رجوع

ثلاثية غرناطة

0%

Chapter 3 · الراية الخضراء

ثلاثية غرناطة Chapter 3

أقبلت الرايات طالعةً من ناحية المرج في صباحٍ كان التنور فيه بارداً، وأعلم يقيناً أنه كان يوم ثلاثاء؛ ففي أيام الثلاثاء ما كانت مريمة توقد نارنا للخبز، بل كانت تبعثني إلى الخباز الذي بجوار الحمام ومعي خرقة وقطعة نقد. وكنت عائداً أصعد الزقاق والأرغفة في حضني تفيض دفئاً من وراء الكتان، حتى خطف عيني ذلك اللون، فوقفت في وسط السكة وقد حبست أنفاسي.

أخضر. وتحت الأخضر بياضٌ يجعل الغبار يبدو أصفر. أربع رايات، ثم ست، ثم جموع تترى وراءها، تلتف مع المنعطف حيث يهبط الدرب عن السهل. كان الخضار معلقاً في الهواء لا يتحرك، إذ لم تكن في ذلك الصباح نسمة ريح، وكان جموده في وقفته أشد وطأة على النفس من أي حركة.

فركضت. ولم أسقط الخبز من يدي. وما زلت أجد في نفسي شيئاً من الفخر بذلك، وشيئاً من الخجل أيضاً.

وقفت عند الباب وقلت: «يا جدّي، الراية... في الدرب السفلي.»

كان حسن جالساً إلى الطاولة منكباً على لوحه، فلم يرفع رأسه إلا بعدما عدتُّ القول ثانية، وعندها وثب من مكانه وتجاوزني نحو الدرج ونعلاه تصفقان فوق البلاط. كان في الحادية عشرة من عمره آنذاك، وفيه خفة الصبيان ولهفتهم في الجري وراء الأخبار. تبعته إلى الشرفة فألصقنا وجهينا بالمشربية وجعلنا نعدّها؛ وكان العدّ هو الخطيئة، لأن العدّ يقلب النذير رقماً، والرقم أهون على القلب من الحقيقة.

أما جدي فلم يصعد لينظر. بل خرج من المحترف وقصبته ما تزال بين أصابعه، ووقف في عتبة الباب مليّاً دون حراك، والقصبة ثابتة لا تهتز، وحينها أدركت كل شيء.

قال: «أغلق مشربية الطابق السفلي، بضلفتيها. بالترباس لا بالمشبك، ثم انزل إليّ وهات السراج.»

كانت للمحترف رائحته المعهودة، ريح العفص والصمغ، وتلك القطة الرابضة وراء جرة الغراء. ثلاثة مكاتب، والقصب قائم في جرة من ماء البئر، والمداد، وحجر الصقل، ورف خيوط التجليد. وفي الزاوية، صندوق خشب الأرز. اثنا عشر عاماً عشتها في ذلك البيت وما رأيته مفتوحاً قط.

ركع أمامه وأخرج المفتاح من حزامه، وكانت حديدته بطول يدي من المعصم حتى المفصل الأول. ارتفع الغطاء ففاحت رائحة أرز قُطع قبل مولدي بمئة عام، وتحت ريح الأرز عفرة الجلود الجافة.

ثم أخرج قائمة الحصر.

كانت رقعة طويلة من الرق، خُطت بيده في سطور دقيقة متقاربة، أحسبها اثني عشر سطراً. بسطها فوق ركبته وقرأها هامساً تحرك شفتاه، ثم أخذ القصبة وخطّ بها على العنوان الأول، غير أن سنّها كان جافاً، فما خَطّ فوق الصفحة سوى خدش باهت لا مداد فيه.

ومضى يفعل ذلك نزولاً مع القائمة. وكنت أحمل السراج وأرمق الخدش يتبع سطراً إثر سطر، واستقر في صدري، قبل أن أملك الكلمات لأسميه، أنني أشهد رجلاً يواري حياته الثرى بغير مسحاة.

