في يده، يسحب الدلو دون غاية محددة، وكان عند الباب رجلان قد حضرا يسألانه رأيه، فلم يزدهما على ما قاله لحسن شيئاً. لم يكن رجلاً يجود بأكثر مما عنده.

ذهبتُ لآخذ سلتي. كان النعناع قد ذوى من القيظ، ولم أبالِ.

وفي طريقي عبر الزقاق، نظرتُ إلى البوابة نظرة واحدة مستقيمة، كما ينظر المرء إلى أمر كُتب عليه أن يراه سنين طوالاً. كانت الورقة تخفق بريح النهر، وتحت الورقة خشب عتيق، وتحت الخشب لا شيء.. أرضية وسلم، و30 قدماً من التراب، و41 كتاباً.

قلتُ وما حولي أحد: «ضربتان.» ضربتان فحسب؛ عددتُهما من خلف المشربية وجبهتي مسندة إلى الخشب، وكان ذلك الرقم الوحيد في ذلك الشارع كله الذي بوسعي أن أقسم عليه.

في تلك الليلة، نزل السراج إلى ما تحت الأرضية مجدداً، وعُدتُ لأقف في أعلى الدرج ويدي على الحاجز، وصعد هو مرة أخرى خالي الوفاض، وهذه المرة لم يقل جدي شيئاً على الإطلاق حيال الأمر. فلم يبقَ كلامٌ يُقال لم تكن المطرقة قد قالته نيابةً عنه في الساحة.