Chapter 34 · أمام المنصة العالية
لم تكن الساعات في السراديب السفلية تُقاس إلا بنضوح المياه الجوفية عبر الملاط الكلسي، ودقات أجراس الكاتدرائية المكتومة وهي تتردد فوق البيازين. جلستُ على الدكة الخشبية الجافة، وأسندتُ ظهري إلى الحجر البارد، أضم عباءتي الكتانية بإحكام حول عنقي. فابنة أبي جعفر لا تبكي أمام السجانين، ولا ترتعد فرائصها في موضع تفوح منه رطوبة العفن والشحم المذاب. وحين صرّ المزلاج الحديدي راجعاً في مجراه، نهضتُ قبل أن تمتد يد السجانين إلى ردن ثوبي.
صعد بي حارسان يكتنفانني عبر الدرج الحلزوني إلى قاعة الاستقبال المقببة في دار القضاء. كان الهواء يعبق برائحة دخان الحطب، والصوف المبتل، وحموضة الحبر. وخلف طاولة خشبية عريضة جلس القاضي، تحيط به إضبارات القضايا، وإلى جانبيه كاتبان تخربش ريشتاهما بإيقاع رتيب فوق رقوق خشنة.
وقف سعد ملء قامته أمام المنصة.
لم يبرح القاعة قط. كانت عباءته الصوفية تتدلى مسترسلة على منكبيه، ناصعة لا غضن فيها، رغم المطر الذي بدأ يقرع نوافذ القبة العالية. كان لرجال مالقة شموخ أشمّ لا تنال منه الجدران الحجرية ولا موظفو القضاء؛ وقف راسخ القدمين، رافعاً ذقنه بما يكفي ليتجاوز بمحجر عينيه المحبرة وينظر مباشرة في عيني القاضي الدامعتين.
الفصل 34 مقفل
افتح كل الروايات المصورة
قصص مع مشاهد مصورة وموسيقى تصويرية.
✓ وصول فوري✓ دفع آمن عبر Stripe✓ إلغاء سهل عبر الإنترنت
متابعة القراءة · ٤٩٫٩٩ ر.س/شهر ←٤٩٫٩٩ ر.س اليوم · يتجدد شهرياً · ألغِ في أي وقت