سأله حسن: «أهو المحترف كله؟»

«هو حصر المحترف كله.»

«وكتاب الأعشاب أيضاً؟»

«كل ما عجزت عن حمله خارج هذا البيت على رجليّ، فهو في هذه القائمة.»

فلما بلغ آخرها قال: «واحد وأربعون»، كما يذكر الرجل المسن ثقلاً ينوء به، لا مجرد حساب.

وضع الرقعة في الصندوق فوق الكتب، وكانت مصفوفة مسطحة، ظهراً إلى ظهر، ورأيت إبهامه يمسح الحافة العليا كما يلمس المرء ما لا بد له من تركه وراءه. ثم أُطبق الغطاء، وهبطت الحديدة، ودار القفل.

دار المفتاح دورتين. عقده في خيط أسود ودس الخيط تحت صدريته، ولم أسأله أين، غير أنني ظللت أذكر صرير ذلك الترباس الحديدي في كل بيت دخلته بعد ذلك اليوم.

قال: «اسمعا.» خاطبنا معاً، لكنه نظر إليّ أنا، لأنني كنت من يحسن القراءة. «ما عاد في هذا البيت حرف مكتوب يقدر أحد أن يحمله في صدره ليخرجه على طرف لسانه.»

فسأله حسن: «وإن سألوا؟»

«فنحن دار حِرفيّ فيها مشغل ولا كتاب فيه؛ شيخ وصبي وامرأتان وسقف متداعٍ. وتلك دار لا مطمع فيها لغازٍ.»

ثم ارتفع طَرق على باب الزقاق. كان صاحب الكتّاب من السكة المجاورة بعد سكتين، يسأل إن كانت الحصيرة ستُبسط غداً، فقد سمع أهله أراجيف في الحي السفلي. وقف جدي على العتبة وردّ عليه بأدب ووقار، ويده مسندة إلى عضادة الباب، يخبره أنه متى عاد الماء إلى الساقية عاد الصبيان إلى ألواحهم. وانصرف الجار، فما دريت أكان مطمئناً أم مستسلماً لأمره فحسب.

أغلق جدي الباب وأسند راحته مبسوطة فوق خشب الأرز، يتنفس في سكون لحظة. ثم أنزل يده ودلف راجعاً إلى المحترف، ولم يَنبِس بحرف عن تلك الرايات بقية يومه.

نادتني مريمة من أجل الخبز. وضعت الأرغفة فوق الخوان وغطيتها بكتان نظيف، ومضى اليوم كما يمضي أي يوم. وذلك ما لا يوطّنك عليه أحد عند انصداع ملك وتداعي دولة: أن الخبز لا بد أن يوضع على الخوان مهما كان.

ومع هبوط الليل، كانت الرايات قد تقدمت إلى الأبواب العليا، وأخذت المدينة تخرج ذلك الهمس الخافت المكتوم الذي تصدره كل مدينة حين ينزل في نخاع عظامها ثِقَل غريب.

في تلك الليلة لم ينزل تحت البلاط. جلس في المحترف المظلم وقد خفض ضوء السراج، وراحته مستقرة على غطاء الصندوق المقفل. ونمتُ على الحصيرة في الممر وأنا أرنو إلى خيط الضوء الأصفر الرفيع تحت بابه، وحين انتبهتُ مع الفجر الأشهب، كان السراج قد انطفأ وما كان قد تحرك من مكانه.

في الصباح تناولتُ المكنسة لأكنس، فإذا بالخدوش الجافة على القائمة التي تركها فوق المكتب — حيث كان قد شرع في كتابة نسخة ثانية بخطّه القائم الأنيق — قد تلاشت بالفعل لتستحيل إلى غبار رمادي باهت. ذلك ما يخلّفه القصب الجاف وراءه. وكان ذلك أول درس تعلّمتُه عن الكلمة المكتوبة: أنّ ما استغرق تدوينُه عمراً بأكمله، يمكن أن يُسكَت إلى الأبد دون أن يُحدث أدنى صوت.